معركة الأقصى ليست مصيرية بالنسبة لمستقبل القدس، بل نتائج معركة الأقصى ستتقرر مستقبل القضية الفلسطينية برمتها، لذلك ترى الصلف الإسرائيلي، والتشبث بإدخال المصلين عبر البوابات الإلكترونية، وترى العناد الفلسطيني، والإصرار على عدم الخضوع للقرار الإسرائيلي.

فهل سيتراجع نتانياهو خطوة تهز شخصيته، وتؤثر على ائتلافه الحكومي، أم ستنكسر إرادة الشعب الفلسطيني أمام الغطرسة الإسرائيلية، وصلف المتطرفين اليهود؟

حتى اللحظة لا مؤشر على انكسار الإرادة الفلسطينية، ولاسيما بعد أن ائتلفت الجماهير العربية خلف قيادة سياسية جديدة، مركزها مدينة القدس، قيادة ميدانية لها قراراها المستقل، واتخذت على عاتقها التصدي للصهاينة، وعدم الانصياع للأوامر الإسرائيلية.

وحتى اللحظة لم يظهر اليمني الإسرائيلي أي تراجع أو انكسار، بل زاد المتطرفون الصهاينة من غيهم وصلفهم حين فتحوا باحات المسجد الأقصى لليهود، في اليوم نفسه الذي صادقت فيه الكنسيت على مشروع قانون أساس القدس، والذي يقضي بأن القدس هي “العاصمة الأبدية للشعب اليهودي ودولة إسرائيل ولا يمكن لأي جسم أن يتخلى عن القدس كعاصمة لإسرائيل إلا بأغلبية 80 عضو الكنيست”.

كان الأجدر أن تمتص القيادة الإسرائيلية غضب الشارع العربي، وأن تحرص على تهدئة الساحة الفلسطينية، كما حدث قبل عام، حين منع نتانياهو أعضاء الكنسيت والوزراء من زيارة  الأقصى، حرصاً على عدم التصعيد، والحفاظ على وضع “ستاتسكو” الذي يحبذه قادة العرب.

فما الذي جرى؟ ولماذا تجرأت الكنيست على المصادقة على قرار أساس القدس؟

لقد دأبت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على قراءة الواقع الفلسطيني بشكل جيد، وتقديم التقارير المستوى السياسي، ليتخذ القرار على ضوء المعلومة، ومن المؤكد أن تقارير الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بشأن المسجد الأقصى قد اعتمدت على المربع الإسرائيلي والدوائر الفلسطينية.

فما هو المربع الإسرائيلي؟

منذ سنوات خلت، والسلطة الفلسطينية تبدي حرصها على عدم الانجرار إلى المربع الإسرائيلي، حتى في أصعب اللحظات التي اغتصب فيها الصهاينة المستوطنون أرض الضفة الغربية، فقد حرصت السلطة على التهدئة، وعدم الانجرار إلى المربع الإسرائيلي، وقد حدث ذلك حين أقامت إسرائيل عشرات الحواجز الأمنية، وشقت عشرات الطرق الالتفافية، فقد طالبت السلطة من الشعب الفلسطيني بالحفاظ على التهدئة، وعدم الانجرار إلى المربع الإسرائيلي، حتى حين أحرق المستوطنون اليهود عائلة دوابشة، وحين أجرم المستوطنون بحق الطفل أبو خضير في القدس، ويحدث ذلك مع كل اقتحام لمدن الضفة الغربية، وبعد كل تصفية بدم بارد، لقد حرصت السلطة على التهدئة، وعدم الانجرار إلى المربع الإسرائيلي على مدار 51 يوماً من الحرب على غزة، وحرصت السلطة على عدم الانجرار إلى المربع الإسرائيلي على مدار 41 يوماً من إضراب الأسرى المفتوح عن الطعام.

الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تدرك جيداً أن حرص السلطة على التهدئة، وعدم الانجرار إلى المربع الإسرائيلي لا يخدم القضية الفلسطينية كما تدعى السلطة، وإنما يخدم الدوائر الفلسطينية التي تنتفع من التهدئة، وتتضرر مع المواجهة، وهذه الدوائر الفلسطينية هي:

أولاً: دائرة  أصحاب بطاقات VIP  ، وأولئك هم أول المتضررين من اقتحام الفلسطينيين لحاجز الوهم، واختراقهم المربع الأمني الإسرائيلي.

ثانياً: دائرة الفساد، وهذا الدائرة من أهم الدوائر التي تضغط باتجاه الحفاظ على أمن إسرائيل، وعدم الانجرار إلى المربع الإسرائيلي الذي سيضع عناصر هذه الدائرة بين نارين، نار المخابرات الإسرائيلية التي ستفضحهم، ونار الشعب الذي سيهتك سترهم..

ثالثاً: دائرة الانتفاع والارتزاق المالي من خلال العلاقة التجارية مع الإسرائيليين، لقد نمت في مدن الضفة الغربية عصابات المكاسب المالية، والمنتفعين اقتصادياً، والذين يدركون ان أي انفجار للأوضاع الأمنية سيطيح بإمبراطورية المال الذي جمعوه.

رابعاً: دائرة الارتزاق من المستوطنين والمستوطنات، دائرة التربح اليومي من وصول أكثر من مئة وخمسين ألف عامل فلسطيني؛ يقومون بتعمير المستوطنات، والبناء فيها، وتشغيل مصانها، وتحسين انتاجها، وتثبيت أركانها، بما في ذلك تنظيف شوارع المستوطنات، وجمع حفاظات (البمبرز) عن مؤخرة أطفال المستوطنين اليهود.

إن حرص القيادة الفلسطينية على سلامة الدوائر الفلسطينية آنفة الذكر ليفرض عليها الحرص الدائم على عدم الانجرار إلى المربع الإسرائيلي، وهذا ما تم تجاوزه في الأيام الأخيرة، حين أفرز الشعب الفلسطيني قيادته الميدانية من شوارع القدس الملتهبة، قيادة لا تهاب اقتحام المربع الأمني الإسرائيلي، وهذا ما سيجبر نتانياهو على الانكسار، ومراجعة حساباته، وتعديل قرارته، ولاسيما مع انتشار لهيب انتفاضة القدس والأقصى إلى كل مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، وما لذلك من تأثير إيجابي على الأمة العربية والإسلامية.