في مقال ناري له بعنوان “هل يؤيد جمال حمدان ترشح السيسي لفترة ثانية؟”، انتقد الكاتب الصحفي الشهير والسياسي المصري حالة قمع الحريات وانتهاك حقوق الإنسان غير المسبوقة من قبل نظام السيسي.

 

وقال “الأسواني” الذي كان من أشد داعمي السيسي حينما كان قائدا للانقلاب وفي بداية فترته الرئاسية، في مقاله بـ”«دويتشه فيله” إنه لا يستطيع الآن أي مواطن مصري أن يعلن معارضته للسيسي أو ينتقد سياسات نظامه، مدللا على حالة القمع والكبت الغير مسبوقة للحريات في على يد السيسي ونظامه.

 

وإليكم نص المقال..

هل يستطيع أي مصري أن يظهر في التليفزيون ويعلن معارضته لسياسات السيسي..؟ هل يستطيع أن يقرأ ايرادات قناة السويس التي نقصت بالرغم من انفاق مليارات الجنيهات على التفريعة الجديدة؟ هل يستطيع أن يدين القمع والاعتقال العشوائي والاختفاء القسري في عهد السيسي؟ أقل من ذلك.. هل يستطيع أحد أن يقول في التليفزيون إن تأهل منتخبنا الكروي لكأس العالم موضوع مبهج لكنه لايستحق هذه الضجة الكبرى التي يستعملها النظام لالهاء المصريين عن واقعهم البائس؟

 

هل يستطيع أحد أن يقول في التليفزيون إن هزيمة المرشحة المصرية في انتخابات اليونسكو مسألة طبيعية نتيجة لفشلنا المتكرر في العناية بالآثار المصرية وانتهاكات حقوق الانسان الجسيمة في مصر التي يعرفها العالم ويدينها كل يوم.. هل يستطيع أن يقول إن السيدة مشيرة خطاب كانت مجرد سفيرة من حاشية سوزان مبارك ولاعلاقة لها بالثقافة والآثار من قريب أو بعيد وبالتالي فانها فعلا لاتصلح مديرة لليونسكو؟

 

الاجابة على كل هذه الأسئلة بالنفي القاطع لأن مصر في عهد السيسي لم يعد فيها الا رأي واحد صحيح في كل شيء بدءا من الاقتصاد وحتى كرة القدم وكل من يجرؤ على التفكير بطريقة مختلفة سيدفع ثمنا باهظا يتراوح بين الاعتقال والتشهير اذ يعتبره الاعلام فورا خائنا وعميلا للمخابرات الأميركية أو الاسرائيلية أو التركية أو القطرية.

 

منذ أن تولى السيسي الحكم تم منعي من الكتابة في الصحف المصرية ومنعي من الظهور في التليفزيون ونتيجة للتضييق الأمني توقفت ندوتي الثقافية الاسبوعية التي أنظمها منذ عشرين عاما. انتهيت مؤخرا من كتابة روايتي الجديدة “” وعندما دفعت بها إلى دار النشر قال لي المسؤول:- هذه أفضل رواية كتبتها لكننا لن نستطيع نشرها لأنها ستضعنا في مواجهة مع النظام لا نتحمل تبعاتها.

 

قدمت الرواية إلى دار نشر أخرى ففرح بها الناشر كثيرا وكرر مديحه للرواية ثم وقع العقد فعلا مع وكيلي الادبي، وبعد أيام فوجئت بمكالمة من الناشر يعتذر عن عدم نشر الرواية خوفا من غضب النظام.. أضف إلى ذلك عشرات البرامج التليفزيونية التي جرت فيها محاولات لاغتيالي معنويا بتوجيه شتائم مقذعة واتهامات وهمية بلا دليل وقد قدمت ضدهم العديد من بلاغات القذف والسب لكن النائب العام حفظها جميعا.

 

هذا الحصار، بالطبع، لم ولن يؤثر أبدا في موقفي وسأستمر في التعبير عن رأيي مهما تكن العواقب. كما أن ما يحدث لي لا يقارن بماحدث لزملاء يقضون سنوات في السجن نتيجة لاشتراكهم في مسيرة سلمية ضد المحاكمات العسكرية للمدنيين أو دفاعا عن جزيريتي تيران وصنافير المصريتين اللتين قرر السيسي اهداءهما إلى .

 

لامكان في مصر الآن لأي صوت معارض وقد أنفقت أجهزة الأمن مليارات الجنيهات حتى تمت لها السيطرة الكاملة على كل وسائل الاعلام التي تسيطر بها على عقول قطاع عريض من المصريين. في وسط هذا الجو القمعي الذي لم تشهده مصر من قبل، يريد السيسي أن يصنع انتخابات رئاسية طبقا لمواصفاته حتى يستمر في الحكم لفترة جديدة ويظهر أمام العالم وكأنه رئيس منتخب ديمقراطيا. لقد بدأت أجهزة الأمن النشيطة في الاعداد لهذه التمثيلية السخيفة التي تكررت مع كل رؤساء مصر منذ أن وقعت في الحكم العسكري عام 1952.

 

لقد صنعوا استمارة مبايعة للسيسي وبدأوا في جمع التوقيعات أمام الكاميرات من لاعبي الكرة والممثلين وهم عادة أكبر المؤيدين لأي حاكم وسيعقب ذلك كما تعودنا توقيعات الطبالين والمنافقين والمشتاقين للمناصب، بعد ذلك تبدأ مسيرات المبايعة للموظفين المغلوبين على أمرهم يصاحبهم “المواطنون الشرفاء” المستأجرون بأموال رجال الأعمال حتى يأتي يوم الانتخابات فيرقص كل هؤلاء أمام اللجان فرحا بفوز السيسي وتخرج النتيجة بين 97 و99 في المائة.

 

الغريب ان بعض الشخصيات العامة المحترمة تعتزم تقديم مرشحا ضد السيسي في هذا الجو القمعي العبثي وبالطبع لن يكون هذا المرشح الا مجرد كومبارس لأن السيسي يحتاج في النهاية إلى منافس يهزمه.

 

بعد كل هذا التاريخ من تزوير الانتخابات اذا أردنا انتخابات رئاسية حقيقية في مصر فلابد أن تخضع لاشراف الامم المتحدة وليس في ذلك عيبا ولا انتقاصا من سيادتنا الوطنية وانما هي خدمة قدمتها الأمم المتحدة إلى أكثر من مائة دولة في السنوات الأخيرة.

 

السؤال الاهم هل المصريون مستعدون حقا لدفع ثمن المطالبة بانتخابات نزيهة؟! هل يدركون أن الديمقراطية هي الطريق الوحيد للحياة الكريمة أم انهم لازالوا يعتبرون الديمقراطية مطلبا منفصلا عن لقمة العيش؟ سأترك الاجابة للمفكر الكبير جمال حمدان (1928 – 1993)الذي كتب في كتابه شخصية مصر (الجزء الرابع صفحة 577 و614 )

“هنا ذروة المأساة: لقد كانت مصر أبدا هي حاكمها وحاكمها عادة أكبر أعدائها وأحيانا شر أبنائها وهو على أي حال يتصرف على أنه “صاحب مصر” أو الوصي على الشعب القاصر الذي هو عبيد احساناته والمصري الوطنى الوحيد (في رأي الحاكم) هو المصري التابع الخاضع…

لن تتطور مصر وتصبح شعبا حرا الا عندما تصبح هي شعبها لا حاكمها وإلى أن تصبح ملكا لشعبها لا لحاكمها فستظل مصر أمة من أشباه العبيد في الداخل وأشباه التابعين في الخارج ولن تصبح مصر شعبا حقيقيا راقيا أبيا عزيزا في دولة حقيقية متقدمة راقية الا اذا صار الشعب هو الحاكم والحاكم هو المحكوم”.