نشرت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية تقريرا موسعاً عن حملة الاعتقالات التي قادها ولي العهد السعودي , ضد أمراء ووزراء ورجال أعمال المملكة, تحت ذريعة محاربة الفساد, ففي الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي, اعتقلت السلطات العشرات من نخبة العائلة المالكة والسياسة والأعمال في المملكة، واحتجزت قوات الأمن الأمراء ووزراء الحكومة والمليارديرات في فندق ريتز كارلتون في ، وأغلقت المطارات الخاصة لمنع الهروب بالطائرات الخاصة.

 

ويواجه المعتقلون اتهامات مختلفة بالفساد، صادرة عن لجنة قوية أنشأها الملك «سلمان» قبل ساعات من الاعتقالات، برئاسة ابنه، ولي العهد السعودي، «محمد بن سلمان».

 

وكان من بين المعتقلين الأمير «»، مؤسس ومالك شركة المملكة القابضة، رجل الأعمال العالمي، وواحد من أشهر وأغنى الأفراد في العالم، وقد انضم إلى «الوليد» في السجن «صالح كامل»، الملياردير ورجل الأعمال، و«وليد الإبراهيم»، شقيق زوجة الملك الراحل فهد.

ومنذ أن بدأت الثورة الفضائية العربية عام 1991، هيمنت السعودية بشكل متزايد على التليفزيون العربي والإذاعة والسينما والموسيقى والنشر، وسيكون لتطورات هذا الشهر تداعياتها الخطيرة على مجال الإعلام العربي. حسب ترجمة الخليج الجديد.

 

من هم أباطرة الإعلام السعوديون؟

ولا يمكن المبالغة في تأثير هؤلاء الثلاثة في تغول السعودية على صناعة الإعلام العربية، ومعا، أسسوا أكبر الشركات الإعلامية الرائدة التي نمت لتصبح أشهر وسائل الإعلام المعاصرة وأكبرها اليوم، وفي كثير من الأحيان، دخلوا في شراكات مع بعضهم البعض.

 

وعندما بدأ «مركز» إذاعة الشرق الأوسط (إم بي سي) في لندن عام 1991، كان «كامل» أحد كبار المستثمرين في الشبكة، وعندما أسس «كامل» راديو وتليفزيون العرب (إيه آر تي) في إيطاليا عام 1994، تم تعيين «الوليد»، الذي يملك قنوات روتانا الموسيقية، مسؤولا عن قنوات الموسيقى في شبكة الـ(إيه آر تي).

 

وفي التسعينات، وهو العقد المحوري في تطور وسائل الإعلام العربية، لم يحدث سوى عدد قليل من المعاملات الهامة في هذا القطاع لم يشترك بها واحد على الأقل من الثلاثة، وغالبا اثنين، وأحيانا الثلاثة.

 

ومنذ ذلك الحين، كان هؤلاء الأباطرة يحكمون الإمبراطوريات الإعلامية التي توفر الأخبار والترفيه، ليس فقط لمعظم السعوديين، ولكن أيضا لأغلبية كبيرة من العرب.

 

ومن خلال انحداره من عائلة من رجال الأعمال الذين كانوا يرشدون الحجاج الذين يزورون مكة في موسم الحج السنوي، يعرف «كامل» نفسه بأنه رجل متدين، وفي عام 1998، أطلق قناة اقرأ، التي احتوت برامج دينية واجتماعية معتدلة.

 

وقدم «إبراهيم» نفسه على أنه رجل حداثة، وفي عام 2003، أنشأ شبكة أخبار «العربية»، التي مثلت النسخة السعودية المقابلة لقناة الجزيرة القطرية، وشكلت صوتا «ليبراليا» نسبيا حول القضايا الاجتماعية السعودية.

 

و«الوليد» هو ابن الأمير «طلال بن عبدالعزيز»، المعروف باسم «الأمير الأحمر»، لتمرده ضد النظام الملكي في الستينات، ويعتبر الوليد شخصية «ليبرالية»، ويتعامل مع شخصيات عالمية مثل إمبراطور الإعلام الأسترالي «روبرت مردوخ»، وقد تحدث عن تأييده لرفع الحظر على قيادة المرأة، وإدماج المرأة بشكل كامل في القوى العاملة السعودية.

 

لماذا تم استهدافهم؟

لا يزال سبب اعتقال هؤلاء الرجال غير واضح، وقد صرح حساب «تويتر» الشهير المعروف باسم «مجتهد»، وهو شخصية غامضة وموثوق به عادة من قبل السعوديين، يقول إنه مطلع على أعلى مستويات السلطة، بأن أباطرة الإعلام الثلاثة وغيرهم قد اعتقلوا لأن ولي العهد كان يعتزم السيطرة على ثرواتهم.

 

ويعد «الوليد» أغنى رجل سعودي، مع ثروة تقدر بقيمة 28 مليار دولار، وهو رقم ضخم مقارنة بثروة الملك «سلمان» الصافية المقدرة بقيمة 17 مليار دولار، ويملك «كامل» و«إبراهيم» أيضا المليارات، ومنذ الاعتقال، كانت هناك تقارير إخبارية عن تجميد الحسابات المصرفية للجميع.

 

لكن ولي العهد قد يتطلع إلى أكثر من أموال هؤلاء.

 

ويمكن اعتبار «بن سلمان» نفسه من بين أباطرة الإعلام، ويملك أبناء الملك «سلمان» مباشرة واحدة من أكبر التكتلات الإعلامية العربية، وهي المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق، التي تنوعت أعمالها من النشر إلى وسائل الإعلام الرقمية، وأعلنت مؤخرا عن خطط لإطلاق شبكة أخبار مالية بالتعاون مع «بلومبيرغ»، ومن الناحية الفنية، يملك الإخوة غير الأشقاء لولي العهد الشركة، لكن «بن سلمان» له تأثير مباشر على هذه المنافذ.

 

وقد يكون هذا تحولا في التقاسم التاريخي لحصص النفوذ، وتقليديا، كانت العائلة المالكة السعودية تمارس نفوذها على وسائل الإعلام بالوكالة.

 

جرت العادة بالسماح لرجال الأعمال التنفيذيين الموالين للعائلة المالكة بإقامة شركات وسائل الإعلام خارج حدود الوطن، وكان مقر (إم بي سي) في لندن، ثم انتقلت إلى دبي، وتم إطلاق (إيه آر تي) في روما، قبل الانتقال إلى عمان، وانتقلت أنشطة روتانا من إلى إلى دبي، حتى قناة العربية، شبكة الأخبار التابعة لمجموعة (إم بي سي)، التي يعكس خطها التحريري بشكل موثوق آراء الحكام السعوديين، كانت تقع في دبي.

 

وكان الصحفيون والمضيفون على القنوات اللبنانية التي تشاهد على نطاق واسع في المملكة بمثابة وكلاء لمختلف الأمراء، وهو ما يتضح من جداول أعمالهم ومناقشاتهم على الهواء، وقال أحد مضيفي البرامج الحوارية اللبنانية إنه عندما خشي الحكام السعوديون من تأثر الشيعة في المنطقة الشرقية بالغزو الأمريكي البريطاني في العراق عام 2003، طلبوا منه استضافة رجل دين شيعي لبناني بارز لتقديم رسالة ودعوة لللاعنف إلى الشيعة السعوديين.

 

التحكم المباشر

وعلى النقيض من ذلك، يمارس الحكام السعوديون اليوم سيطرة مباشرة على وسائل الإعلام، ومنذ صعود «بن سلمان»، أعرب موظفو العربية عن أسفهم لمحاولات ولي العهد القوية لفرض رقابة تحريرية مباشرة على القناة.

 

ولا تقتصر السيطرة السعودية على الأخبار، ويعتبر الترفيه سمة مميزة لخطة ولي عهد المملكة العربية السعودية الحديثة، وفي مايو/أيار عام 2016، أنشأ مرسوم ملكي هيئة الترفيه العامة الجديدة، وفي سبتمبر/أيلول من العام الحالي، أعلن صندوق الاستثمار العام في المملكة، المرتبط ارتباطا وثيقا بولي العهد، إنشاء شركة جديدة، برأسمال 2.7 مليار دولار، للاستثمار في مجال الترفيه.

 

وحتى اعتقالهم، كان «إبراهيم» و«الوليد» على قمة الترفيه السعودي بلا منازع، لصالح نفس النوع من «الليبرالية» التي يرغب بها ولي العهد، وكثيرا ما تم تسييس هذا النوع من وسائل الترفيه، وطرحت تلك القنوات مناقشات بشأن قضايا سياسية مثل التصويت والانتخابات، وأغضبت سلسلة الدراما التليفزيونية المستوردة من تركيا الدعاة وخطباء الجمعة، حيث ذهب أحدهم إلى حد اتهام «الوليد» و«إبراهيم» بـ«إعلان الحرب على الله ورسوله».

 

ومن خلال سجن هؤلاء الأباطرة في مجال الإعلام، يحصل ولي العهد على تفوق مالي على بعض أغنى الرجال في المملكة، ويعزز قبضته على قوة هائلة من قنوات الإعلام العربية، ويمهد لنفسه السيطرة على قطاع ترفيهي ناشئ يستعد للنمو بشكل متفجر في المستقبل القريب.

 

وبعد عقود من توطيد وسائل الإعلام العربية في السعودية، نشهد الآن تركيزا غير مسبوق لقنوات الأخبار السعودية ووسائل الإعلام العربية والترفيهية في أيدي رجل واحد.