“تدخل الجيش على هذا النحو لا يبشر بخير، على الإطلاق، بل ينبأ بأن الثورة آلت إليه دون أن يتعب في أمرها أو إنجاحها، وإنه مصر على أن يستنزفها لنيل أقصى ما يمكنه النيل منها، وهاهو المتحدث الوحيد في المؤتمر الصحفي يعلن استمرار خطة الطريق المعترض عليها من قبل الشباب كما هي، أما الانتخابات المعلن إنها في موعدها فإن المرء لا يملك إلا أن يتخوف على مصر خوفاً شديداً من القوى الغاشمة التي ستتصارع عليها، بخاصة مع وجود 9 أحزاب تمخض عنها النظام السابق، وجيش هذه هي طريقة تعامله، وقوى مستعدة لفعل أي شئ فقط لا يصل الإسلاميون، وجيش هذه هي طريقة تعامله. حفظ الله وطننا الغالي، وأقدر الله العقلاء من أهله على الحفاظ عليه”.

     نُشرتْ الكلمات الماضية ضمن مقال طويل لصاحب هذه الكلمات في يوم الثلاثاء 22 من نوفمبر/تشرين الثاني 2011م في موقع “علامات أون لاين” فيما أحداث “محمد محمود الأولى” مشتعلة منذ 3 أيام، في أبرز تصاعد للصراع المسلح بين قوى ثورية شبابية والمجلس العسكري ووزارة الداخلية، وفي المقال المعنون بـ” أحداث ميدان التحرير الحالية والترتيب التصاعدي لمحاولات إنهاء الثورة” كانت الصورة واضحة لدى صاحب الكلمات: “بالطبع أتحدث عن التيار الإسلامي المعتدل المتمثل في حزب الحرية والعدالة ، الغائب الحاضر عن الأحداث المؤسفة الدائرة رحاها الآن، كما أنه الحاضر الذي لا ينبغي أن يعامل نفسه على أنه غائب عن تداعياتها كيلا لا يصدم بما لم يتوقع، أو لم يحسب له حساباً جيداً”.

   وكانت الكلمات الأخيرة تشير إلى أن انسحاب الجماعة الرسمي من الميدان سيجعلها في موقف الثور الأسود في المثل المعروف الذي أُكِلَ يوم أُكل الثور الأبيض، مما يُعلن بإن القادم أسوأ، وإن الإبقاء على العلاقة مع الجيش من أجل الانتخابات التشريعية آنذاك التي كان مزمع عقدها بعد الأحداث المريرة .. وقد حدث بالفعل عواقبه وخيمة .. لكن السادة من قيادات الإخوان والذين يدورون دورانهم .. ويتحججون ويستندون إلى نصوص قرآنية وأحاديث شريفة .. وهما في غير مكانهما .. ما يزالون غير مستفيدين من وقائع الأمس أو الاتعاظ من المآسي والحفاظ على الصف ومن ثم الجماعة ومن قبل وبعد مصر الوطن الغالي .. وقيمتها في العالم العربي والإسلامي..

   فهل سنتذكر كلماتنا (ليس صاحب هذه الكلمات فحسب .. بل عدد ممن يذكرون الجماعة بأنها تنتهج النهج الخطأ بإصرارها على موقفها اليوم)؟ .. فهل سنتذكر مثل هذه الكلمات لاحقًا .. كما تذكرنا مثل هذا المقال بعد  6 سنوات .. اللهم سلم وألطف؟!     

    أحداث ميدان التحرير الحالية والترتيب التصاعدي لمحاولات إنهاء الثورة

ـ هل يدرك التيار الإسلامي المعتدل إنه الغائب الحاضر في أحداث ميدان التحرير الحالية كما إنه سيكون الحاضر الغائب في تداعياتها؟                                                                       

ـ المستهين بالأحداث الحالية لا يدرك جيداً إنها نتيجة تصاعدية لما شهدته مصر من فتن وأحداث عقب سقوط مبارك.       

ـ إجراء الانتخابات التشريعية خلال أيام لا يقلل من بشاعة ما يحدث اليوم بل هو مؤشر لأحداث أخرى لاتسر.      

ـ الجيش جاءته شرعية الثورة من حيث لا يحتسب فيأبى إلا تحقيق أقصى المكاسب منها.                            

     أعلم جيداً إن الأحداث الحالية المؤسفة الدائرة في ميدان التحرير بالقاهرة ليست الأولى من نوعها، بل أقبل بالتفسير القائل بتورط أنصار الرئيس المخلوع حسني مبارك، لكن للأسف غير البعيد عن الساحة السياسية حتى لكأنك تجزم بأن الأحداث الدائرة تمت إليه بصلة، حتى ولو كانت صلة السير على خطى قرارته الفاسدة آلت إلى تردي حال مصر داخلياً وخارجياً على نحو نادر، ثم الثورة التي أحالته للاستيداع، أعلم إن الاحداث المؤسفة ليست الأولى ولن تكون، للأسف الشديد الأخيرة، ولست بصدد التعرض الأحداث الخطيرة التي شهدها بلدنا منذ تخلي مبارك عن السلطة بالتفصيل، ولكني أتوقف لدى مؤشر بالغ الخطورة قبل الدلوف له أؤكد إنه ليس من المنطقي تحميل هذه الأحداث الدائرة في ميدان التحرير أكثر مما تحتمل، هذا على افتراض إنها ليست بالغة الخطورة بما يكفي، كما إني أرى الأمور قد تجاوزت سابقتها بمراحل كبيرة جداً لا تستحق منا مجرد القراءة ثم الحكم بأنها من توابع النظام السابق، أو حتى إتهام الشباب المعتصمين في الميدان من الجمعة الماضية حتى الآن بالحماسة المفرطة غير المستحبة ثم محاولة طي القضية برمتها حتى لو كان الأمر بهدف الحفاظ على المكتسب السياسي القادم عبر الانتخابات التشريعية المقبلة، بالطبع أتحدث عن التيار الإسلامي المعتدل المتمثل في حزب الحرية والعدالة ، الغائب الحاضر عن الأحداث المؤسفة الدائرة رحاها الآن، كما أنه الحاضر الذي لا ينبغي أن يعامل نفسه على أنه غائب عن تداعياتها كيلا لا يصدم بما لم يتوقع، أو لم يحسب له حساباً جيداً        

تصاعد يسترعي الانتباه                                     

      كانت أحداث ماسبيرو بالغة البشاعة كما كانت تداعياتها أكثر بشاعة من توقع الكثير، ومن قبلها كانت احداث السفارة الإسرائيلية، ومن قبلهما تباينت أحداث الفتنة الطائفية سواء في القاهرة(إمبابة) أو في إطفيح(سول)، وفي المنتصف لا ننسى احداث العباسية وما سمي بمحاولة الهجوم على وزارة الدفاع وقبلها أحداث مسرح البالون وما حدث لأسر الشهداء، ومن ينظر في هذه الأحداث وتوقيتاتها لا يملك نفسه من الجزم بأنها سارت على نحو تصاعدي بشكل مذهل في الحقيقة، وإن الأحداث الأولى منها، وإن جاءت باهتة في مساحات دوائر المياه التي خلفتها، أو رد الفعل في المجتمع المصري، فما كانت احداث مسرح البالون ومن بعدها فتن الكنائس ووقائع العباسية لم تكن تلك الاحداث بجسامة أحداث ثلاثة أخيرة هي محاولة الهجوم على السفارة الإسرائيلية عقب مليونية ناجحة في جمعة 9 من سبتمبر الماضي، ولم تكن أحداث السفارة الإسرائيلية بمثل جسامة أحداث ماسبيرو، وفي يقيني إن الأخيرة ليست، هي الأخرى في مثل جسامة احداث ميدان التحرير المستمرة منذ فجر السبت الماضي، والمدقق لا يملك إلا أن يجزم بإن الاحداث الاولى ما كانت إلا تمهيداً للأخيرة، وإن مقدار الخسائر، وإن لم يكن جسيماً، فإن الأحداث الأولى جاءت كتمهيد للساحة المصرية للأخيرة، إن لم تكن كجس للمجتمع وبقدار ما ستخلفه الاحداث من تداعيات تشغله عن قضاياه الأكثر من ملحة، أما أحداث ميدان التحرير الاخيرة فأعتقد أنها أختزلت سابقتيها الأخطر فيما مضى وانطلقت نحو آفاق بالغة السوء على بلدنا العزيز، كما إنها تحاول الدفع بالوطن الغالي نحو مساحة من الفوضى عالية إن لم نتفهمها جيداً وننتبه لها .          

تصريحان متناقضان للجيش                                             

       في المؤتمر الصحفي الذي عقده اللواء سعيد عباس، مساعد قائد المنطقة المركزية الوسطى بالجيش بدا الرجل متأففاً ربما لا نتقاله لمكان الحدث من ميدان التحرير، ولم تبد منه كلمة واحدة لأهالي الشهداء الجدد من شباب الثورة، وقد كان الرسمي حينما وقف بالميدان 22 قتيلاً، ولم يناسب تأففه كونه ليس المناسب للوقفة، ولا كونه لا يعلن عن قرارات عملية من الأصل فضلاً عن أن تكون غير فعالة، وفي الوقت الذي انتظر فيه الكثيرون خروج اللواء الفنجري على الأقل، خرج الرجل ليقول إن القوات المسلحة جاءت للميدان لحماية وزارة الداخلية، ولا أدري أين وزارة الداخلية ممن تعرضوا للضرب الشديد في ميدان التحرير بل للقتل على يد قوة مشتركة من الجيش المصري؟ الذي طالما تغنينا به، ومن الداخلية المصرية، ثم في النهاية يعلن أنه على استعداد لحماية المتظاهرين بالميدان من الاعتداء، أي إن المعلوماتين اللتين نخرج بهما من كلامه، ورفضه تلقي بعض الاسئلة وقبولها بصعوبة بالغة وترديد نفس الكلمات بدلاً من الرد عليها، ما نخرج به من كلماته هو عبارة عن معلوماتين متضاربتين تماماً، فالثوار مهاجمين لوزرارة الداخلية ومعتدى عليهم يستحقون الحماية.                                       

الجيش يسفر عن وجهه الحقيقي                                              

         والحقيقة إن الجديد في أحداث التحرير إنها جاءت هذه المرة في عقر دار الثورة المصرية وبصورة مستمرة ومعلنة بلا مواربة أو خجل، ومن المكان الذي حققت فيه نصرها المباغت وغير المنتظر على أي صعيد من الصعد، كما إن القتل جاء هذه المرة مذكراً بنفس الأسلوب على مدار الفترة من 25 من يناير الماضي حتى انسحاب الشرطة المعروف، ولكن الجديد هذه المرة إن الجيش المصري شارك وبصورة علنية لا مجال للبس فيها في قتل شباب الثوار وفي قلب ميدان التحرير لا في حدود وزارة الداخلية، والمدلول واضح جداً، فالجيش الذي تعرض للقتل في أحداث ماسبيرو وصرح بأنه لم يدافع عن نفسه هو هو من يعترف بالتدخل لصد المتظاهرين في ميدان التحرير، ومن عجب إنه يعاود الإغارة ويسمح بها، على نحو متكرر ففيما لا ينسحب المتظاهرين من الميدان يتكرر الاعتداء عليهم مرة بعد أخرى وبصورة اكثر همجية كل مرة، هذه المرة يبدي الجيش بالتحديد وجهه الحقيقي بلا هوادة ولا رحمة، وقبيل الانتخابات التشريعية في تصديق للتصريح الصادر عن أحد قادته بأنه سيضرب بيد من حديد أثناء الانتخابات، ولا ادري هل جاءت الانتخابات مبكرة؟ أم إنها بروفة محكمة لما سوف يحدث بعد أيام قليلة.                                            

    هذه الهمجية في التعامل هل تخص وثيقة السلمي أم خطة تسليم السلطة أم العدوان على مصابي الثورة؟                                                           

      هذه أسباب معلنة ولكن تحت السطح ما تحته، ومع دعوة الشباب لخارطة واضحة لتسليم السلطة خلال شهور قليلة، يبدو إن الجيش يتفهم كل هذا ويعلن عن نفسه ورأيه واضحاً، فلا مجال لديه لا للنقاش ولا للتراجع عن قرار بيت له وأعلنه متضامناً مع بعض التيارات العلمانية أو الليبرالية للأسف، يبقى إن الكثيرين لم يكونوا مع بقاء الشباب في الميدان ولا الاعتصام، وإن كان فلول النظام السابق يحرضون على هذا الأمر، ولا يخجلون من اتهام الإسلاميين بالحض عليه، فإن تدخل الجيش على هذا النحو لا يبشر بخير، على الإطلاق، بل ينبأ بأن الثورة آلت إليه دون أن يتعب في أمرها أو إنجاحها، وإنه مصر على أن يستنزفها لنيل أقصى ما يمكنه النيل منها، وهاهو المتحدث الوحيد في المؤتمر الصحفي يعلن استمرار خطة الطريق المعترض عليها من قبل الشباب كما هي، أما الانتخابات المعلن إنها في موعدها فإن المرء لا يملك إلا أن يتخوف على مصر خوفاً شديداً من القوى الغاشمة التي ستتصارع عليها، بخاصة مع وجود9 أحزاب تمخض عنها النظام السابق، وجيش هذه هي طريقة تعامله، وقوى مستعدة لفعل أي شئ فقط لا يصل الإسلاميون، وجيش هذه هي طريقة تعامله. حفظ الله وطننا الغالي، وأقدر الله العقلاء من أهله على الحفاظ عليه.