كشفت التحقيقات والنتائج الجديدة التي أعلن عنها الجهاز الوطني لمكافحة الجريمة السيبرانية في بريطانيا “كوارتز”، عن عملية الاختراق التي طالت وكالة الأنباء القطرية في مايو الماضي، مفاجأة جديدة واستنباطات ترمي إلى أن قادة الحصار حاولوا إيقاع الرئيس الأمريكي ترامب في “فخ”.

 

التفصيلات المهمة التي أعلن عنها “كوارتز”، شديدة الأهمية في المسار الذي بدأته الدوحة لإثبات حقها في مجابهة التصعيد الإماراتي السعودي المفاجئ ضدها بشكل جديد كليا، ما قد يؤدي إلى دخول الولايات المتحدة على الخط ضد دول الحصار، وبشكل أكثر عنفا.

 

المفارقة هنا أن التصعيد من أبو ظبي والرياض “ومَن خلفهما” كان يستهدف في الأساس إثارة واشنطن ضد ، لكن يبدو أن الرياح لا تزال مصرة على أن تمضي عكس ما تشتهيه سفن “بن زايد” و “بن سلمان”.

 

الصحفي والمحلل المختص بشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بيتر ساليسبري كشف عن تفاصيل الأمر في تقرير نشره موقع “كوارتز” نفسه، قائلا: “كل شيء بدأ باختراق سيبراني”.

 

وجاءت أهم الحقائق التي كشفتها “كوارتز”، ونقلها موقع “العدسة” كالتالي:

1- المحاولة بدأت قبل نحو شهر من القرصنة الحقيقية، وبالتحديد في 19 أبريل، حينما نجح  قراصنة من الوصول إلى موقع الويب “غير المؤمن جيدا” على شبكة الإنترنت التابع لوكالة الأنباء القطرية “”.

 

2- عناوين بروتوكولات هؤلاء القراصنة كانت روسية (لكن تقنيا فإن ذلك لا يثبت أن الاختراق قد تم من داخل روسيا)

 

3- بعد ثلاثة أيام من محاولات القراصنة البحث عن ثغرات موقع “قنا”، وجدوا أخيرا ضعفا في ترميز الشبكة الداخلية لوكالة الأنباء واستطاع الدخول، وفي غضون بضعة أيام أخرى، كان المتسلل يسيطر على الشبكة بالكامل، وبدأ في جمع عناوين البريد الإلكتروني وكلمات السر والرسائل.

 

4- بعد أسابيع، وفي مساء يوم 23 مايو، دخل الهاكر نظام وكالة الأنباء القطرية، وحمَّل قصة إخبارية مليئة باقتباسات منسقة نسبت إلى أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، يقول فيها إن إيران، المنافس الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة في المنطقة، هي “قوة إسلامية”، كما نسب له الحديث بحرارة عن “الإخوان المسلمون” وحركة “حماس”.

 

5- في حوالي الساعة 11 مساء يوم 23 مايو، قبل نشر الخبر المزيف بقليل، بدأ موقع وكالة أنباء قطر على شبكة الإنترنت في ملاحظة ارتفاع غير عادي في حركة المرور، وقام اثنان من عناوين الـ”آي بي” في دولة بالوصول إلى الصفحة الرئيسية لموقع الويب وتحديثها عشرات المرات على مدار الساعة والنصف التالية، ويبدو أنهم كانوا في انتظار “خبر ما”. (هذا الأمر توصل له المحققون القطريون وأطلعوا عليه كوارتز وجهات تحقيق فيدرالية أمريكية)

 

6- بالاطلاع على وثائق حركة السيرفر من مسؤولي “كوارتز”، تم بالفعل ملاحظة أن معظم النقرات التي جاءت من عناوين “آي بي” إماراتية للصفحة الرئيسية لوكالة الأنباء القطرية كانت من نصيب “آي بي” واحد، وبتتبعه تم اكتشاف أنه يعود إلى هاتف محمول، ومرة أخرى، فقد كان من دولة الإمارات، وكان الهاتف الذي يحدث الصفحة الرئيسية لوكالة الأنباء مرارا وتكرارا، أول من وصل إلى هذه المادة، قبل أن يعود المستخدم إلى المقالة أكثر من 40 مرة خلال نصف ساعة.

 

“فخ” نصبه قادة الحصار لـ ترامب لإشعال فتنة بين أمريكا وقطر

التحليل الذي ساقه بيتر ساليسبري بعد ذلك أشار إلى أن كل ما تم كان طعما ليس لاستدراج قطر، ولكن لاستدراج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي ابتلع الطعم وذهب في رد فعله إلى القدر الذي دفع إلى الاعتقاد بأن قرار حصار قطر، والذي اتخذته الإمارات والسعودية والبحرين ومصر، كان فكرته، لكنه حث بعد ذلك دول الخليج على إيجاد حل دبلوماسي لمشاكلها، تحت ضغط من المسؤولين في البيت الأبيض.

 

“آندرو بوين”، الأستاذ الزائر في معهد أمريكان إنتربرايز، عبر عن اعتقاده بأن المستهدف الحقيقي من هذا الاختراق كان الرئيس “ترامب” نفسه، قائلا: “لم أر مسؤولا أمريكيا واحدا يدين الهجوم الفعلي نفسه، كان الهدف في الأساس تشويه بلد آخر واستخدام ذلك كوسيلة لاستهداف رئيس الولايات المتحدة، وهذا أمر فوجئت بأن البيت الأبيض لم يعلق عليه صراحة”.

 

ومما سبق يعني بوضوح أنه قد يكون هناك توجه أمريكي باعتبار ما حدث محاولة لتوريط الولايات المتحدة في نزاع سياسي عنيف كاد أن يتطور إلى عسكري، بشهادة أمير الكويت نفسه، في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

 

وهو أمر يمكن أن يتم تكييفه، من وجهة نظر أجهزة الاستخبارات الأمريكية، إلى أنه نية مبيتة للمساس بالأمن القومي الأمريكي، لا تقل في فداحتها عما يتم التحقيق فيه حاليا بجدية من وقوف روسيا بشكل غير رسمي وراء هجمات إلكترونية على حسابات بريد إلكتروني لقيادات الحزب الديمقراطي، أثرت في مسار الانتخابات الأمريكية 2016 لصالح ترامب.

 

محاولة استفزاز ترامب وأمريكا باختلاق تصريحات لأمير قطر تتحدث عن التقارب مع إيران تبدو من وجهة نظر واشنطن حاليا تطورا غير مستساغ.

 

الآن، وفي ضوء تلك المعلومات يمكن فهم جانب جديد من حقيقة التحركات المحمومة التي أجراها وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، وأمير الكويت، بين دول الأزمة، خلال الأيام السابقة، ولهجة الأول التي بدت محبَطة من إمكانية التوصل إلى حل قريب، وتحذير الثاني من تطور الأزمة الخليجية إلى آفاق مؤسفة تؤثر على أمن الخليج ووحدته، وتأكيده بأن الأجيال المقبلة لن تنسى لمن ينفخ في نار تلك الأزمة دوره السلبي.