نثرت الأبجدية على صعيد الروح، فعرفتها كما عرف أبو البرية أنثاه في عرفات،وطوفتها بالقلب من ألفها إلى يائها، تطامن الألف بقامته المشمخرة حارس الأبجدية واختال اللام وقد قوس عجزه يراقب بقية الحروف وراءه والعين عربدت في أقصى الحلق وهي تشرف على القلب وتتحسس نبضه والياء يمن ويسر والدال نزفت دما إنها قربان الأبجدية في يوم العيد.

العيد عج وثج والحج رحلة إيمانية على صهوة الشوق إلى بلاد الأفراح وتجسيد حي لواقعة الموت والبعث والحساب وملتقى عالمي للأصفر والأحمر والأسود والأبيض والغني والفقير والصحيح والعليل شهق واحد ونبض واحد ومصير واحد على أرض واحدة في يوم واحد.

من يذهب إلى هناك يأخذ معه شفرته لينحر إسماعيله وما إسماعيله إلا الحب الأرضي الذي شابته الغرائز البشرية ليسمو إلى حب سماوي وقد تخلص من تلك الشوائب ،من قتامة الطين إلى وهج النور الأزلي.

-أنت يا إبراهيم تحبني، طيب ضح بابنك ،فلذة كبدك حتى يكون حبك لفلذة كبدك إسماعسل قربانا لحبك لرب إسماعيل.هات الدم مهرا ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر.

وأنت يا أيها الإنسان ضح بغرائزك وأهوائك النفسية ومصالحك الدنيوية ،لقد تكرمت عليك فقبلت منك الأضحية بدل التضحية بنفسك برهانا لحبي كما قبلت من إبراهيم ذلك الذبح العظيم.لقد عدت جديدا كيوم ولدتك أمك فلا تفسد في الأرض بعد إصلاحها ولا تستبدل ذلك الحب النوراني بحب آخر بل اجعله تبعا له.،وتذكر إذا نسيت لما هممت بذبح غرائزك قبلت منك الفداء كما قبلت من إبراهيم وعاهدتني فكن وفيا.

طف مع المجموع حول قطب الرحى ،حول سرة الوجود وهيولى المعنى واذكر إذا نسيت أنك واحد من المجموع فمهما علا شأنك فأنت إنسان أخو الإنسان مسخر لخدمة الإنسان بذاك وثقنا العهد وصافحت يمينك يميني في ذلك الركن.

وأنت أيتها الأبجدية طوفي حول كعبة القلب واشربي زمزم الروح وانتشي في عرفات الفكر وتصببي عرقا من ألق المعنى ووهج الحب وجمر التدبرفليس لك معنى أيتها الأبجدية مالم تكوني في خدمة الحق ونصرة المظلوم والتطامن إلى الجمال وتيسير حياة الناس رخاء وازدهارا.

أيتها الأبجدية لو كنت جسدا لكانت الحاء والباء سرتك فمن السرة يغتذي الجنين ليصير كائنا عجيبا مستطيعا بنفسه بعد أن كان مستطيعا بغيره ومن حاء الأبجدية وبائها سرة المعنى كله :لا تنجح في عمل مالم تعشقه ولا تستطعم كفاحا مالم تحب الحياة ولا تضحي في سبيل امرأة مالم تكن كيانك وتوأم روحك وفوق ذلك حبك للنور الأزلي هو الذي يدفع بك إلى مجاهدة النفس ومغالبة مشاق العبادة أملا في رؤية ذلك النور الازلي حتى لا تكون محجوبا عنه لتحرز الحسنى وزيادة.

فليس ذلك القربان الذي تقدمه صبيحة العيد إلا نفسك وحين تنحرها رمزيا تنحر غرائزك وتجدد ميثاق الحب وتصلح ما أفسدته الأيام أو ما أفسدته أنت في خاطر الأيام

حبك الصغير الذي شابته الغرائز نماؤه وزكاته ذلك الدم – دم القربان لا دمك أنت- ودم الذبح العظيم لا دم إسماعيل.

هبة سماوية وكرم علوي للإنسان أن يكون القربان بديلا عن الانسان وما ذاك القربان إلا مهر تقدمه الروح منتشية كل عام وهي تخطب جمال ليلى :

أمــــــــن برق بالأبيرق لاحا

أم في ربى نجد أرى مصباحا؟

أم تلك ليلى العامرية أسفرت

فصيرت المساء صباحا؟

وحسن سلمى:

سلام على سلمى ومن حل بالحمى

وحـــــــق لمثلي رقة أن يسلــــــما

سروا وظلام الليل أرخى سدولــــه

فقلت له صبا غريبا متيـــــــــــــما

ذاك هو الحسن الإلهي والجمال الأزلي .

حتى يغدو ذلك الحب في نهاية العمر غالبا على كل حب حين يذوى الجسد وتنطفأ الشهوات ترف الروح وتتفتق أكمامها ويشف نورها وتنطلق حمائمها تمهيدا لمعانقة الحب الأزلي في عالم لا يعرف زمانا ولا مكانا إلا فيوضات الأنوار.

هو ذاك الحب الذي عنته الشاعرة:

أحبك حبين حب الهوى

وحبا لأنك اهل لذاكا

وأشتاق شوقين شوق النوى

وشوق لقرب الخطى من حماكا

تشف الروح وتشرق فيها معاني الوجود الأزلية وتستعد للاندغام في الروح الكبرى والجمال السرمدي كالفراش يحوم حول ضوء المصباح بجاذبية العشق وناموس الحب.

فأي شيئ أهديكم في العيد يا صحابي؟

وردة حمراء بلون دم الأضاحي نبتت في حقل الحب وسقيت بماء العشق شذاها من شذا الروح وأكمامها من أفلاذ النفس الصادقة المخلصة.

يا الله باركنا بالحب وأدم علينا آلاءه واجعل حبك خاتمة الحب وسرته والرحم التي يولد منها كل حب وقطب رحاه وسدرة منتهاه.

يا أيتها الأفراح حفي بالأرواح وارتسمي بسمات على شفاه الأطفال والمرضى والمحرومين وكل إنسان.

عيدم مبارك وكل عام والأفراح تحف بأرواحكم في ملكوت الحب.