أكدت صحيفة “أوريان 21 ” الفرنسية إن الثورة المضادة تواصل الهجوم بعد سبع سنوات تقريبا من بداية الثورات العربية، مشيرة إلى انه على الرغم مما حققته من نجاحات فإنها لا تبدو قادرة على تحقيق أهدافها وفرض العودة إلى النظام القديم.

 

ووقالت الصحيفة في مقال للباحث في مركز “ويثرهيد” للقضايا الدولية التابع لجامعة “هارفارد” هشام علوي إن أول احتجاجات جماهيرية العالم العربي كانت في العام 2010، لكنها ما كادت تندلع حتى بدأت الثورة المضادة التصدي لها، وكانت البداية من التي أعلنت حظرا للتجول في مارس/آذار 2011 وقمعت الانتفاضة الشعبية التي شبت هناك لتنتقل العدوى إلى سوريا مع فارق في الجمهور المستهدف.

 

وأضاف أن الثورة المضادة أخذت ألوان حرب أهلية طائفية ذريعة لسحق المظاهرات في البحرين، كما أنها الآن أحد المحاور الرئيسية للمواجهة الداخلية في وسوريا والعراق.

 

وعلاوة على ذلك، يبدو من غير المرجح أن يتحول التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى نزاع مسلح، فإدانة الرئيس الأميركي الصاخبة للاتفاق النووي مع دليل على أنه لا يملك سوى الأرضية الدبلوماسية لمقارعة عدوه.

وأكد أن ارتكبت خطأ كبيرا حين تصورت المستقبل بناء على خطاب ترامب بدلا من المصالح السياسية لإدارته، تلك المصالح التي تملي على الولايات المتحدة الحفاظ على اتفاقها مع إيران.

 

وقال علوي إن التحالف العربي أضعف مواقفه عندما سلم أمره للحليف الأميركي، وقد كشفت قمة خلال زيارة الرئيس ترامب في مايو/أيار 2017 نطاق هذا الاستسلام.

 

وعلى الصعيد الإقليمي، تخلى هذا التحالف عن شركائه “السنة” في العراق الذين قاموا بدورهم في الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية غير أنهم ظلوا ضعفاء تحت هيمنة “نظام شيعي” هو نفسه تحت وصاية إيران، على حد قول الكاتب.

 

 

وبشأن الأزمة الخليجية قال علوي إن “تعنت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات تجاه دولة باتهامها بالخيانة بسبب إستراتيجيتها الخارجية الأقل عدوانية تجاه إيران وسياستها الأكثر واقعية تجاه الإسلاميين أثار أزمة كبرى في ”، مشيرا إلى أن الواقع العربي (السني) شهد انقساما فعليا على مستوى القاعدة الشعبية بعد القمع الذي تعرضت له جماعة الإخوان المسلمين، وهو اليوم يشهد انقسامات على أعلى المستويات من خلال الرغبة في فرض الوصاية على قطر.

 

وبالنسبة للوضع في اليمن قال الكاتب إنه مثال آخر على الأذى الذي ألحقته هذه الدول بنفسها وبالمنطقة، فتدخلها في اليمن أطلق العنان لصراع دموي لا يستطيع التحالف الذي أنشأته الرياض الانتصار فيه.

 

وفي ظل عدم وجود احتمال للانتصار العسكري تأمل هذه الدول الخليجية أن تضرب على وتر لعبة التدخل في السياسة الداخلية حتى إن تطلب ذلك الاعتماد على القوات الانفصالية في جنوب البلاد، وبالتالي جعل الحل التفاوضي أبعد أفقا.

 

لا أحد يعرف متى سينتهي هذا الصراع، ولكن في ذلك اليوم ستواجه الدول التي أثارت عمليات القتل في اليمن تهما بارتكاب جرائم حرب.

 

وأكد علوي أن تداخل هذه الدوائر المفرغة سيؤدي حتما إلى إعادة تشكيل الخطوط الأمامية في المنطقة، إذ يتوقع في الاشتباك الجديد المرتقب بين وحزب الله -على سبيل المثال- ألا تحجم المملكة العربية السعودية عن دعم إن لم يكن بشكل علني فبشكل سري.

 

ومع ذلك، فإن هذه الإستراتيجية لا تحمي هذه البلدان من التحول الديمقراطي عن طريق صدمة خارجية كما حدث في اليونان في عهد “الكولونيلات” في السبعينيات أو الدكتاتورية الأرجنتينية خلال العقد الموالي، فالأنظمة الاستبدادية التي تفقد شرعيتها الدولية -غالبا ما يكون ذلك نتيجة مغامرة عسكرية خارج حدودها- تصبح هشة للغاية وغير قادرة على التصدي لأي توترات شعبية في الداخل.

 

ففي السعودية مثلا بدأت النخبة السياسية الجديدة التركيز على بعض إصلاحات التحرير الاقتصادي والترقيع الاجتماعي، مثل افتتاح دور للسينما أو الإذن للمرأة بقيادة السيارة كي لا تضطر لتغيير شيء في المجال السياسي.

 

لكن هذه المقاربة الشبيهة بــ”النموذج الصيني” لا تشكل حلا، ولن تفيد إلا في تأجيل التصدي للمشكلة، في ظل انخفاض عائدات النفط، وفي الوقت الذي يتوقع فيه اتخاذ تدابير تقشفية مؤلمة في الأشهر المقبلة فإن من المرجح أن يزعج “الانفتاح” السعودي الخجول التيارات الأكثر تحفظا في البلاد دون أن يكسب دعم القوى الحيوية في البلاد التي تطالب بسياسة تحررية حقيقية.

يضاف إلى ذلك أن القضاء على الآليات التقليدية للتوافق السياسي -مثل البحث عن توافق في الآراء داخل الأسرة المالكة أو الحوار بين أعضاء النخبة- جعل النظام السعودي جامدا على نحو خطير، وهذا هو بالتحديد نفس الجو الذي ساد إيران قبيل اندلاع ثورة 1979/1978.

 

وواختتم المقال بالقول أنه “لا شك أن الملكية السعودية تمتلك الشرعية والمكانة والأدوات اللازمة لتغيير الاتجاه واستعادة مكانتها وقيادتها الإقليمية ولكن بشرط أن تقوم بعمل جاد للتقييم الذاتي، وهذا يعني أن على السلطات السعودية أن توقف تصدير مشاكلها إلى الخارج وتحول اهتمامها إلى الإصلاحات في الداخل قبل أن يفوت الأوان”.