بقلم – في سابقة هوجاء لا مثيل لها تشهد بلاد الحرمين الشريفين حملة قمعية شعواء على الدعاة والمفكرين والإعلاميين والأكاديميين ممن لم يشاركوا في صخب الأزمة المفتعلة مع ، وقدر تعلق الأمر بالضجيج المتماهي مع الخطاب الرسمي السعودي فقد تحوّل نقيضه (الصمت) في أحدث القوانين الجنائية إلى جريمة جسيمة تستوجب عقاباً يتناسب وحجمها بإعتبارها: خيانة وطنية . وعلى هذا الأساس راحت سلطة البطش تزج (بالصامتين عن ) في غياهب السجون لتنافس بذلك حتى النازية في أقذع صورها ، ففي حين تمايز النازية بين البشر بالإستناد إلى أعراقهم وأجناسهم ، تتجاوز السلطة السعودية ذلك إلى التمييز بين أبناء العرق الواحد بإستحداث معيار جديد (للولاء الوطني) يقوم على مفارقة (الصوت والصمت) العجيبة ، ليتمخض عن هذا الجنون الرسمي جدول غرائبي (للوطنية) يصنف المواطنين من النخبة السعودية المثقفة تبعاً لقوة الصوت الممالئ لصوت السلطة ، فيحتل الأعلى ضجيجاً قمة الجدول (الوطني) فيما يتدحرج الأقل ضجيجاً إلى قاعهِ ، أما (الصامت) فهو مطرود إلى جحيم الزنازين ولا مكان له في جنة الجدول التراجيكوميدي إياه ، ولعل هذا ما يجيب على التساؤلات المستنكِـرة والمستهجـِنة لتصدّر البعض من أشباه المثقفين الحمقى واجهة المشهد السلطوي الرسمي السعودي من مثل الثرثار التويتري الضّاج بالهراء سعود القحطاني الذي يشغل دفعة واحدة منصب (مستشار بالديوان الملكي بمرتبة وزير ومشرف عام على مركز الدراسات والشؤون الإعلامية) ، أو مثل المتشاعر الفضائحي تركي آل الشيخ الذي خلعت عليه الإرادة الملكية السعودية عباءة وزير لمجرد أنه ابتدع من وحي شيطان الفتنة نشيد التحشيد الغوغائي (علّم ) ، والقائمة تطول بهذه الظواهر الضوضائية الشائنة ممن تتنافس على حلبة الجَلبَـة أيّها أعظم صخباً وأشد نفاقاً جهورياً لتفوز بالرضى الملكي وعطاياه ، في حين يتوزع الكثيرون من خيرة المثقفين السعوديين الذين آثروا إعتزال سوق الهرج والمرج هذا ما بين سجين وطريد ومحجور عليه ، ولم يسلم من ذلك العسف حتى بعض ذوي الدم الملوكي من آل سعود .

 

هكذا أدخلت القيادة السعودية بلاد الحرمين الشريفين في دوامة إعصار هستيري شمولي بدافع فريد من نوعه ربما تستحق عليه (براءة إختراع) ، فحتى مع اعتبارها لحالة (الصمت) موقفاً إنسانياً إحتجاجياً إزاء قضيةٍ مّا : هل يسوّغ ذلك الأمر لها تصنيف رعيتها (وطنياً) على مقياس الضجيج ؟!.

 

لا حاجة لأي إنسان سوي بالإجابة على هكذا سؤال لا يقبله حتى العالم الإفتراضي ، لكن ، قد يجيب عليه (مسرح العبث) إذا تخيلنا (تجاوزاً) أبا تمّام يقف على خشبته ليجابه الوزير الشويعر تركي آل الشيخ بعد أن أنهى وجوقته تواً إنشاد القصيدة العصماء (علّم قطر) ، فها نحن نردد بحماسةٍ وراء أبي تمّام :

(الصمتُ) أصدقُ إنباءً من (الصّخبِ) …. في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعبِ

 

مهند بتار