سلط موقع «ميدل إيست آي» البريطاني في مقال له تناول القرارات الأخيرة لولي العهد السعودي ، الضوء على ما وصفه كاتب المقال بـ”الاستخدام السياسي للدين”، الذي أصبح تقليدًا متّبعًا للحكام السعوديين؛ سواء لشراء النفوذ داخل دول العالم الإسلامي، أو السيطرة على مجتمعهم من الداخل.

 

وتناول المقال الذي شرح أيضا الدور الإماراتي في استخدام كأداة، القرارات الأخيرة لـ “ابن سلمان” وقرارات والده بتوسعة الحرم المكي وما تمثّله من تحدّ خطير للمجتمع السعودي، وفرض قرارات معاكسة لقيمه ومبادئه، محذّرًا من تنامي الغضب الشعبي إذا ما استمرت سياسة المملكة على المنوال نفسه، مستشهدًا بسيطرة «جهيمان العتيبي» على الحرم المكي عام 1979 ردًا على ما وصفها القرارات «الكافرة» للحكام السعوديين.

 

وبدأت الصحيفة المقال الذي ترجمه ونقله موقع “رصد” بأنّ محمد بن سلمان أعلن الثلاثاء الماضي أنّ بلاده تتجه نحو شكل «معتدل ومتفتح» من الإسلام، وأثارت تصريحاته ردود فعل متابينة لدى السعوديين؛ وهو ما يعكس تحوّلًا جذريًا بخصوص مسألة الدين في السعودية.

 

وتساءل كثيرون عن الدور الذي يحتمل أن يؤديه الدين في عهد الملك محمد بن سلمان؛ خاصة وأنّ الحكام السعوديين السابقين استثمروا بكثافة في خلق تصوّر للمملكة باعتبارها الوصي الوحيد على العقيدة الإسلامية.

 

منذ تأسيس الدولة السعودية واستيلائها على أقدس مواقع الإسلام، لم يكن الدين بمثابة أداة داخلية للنخبة السياسية لإنفاذ السلطة فحسب؛ بل أيضًا أداة خارجية تستخدمها الدولة الوليدة لفرض قيادتها وهيمنتها على العالم الإسلامي. وعلى مدار العقود الماضية، كانت إحدى الطرق لتحقيق هذا الهدف استثمار مليارات الدولارات في مشاريع التنمية في الأماكن الإسلامية المقدسة والمناطق المحيطة بها.

 

ومؤخرًا، أعلنت حكومة سلمان تخصيص مائة مليار دولار لأعمال البناء الجديدة؛ وهذا التمويل المفرط يأتي في الوقت الذي تمر فيه المملكة بأوقات صعبة للغاية وفرض تدابير التقشف الاقتصادي على المواطنين السعوديين، وخفض الإعانات الحكومية؛ الأمر الذي رفع أسعار السلع الأساسية مثل الوقود والمياه والكهرباء.

 

إضافة إلى ذلك، تقود الحكومة حربًا مستمرة في اليمن تبلغ تكاليفها التشغيلية قرابة مائتي مليون دولار يوميًا، وهذا التدفق من الأموال ليس استثمارًا بريئًا أو استجابة لاحتياجات التنمية؛ بل مدفوعة من استراتيجية تحاول خلق صورة عن النظام الملكي السعودي باعتباره المدافع عن الإيمان.

 

وأيّ تخصيص للموارد يُنظر إلى عائده السياسي أولا قبل موقعه وهدفه الأساسي.

 

شراء النفوذ

أيضًا، عادة ما يستخدم الحكام السعوديون الدين وسيلة لتوسيع نفوذهم في العالم الإسلامي. على سبيل المثال: مقر منظمة التعاون الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية ليسا في مصر أو تركيا أو ماليزيا؛ لكن في جدة بالمملكة العربية السعودية.

 

وسعت دائمًا إلى السيطرة على هذه المؤسسات عبر تمويل ميزانياتها وبرامجها مقابل السيطرة على إدارتها السياسية. على سبيل المثال أيضًا: في القمة الأخيرة التي عقدت بتركيا، تمكّن السعوديون من الضغط على البيان الختامي الذي ركز على إدانة إيران.

 

مؤخرًا، في الأزمة مع ، استخدمت السعودية العصا الدينية لابتزاز بلدان إفريقية؛ بالتهديد بالحد من حصص التأشيرات إذا لم تقطع العلاقات مع الدوحة، ثم جاء دور المفتي السعودي الكبير في منح «بركاته» بتأييد قرار الحصار المفروض على .

 

كما تتبع تصريحات «ابن سلمان» الأخيرة، التي تحدث فيها عن الإسلام الوسطي، المنهج نفسه: «استخدام الدين وسيلة لبسط نفوذه». ومن الواضح أنه يستهدف بذلك التأثير على الأجيال الجديدة من السعوديين.

 

وبحسب كاتب المقال يحاول ابن سلمان حاليًا فرض «العلمانية» على الجمهور بدلًا من إقناعهم بها، محاربًا بذلك القيم والتقاليد في المجتمع السعودي. فعلى سبيل المثال: أعلنت الحكومة مؤخرًا عن مشروع البحر الأحمر، وهو منتجع ترفيهي على الطراز الغربي على الساحل الغربي للمملكة.

 

الأمر الذي يريد فرضه لا يمثّل نتيجة للتطور الثقافي الطبيعي داخل المجتمع؛ ولكنّه قرار ملكي فقط صدر بين عشية وضحاها، وهو الأمر الذي لن يقبله المجتمع السعودي بسهولة.

 

دروس من التاريخ

النهج الذي يتّبعه ابن سلمان له «عواقب وخيمة»، وليس خطأ أخلاقيًا فحسب؛ بل يمكن أن يوفر مبررًا للمقاومة الشعبية، وهي ليست أمرًا فريدًا من نوعه في المملكة؛ ففي 20 نوفمبر 1979، استولت مجموعة منظمة من 400 إلى 500 رجل تحت قيادة جهيمان العتيبي على المسجد الحرام.

 

وهاجم العتيبي المملكة ردًا على ما وصفها بالسياسات الخائنة للإسلام، وقد يكرر التاريخ نفسه إذا فشلت القيادة الحالية بقيادة محمد بن سلمان في التعلم من دروس الماضي.

 

يعتقد الكاتب أنّ القرارات الأخيرة لابن سلمان ستساهم في تكرار الأمر.

 

رسائل إلى الإمارات العربية المتحدة

إضافة إلى ذلك، لا ينبغي للمملكة العربية السعودية أن تسمح أبدًا بأيّ خطاب يرى أن مصالحها تتناقض مع مصالح العالم الإسلامي عمومًا وترجمتها إلى سياسة حقيقية.

 

وينبغي أن يوجه رسالة واضحة في هذا الصدد إلى دولة الإمارات العربية المتحدة على وجه التحديد؛ إذ تفشل في إدراك النطاق الكامل لأهمية الدين في الصورة الاجتماعية والسياسية للممكلة، ويبدو أن أبوظبي لا تدرك الآثار المترتبة على دفعها إلى العلمانية القسرية في السعودية.

 

وتحقيقًا لهذه الغاية، اعتقلت المملكة العربية السعودية مؤخرًا المثقفين والكتاب والناشطين كإجراء وقائي لعرقلة أي احتجاج محتمل ضد سياساتها، ويبدو أن مثل هذه الاعتقالات تجري في أبو ظبي.

 

وطالب الكاتب في نهاية مقاله بضرورة التفرقة بين العلمانية والحرية؛ فبعض الأنظمة الوحشية والفاشية التي عرفها العالم كانت بالفعل علمانية ومناهضة للدين، بما في ذلك روسيا لينين وألمانيا هتلر، ولا يختلف مخطط الإمارات العربية المتحدة المقصود للمملكة العربية السعودية عن ذلك؛ مطالبًا السعودية بتحديد طريقها إلى الحرية وفقًا لتطلعات شعبها وليس وفق شيخ أبو ظبي.