مثل ساحر السيرك الذي يبهر الأطفال بالأرانب المتقافزة من قبعته السحرية راح رهط الفضائيات يدهشنا (بالإكتشاف) التاريخي المذهل : شيخ قطري من آل ثاني (تُفتح) على يديه الحدود المغلقة لكي يعبر الحجاج القطريين إلى بيت الله الحرام !.

 

هكذا ، وبعيون جاحظة تفرّجنا على عبقرية اللقطة الجامعة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالشيخ القطري عبدالله آل ثاني في مشهد بانورامي أخاذٍ ذي طقس مهيب جليل لم يكن ينقصه لكي تنساب دموع الفرح سوى إستحضار الـموسيقى التصويرية المصاحبة لفيلم (الرسالة) وبالذات عند مقطع : فتح مكة . لكننا لسنا بصدد فتح مكة وإنما ، وهذا أمر يحتاج إلى ورشة عمل سينمائية متكاملة لا أحد أقدر على تشغيلها من المخرج التويتري والسيناريست الجهبذ كبير (مغرّدي) الأمير محمد بن سلمان .

 

وبالفعل ، وعلى قدم وساق راح القحطاني بمعية جيش من الكومبارس التويتريين وضيوف شرفٍ من نوعية الممثل الأسطوري ضاحي خلفان يوصل الليل بالنهار حتى انتهى أخيراً من ما شاهدناه في العرض التجريبي لتحفة السينما العالمية الخلابة (إنقلاب الدوحة) .

 

بالنسبة للتمثيل فمن المؤكد أن كل من إشتركوا في فيلم (إنقلاب الدوحة) يستحقون الثناء من أصغرهم إلى أكبرهم ، سوى أن ما يجبرنا على التوقف عنده هو الأداء اللافت الأكثر من مبهر لضيوف الشرف الكوميديين وهم تباعاً : الظاهرتان الإماراتيتان ضاحي خلفان وحمد المزروعي ثم الممثل المصري خفيف الظل (والعقل) أحمد موسى ، فقد إندمج هؤلاء الأفذاذ الثلاث في أدوارهم بشكل (ما بعد خرافي) ربما سيضطر معه النقاد إلى إعادة تعريف فن (التمثيل) إستناداً إلى ما شاهدوه فيهم من إعجاز تمثيلي .

 

أما لجهة السيناريو والإخراج فلن تفلت جائزتي (الأوسكار) لهذا العام من يد الفنان الشامل سعود القحطاني أو () كما يُطلـِق عليه تحبباً جمهوره الواسع من عشاق الفن السابع ، فقد تجاوز القحطاني في طريقة إخراجه للفيلم حدود الممكن الإبداعي إلى المستحيل السينمائي مُستحدِثاً ما قد يمكن تسميته مؤقتاً ولحين إجماع المختصين : (لقطة ) ، تلك الطفرة الفنية التي جسّدها مشهد التداعي الهارموني اللامتناهي في الصدى التويتري الحلزوني (للحراك السلمي) الملحمي التلاطمي الذي قام به الشعب القطري ضد البلاط الأميري في الدوحة وما تمخض عنه من خاتمة الفيلم بتنصيب أمير جديد على القطريين ، وكل هذا جرى في إطار سيناريو (دليمي) مُحكم غاية في الحبك والصياغة والسبك وإن كان بحسب الكثيرين من النقاد قد (إستلهم) بعض ثيمتهِ من أحداث الرواية التراجيدية (الإنقلاب القبيح على محمد بن نايف ولي العهد الذبيح) ، وهنا فالحق يوجب القول بأن هذا الإستلهام لا شك أسبغ على أحداث الفيلم طابعاً واقعياً انقذه من الذهاب في المنحى الأسطوري الذي قد يقلل من مصداقيته عند جمهور مولع بالمؤامرات الإنقلابية الحقيقية من خلال (الفعاليات السملية) ، وهذا بالطبع يُسجّل بأحرف من نور في سيرة السيناريست العظيم () لأنه بهذا المعنى شـرّع للشعب السعودي الحق في التظاهر والحراك السلمي ضد العائلة المالكة أسوة بالشعب القطري كما شاهدناه في فيلم ( إنقلاب الدوحة) . تصفيق حار لدليم .