قبل أشهر أربعة ونيف ودون مقدمات  أو نذر أجواء توتر أو حتى ارتفاع غيمة خلاف في سماء جزيرة العرب الصافي، ارتفعت حناجر صداحاتٍ بسيئ القول من دول أربع في حق أبناء العشيرة وجيرة  الجَنبِ القطريين، فاستُدعي كل فاحشٍ ذرب وكل سفيه مسلط، وكل معمم آلف تحريف الكلم عن موضعه، طالما علَ من نخبٍ معتقٍ على موائد لم يُدع لها يوما ذو مسغبة جوال بين مكبات نفايات دور أغنياء الرياض والمنامة ومنتجعات “أبو ظبي”.

لكل من حقدة قطر أزمته الراسخة والعصية،ففي بلاد الحرمين يظهر بوضوح دخان نذر شقاق وتصدع أركان مُلكٍ ظن بانيه أنه شيده على أسس عصية على العواصف،  فإذا بحفيد يُورِثه دون أبناء الصلب، وفق شرعة هيئة كبار قضاة “محاكم التفتيش” المبيحة لكل نزوة مهما كانت خطورتها، من الدواهي أن يتم التنكر في ومضة عين لما رُبيت عليه عشرات الأجيال من حرمة أن تلامس أيدي النواعم مطايا قوم عيسى تحت ذريعة “صون” شرفهن وعفتن وغيرة على حرمتهن، سنين عددا وهم يصدحون بأن هذا مما نُزل على محمد عليه صلوات الله وسلامه عليه، وفجأة لما أراد محمد بن سلمان أن يحدث في “دينهم” ثلمة تعاوروا على المنابر وقالوا هذه الفتاوى المانعة لهن هي مما يغضب الخالق؟؟!.

في الركن القصي من جزيرة العرب حيث اختفى كل خُلق نبيل طالما تغني وتميز به الأسلاف حتى في أوج غيهم (العصر الجاهلي) في ذلك الركن خلا الجو والرمال الذهبية  لكل منحرف كي يعاقر ويرابي جهاراً، بل وينحني إن أراد لوثنٍ في جزيرة أرادها الرسول الأعظم مكانا لا يعبد فيه غير الواحد الأحد، حساسية مفرطة وحقد دفين عند حكام  ذلك الركن من جزيرة العرب المتمكنين من أن يذكر في ربوعها من يحمل مشروعا إسلاميا، فيها الدحلان والخلفان، والقرقاش،يحسبون على مرتادي المساجد أنفاسهم، ومن هذا ديدنه فقطر تغيظه وحصارها يشفي غيظه.

على ضفاف تلك الخلجان تسبح جزر وصف السفن المبحرات فيهن وتغنى بخمرهن وتغزل بمفاتن غوانيهن في سالف الأزمنة طرفة بن العبد في رائعته المشهور تجري في عروق سكان تلك الجزر دماء عربية قحة، و في حاضرها المأزوم  لم تتأخر قطر قط عن نجدتها في الأيام الحوالك  بعيداً عن أي بهرجة إعلامية  فالدم والدين والجيرة تقتضي المعروف دون مَنٍ، حاصرت البحرين قطر وحرضت ودعت جهاراً لتحالف يكون الجسم الغريب ( إسرائيل) في جسم أمتنا جزءاً منه ضد قطر، أجل لم يتأخروا عن الحصار والتزموا بكل ما سُطر لهم حرفا بحرف، أحسن معبر عن حالهم قول الحارث بن خالد المخزومي:

فأما القتال لا قتال لديكم     ولكن سيراً في عراض المواكب

لأنهم إن حضروا لم يستشاروا وإن غابوا لم ينتظروا.

أراد  حاكم مصر أن يستأسد على شعب قهرته الفاقة وأهينت كرامته وجرح في كبريائه، فشاءت قطر أن تكون له نصيراً وشاهدا على ما ارتكب بحقه من جرائم موثقة، واثقة من أن من نصر مظلوما لن يكون خاسراً ، لكن في عرف كل مستبدٍ إما أن تكون له عوناً ولمخالفه مُجرِماً وإلا فأنت العدو فلتُحذر أو لتدمر، قطر اختارت الوقوف لجانب أغلبية مطحونة في وجه مستبدٍ يكاد يقطع أواصر أخوة رَبطت بين نِحلٍ لقرون، فأصبح قوم عيسى يفضلون الانفصال وإنشاء كيان يضمن لهم الحياة الكريمة بدلا من الاستمرار في ظل حكم مستبد عاجز عن توفير الأمن والخبز لشعب كريم له أيادي على معظم شعوب المنطقة والعالم.

صاحب السمو الحكيم المشفق على ما تبقى من العرب الشيخ صباح لم يأل جهداً في  تحمل مشاق السفر و غرور الأطفال الذين انخدعوا بخرجات ترامب عن المألوف في العلاقات الدولية ليكتشفوا أن رجل الأعمال لا يفكر إلا في الربح والحصار غير مربح، تلرسون قادم إلى الرياض ومنها إلى الدوحة سبق وقالها بوضوح  إن مطالب المٌحاصرين غير قابلة للتنفيذ والآن عليهم أن يدركوا جيدا أنها غير قابلة للتنفيذ.

أربعة أشهر وزيادة حولت خلالها قطر المحاصرين إلى مٌحَاصرين من شعوبهم وفي المحافل الدولية.