نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية مقالا للأكاديمي وأستاذ الصحافة بجامعة نيويورك ومدير مكتب السابق لصحيفة “نيوزداي” الأميركية ذو الأصول العربية، محمد بازي، كشفت فيه عن الوجه الطائفي القبيح الذي تمارسه دولة .
وقال “بازي” الذي روى معاناته مع الجهات الأمنية بالإمارات، والتي تعنتت في استخراج تصريح عمل له بجامعة نيويورك في أبوظبي، إن الإمارات تعاملت معه بتمييز مذهبي ولم تمنحه تأشيرة عمل؛ لكونه مسلماً شيعياً من .

 

وأضاف بازي: “قبل بداية الفصل الدراسي ببضعة أسابيع، أخبرني موظفٌ إداري في جامعة نيويورك بأن حكومة الإمارات قد رفضت منحي التصريح الأمني اللازم لأي شخص يدرِّس هناك كي يحصل على تأشيرة عمل بالبلاد. تقدَّمت الجامعة بطلب للاستئناف، فقوبل بالرفض من مسؤولي الأمن الإماراتيين”.

 

وبحسب بازي، “لم يفصح المسؤولون الإماراتيون للجامعة عن سبب رفضهم طلبي. لكن هذا نادراً ما يحدث؛ فعادةً ما يكون من السهل على المواطنين الأميركيين الحصول على تأشيرةِ عملٍ في الإمارات.

 

وفنَّد الأكاديمي الأميركي في مقاله الذي ترجمته صحيفة “هاف بوست عربي”، سبب رفض السلطات الأمنية الإماراتية طلبه، قائلاً: “إلى جانب كوني مواطناً أميركياً، فأنا أيضاً مسلم شيعي لبناني المولد. لذلك، فإن الإمارات العربية المتحدة، شأنها شأن المملكة وغيرها من الدول العربية السنّية، تشعر بالقلق إزاء صعود إيران كقوةٍ إقليمية وتأثير ذلك على والعراق ولبنان واليمن. هذا القلق يُغذِّي خوف تلك الدول من أن يُشكِّل أي شيعي في المنطقة تهديداً أمنياً لها، ومن أن تكون له صلة بإيران وحلفائها”.

 

وبحسب بازي، تستلزم استمارات طلب الحصول على التصريح الأمني الخاصة بالإمارات من المُتقدِّمين بالطلب ذكر الديانة والطائفة، فضلاً عن أن التعليمات المكتوبة الخاصة بجامعة نيويورك ذاتها تنص تحديداً على أنه يتوجَّب على العاملين بالجامعة عدم ترك هاتين الخانتين فارغتين.

 

وأضاف: “أخبرني المسؤولون في الجامعة مؤخراً بأنهم ما زالوا يبذلون قصارى جهدهم لنقض رفض طلب حصولي على التصريح الأمني. لكن بناءً على خبرتي السابقة في مشروع الجامعة بإمارة أبوظبي، أجد الأمل في حدوث ذلك ضعيفاً للغاية.

 

وكانت الدلائل على ممارسة البلاد التمييز الديني موجودة بالفعل في عامي 2012 و2013، حين درَّست صفاً للصحافة لمدة شهر في حرم الجامعة بأبوظبي. كان المسؤولون الإداريون بجامعة نيويورك قد حذروني آنذاك من أن طلبي للحصول على التصريح الأمني سوف يُقابَل بالرفض؛ نظراً إلى أصولي الشيعية، مما جعلهم يتراجعون مرتين عن تقديم طلبي. لكنهم توصَّلوا إلى سبيلٍ للالتفاف على هذه المشكلة بأن استخرجوا لي تأشيرةً سياحية وصفوني فيها بأني (استشاري)”، بحسب الأكاديمي الأميركي.

 

وتابع بازي: “طوال عامين، ظلَّ العديد من الإداريين في الجامعة يعِدونني بحل قضيتي. لكن دائماً ما كانت الإجراءات تتوقف فجأة، بحجة أن ما بيدهم حيلة. الأرجح أنني لن أعرف أبداً ما حدث بالضبط، لكنني أشك في أن الموظفين الإداريين بجامعة نيويورك في أبوظبي لم يرغبوا في استغلال رأس مالهم السياسي المحدود مع شركائهم الإماراتيين لحل قضيتي، أو (المشكلة الشيعية) بوجه عام”.

 

واعتبر أن مفارقة غريبة وقعت معه بجامعة نيويورك في أبوظبي، وهي أن حكومة إمارة أبوظبي التي رفض جهازها الأمني منحي التصريح الأمني، لأسباب طائفية، هي ذاتها الحكومة التي موَّلت عملية تخطيط وإنشاء حرم جامعة نيويورك ونفقاته التشغيلية، معتبراً أنه ليس الوحيد، فهناك على الأقل أستاذ دائم آخر بجامعة نيويورك، أيضاً من مواطني الولايات المتحدة ذوي الأصول الشيعية، قد رُفِضَ طلبه للحصول على التصريح الأمني اللازم للتدريس بحرم الجامعة في أبوظبي. هذا بالضبط هو ما تعهَّدَت رئاسة الجامعة بألا يحدث عندما عقدت صفقة افتتاح فرع لها في عاصمة دولة استبدادية!

 

وبدأت الجامعة شراكتها مع إمارة أبوظبي عام 2007، في الوقت الذي كانت فيه البلاد تنعم بإيراداتٍ قياسيةٍ للنفط في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكان فيه القادة الإماراتيون، خصوصاً ولي العهد والحاكم الفعلي للبلاد، الشيخ محمد بن زايد، قد شرعوا في شراء الشرعية الاجتماعية والثقافية لأنفسهم. لقد موَّلَت إمارة أبوظبي آنذاك المهرجانات والجوائز الأدبية والمشروعات الترجمية ومشاريع إنشاء فروع للمتاحف والجامعات البارزة، بحسب بازي.

 

في 2011، هزت ثورات ثقة قادة الإمارات بقدرتهم على البقاء في السلطة، فدفع هذا الأمر السلطات في ابوظبي لتقديم أولوية الأمن على حساب رأس المال الثقافي. وفي مارس/آذار عام 2011، ومع انتشار الثورات الشعبية في جميع أرجاء المنطقة، وقَّع أكثر من 100 ناشط إماراتي عريضةً تدعو إلى إجراء انتخابات مباشرة وإصلاح برلمان البلاد عديم الفاعلية. لكن العديد ممن وقَّعوا تلك الوثيقة إما واجهوا محاكمات وإما جُرِّدوا من الجنسية وإما نُفوا خارج البلاد فيما بعد.

 

وبحسب بازي، فإن الأكاديميين أيضاً تعرَّضوا للهجوم؛ ففي صيف عام 2012، تعرَّض مات دافي، أستاذ الصحافة بجامعة زايد في أبوظبي، للطرد من عمله فجأةً، ومن ثم مغادرة البلاد قسراً، لانتقاده القيود المفروضة على وسائل الإعلام في البلاد.

 

وفي مارس/آذار من عام 2015، مُنِعَ أندرو روس، وهو أستاذٌ مختص بقضايا العمل في جامعة نيويورك، من السفر إلى أبوظبي لأسبابٍ أمنية غير مُحدَّدة. كان روس، الذي كان ينتقد بصراحةٍ مشروع الجامعة في أبوظبي، وخصوصاً استغلال العمالة الوافدة بالإمارات، ينوي قضاء إجازة الربيع في إجراء الأبحاث حول ظروف العمل في البلاد. غير أن رد فعل الجامعة إزاء منع روس من دخول البلاد أتى فاتراً وجباناً؛ إذ زعم أحد المُتحدِّثين أن “الحكومة هي من بيدها سياسة إصدار التأشيرات والهجرة، وليست الجامعة”.

 

لقد فشلت الجامعة وغيرها من المؤسسات الفكرية والثقافية الغربية التي كانت قد عقدت صفقات لافتتاح فروع لها في أبوظبي، من ضمنها جامعة السوربون ومتحفا اللوفر وغوغنهايم، في التكيف مع الواقع الجديد، فقد كانت أجهزة أمنية أشد قمعاً تصيغ أولويات شريكها وولي نعمتها المحلي، بحسب بازي.

 

ولفت الأكاديمي الأميركي إلى أنه كان من الداعمين لمشروع جامعة نيويورك في أبوظبي قائلاً: “المثير للسخرية هو أنني كنت من داعمي مشروع أبوظبي في بدايته، وكنت أتمنى له النجاح حتى مع القيود التي كانت مفروضة عليه. ما زلت أرى أن المشروع له مزاياه؛ إذ إن الطلاب الذين يلتحقون بالحرم الجامعي -وهم يمثلون أكثر من 100 جنسية، العديد منهم قد تلقى منحاً دراسية كاملة تكفلها إمارة أبوظبي ذاتها- هم طلاب في قمة التميز.

 

وحين أعلنت رئاسة جامعة نيويورك لأول مرة عن هذا المشروع، شعر بعض الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وأعضاء مجلس الأمناء بالقلق من أن ترفض حكومة الإمارات دخول اليهود وغيرهم من المجموعات التي قد تعتبرها القيادة الخليجية غير مقبولة في البلاد. بيد أن تلك المخاوف كانت تستند إلى فهم قديم لدول الخليج ومخاوفها.

 

وما إن بدأ العمل بالمشروع، حتى اعتبرت حكومة أبوظبي أن تأثير إيران الإقليمي يشكل أكبر تهديد لأمنها. كان القادة الخليجيون يرون أن الخطر الإيراني يتربَّص بهم في كل مكان، وأن الشيعة والفرس معاً (حتى المواطنين الأميركيين منهم) عبارة عن عناصر محتملة للطابور الخامس قادرين على التسلل إلى مجتمعاتهم للنهوض بمصالح إيران، بحسب بازي.

 

وأشار الأكاديمي الأميركي إلى أن مسؤولي جامعة نيويورك لم يدلوا سوى بأقل القليل من التفاصيل حول الصفقة التي عقدوها مع أبوظبي، ولم يعترفوا إلا بأن الإمارة قد أهدت الجامعة منحة مبدئية تُقدَّر بـ50 مليون دولار، بمثابة هبة تعبيراً عن نواياها الحسنة تفاوض عليها سكستون.

 

كذلك، قدَّم الإداريون بجامعة نيويورك لهيئة التدريس بيانات تُبيِّن أن سلطات أبوظبي قد وافقت على 97% من طلبات الحصول على التأشيرة التي تقدّم بها أعضاء هيئة التدريس والطلاب والعاملون بالجامعة في الفترة ما بين عامي 2009 و 2016. لكن تلك البيانات تُبيِّن أيضاً أنه رُفِضَت طلبات 10 من أعضاء هيئة التدريس من أصل 863 عضواً.

 

إذا استمرت جامعة نيويورك في قبول سخاء إمارة أبوظبي، فعليها أن تعترف بالقيود التي تفرضها سياسات الإمارة الأمنية والخارجية على الحرية الأكاديمية.

 

على أقل تقدير، على الجامعة أن تعترف بأنها استثمرت في نظامٍ سياسي يُميِّز بقوةٍ ضد أفراد الأقليات الدينية؛ بسبب خوفه الغامر من إيران وكراهيته للشيعة، وهو أمر يبعد كل البعد عن حرية تنقُّل الأشخاص والأفكار التي يزعم رؤساء جامعة نيويورك أنهم يطمحون إلى تحقيقها، بحسب الأكاديمي الأميركي.