كثير ما أجلس بيني وبين نفسي لأتساءل في ظل هذه الأحداث العالمية المتسارعة عن السر الذي أدى ما أدى إليه الانسان والانسان الغربي بشكل خاص من خراب ودمار بالعالم والإسلامي منه بشكل أكبر، بعدها أحاول الإجابة عن تلك الإشكاليات التي لا أظن أن لها أجوبة أصلا فأحاول على استحياء ايجاد مبررات لهذا العبث فأقول متسائلة ومجيبة في الآن نفسه أهو الجنون الانساني؟، ثم أقول آه لالا إنها طبيعة الحضارات !!!، أو هو ايذان بنهاية ما سمي بالنهايات المفتوحة؟، على غير قناعة بتلك المبررات أقول في نفسي الأكيد هو أن كل هذا ماهي إلا هي علامات الزوال الحتمي للإنسان من الوجود وما الحاصل إلا مظاهر ممهدة لذلك؟

     أسئلة كثيرة تلك التي تدور في فلك عالمنا المثخن بالجراح المثخن بالأحقاد، المثخن بذلك العفن الانساني الطافح على تلك العقول الغربية، التي وصلت إلى درجة من التدهور الانساني الكبير لتنجرف عميقا في بحر الأحقاد، متخفية وراء شعارات زائفة وهمية مخادعة حاولت تكريس نفسها على أنها ذلك الحمل الوديع الذي يود تحرير العالم الإسلامي من همجيته، والإرهاب حسبهم…!!! في حين هي مختلفة تماما عن تلك الصورة الناصعة التي صوروها لنا.

   مقالنا هذا سيكون مختلف عن سابقيه، مقالنا هذا سنقف فيه تحليلا وتفكيكا لتلك الشفرات الاستعمارية المعششة في عقول مفكري الغرب لنكشف العورات الفكرية لهم، فهي أفكار قديمة عائدة من بعيد في أثواب جديدة مختلفة ومتنوعة، حيث سنكشف فيه على ما لتلك الشفرات الفكرية الاستعمارية من أهمية كبرى في توجيه الأحداث العالمية الحاصلة حاليا بالعالم الإسلامي، وحتى لا يخدعنا أحد ويزيف الحقائق بعقولنا، لنقول لأولئك المفكرين الغربيين المتبجحون بعظمة حضارتهم المحبة للسلام أخرجوا لنا تاريخكم الفكري لنعرف من الإرهابي الحقيقي..!!!.

1_ شيفرة نهاية الأيديولوجيا:

     تعتبر شيفرة نهاية الأيديولوجيا أحد أبرز الشيفرات الموجهة للحراك السياسي والعسكرية الغربي في علاقته بالعالم الإسلامي وظهرت هذه النظرية “عندما وضع ه.ستيوارت هيوز مصطلح “نهاية الأيديولوجيا السياسية” استنادًا إلى تراجع مظاهر الشيوعية في الاتحاد السوفياتي بنهاية عهد ستالين، وهي الفكرة التي راجت بعد سنوات قلائل لدى علماء الاجتماع، وكتاب أمريكيين مثل شيلز وبيل وليبست وشيلزنجر وواكسمان ووالت روستو. ففي مؤتمر ضخم عقد في ميلانو بإيطاليا عام 1955 حول (مستقبل الحرية) تم الإعلان على اختفاء أسباب الصراع الأيديولوجي في العالم واعلان نهاية عصر الأيديولوجيا، قاصدين الشيوعية بالطبع”(1). لكن هيوز نسي أو ادعى التناسي بأن الأيديولوجيا أحد ركائز التيارات الفكرية والعقائد الدينية، فمن قال مثلا بأن الشيوعية اختفت؟..كذبوا علينا يا عالم، فالشيوعية تحولت في أشكال وخطابات جديدة تضرب الآن بأطنابها في عالمنا الإسلامي.

   باستبطاننا لهذه الشيفرة نجد أنها أصدق تعبير عن حالة القلق الوجودي الذي يكتنف المنظومة الفكرية للعقل الغربي، وأحد الصروح الفكرية التي تحرك الدوائر السياسية و العسكرية في العالم الغربي تجاه العالم الإسلامي، لزعزعة أمننا واستقرارنا وهو حال ما هو حاصل في الشرق الأوسط الذي يشهد غليانا محمومًا بين الأيديولوجيات المختلفة نتيجة ذلك التوحش الحضاري إن جاز التعبير والذي تديره أطراف هناك كل حسب مصالحة و الضحية هو التنوع الثقافي والطائفي للأمة الإسلامية.

    وأمام هذا النزاع المحموم المبطن بدواعي وآليات هذه الشيفرة الأيديولوجية فقد ظهرت أصوليات شديدة التطرف كردة فعل طبيعية على تلك السياسات الغربية المنتهجة تجاه العالم الإسلامي، فهذه الشيفرة “من أي موقع تعبر عن أيديولوجيا، إنها بعبارة أدق تحاول تكريس نفسها ومنظومتها، من خلال نزع الشرعية عن أية ايديولوجيا واكسابها لنفسها بعد الايهام بتحرر منظومتها من الأيديولوجيا”(2). وهنا نقف على ما لهذه الشيفرة من دور في إدخال العالم أجمع والإسلامي منه بشكل خاص في مأزق حضاري مدمرا للهويات ومقصيا للتنوع الأيديولوجي، وهو ما يجعلنا نتساءل مع عالم الاجتماع الفرنسي آلان توران حينما تساءل قائلا: “كيف نتخلص من الخيار الصعب بين عولمة كونية خادعة تغفل تنوع الثقافات، والواقع المنغلق للجماعات المتقوقعة على ذاتها”(3). فمحاولة نشر ايديولوجيا واحدة بقوة السلاح وزرع الأفكار الطائفية الخبيثة وعدم اعطاء مساحة كافة لباقي الهويات الأيديولوجية، أدى ما أدى إليه من خراب بالعراق وسوريا وغيرها من الدول العربية التي أصبحت تتغلغل فيها هذه الشيفرة المرضية.

    إن “البحث عن أصل واحد وجوهر واحد يؤدي ليس فقط إلى تخريب الثقافة، بل إلى أخطر الأصوليات”(4). ولعل هذا ما أدى إلى حدوث تلك الهزة العنيفة للنسق والبناء الاجتماعي العربي Arabe Structure Social الذي يشهد تشرذمًا كبيرًا وعبثا عميقا بمقومات ثقافتنا وتلك العادات التي كانت تحفظ التنوع الطائفي والتماسك الاجتماعي لمجتمعاتنا، كل ذلك ذهب هباء منثورا لتبرز أصوليات شديدة التطرف ممثلة في ما يسمى “بداعش” وغيرها من التنظيمات الإرهابية شديدة التطرف.

2_ شيفرة نهاية التاريخ:

    تعتبر مقولة فرنسيس فوكوياما Francis Fukouyama  احدى أبرز السرديات الكبرى التي تشكل البنية العقلية للمجتمعات الغربية في القرن الواحد والعشرين في نظرتها للآخر فقد أصدر الياباني فرنسيس فوكوياما سنة 1989 كتابه الشهير نهاية التاريخ والإنسان الأخير  The end of history and the last man معلنا من خلاله أن التاريخ الإنساني قد أعلن نهايته ووصول أوجه في النموذج الحضاري الأمريكي وهو ما يترجم لنا أن الأجدر حسبه بالتربع على عرش سيادة العالم هي الثقافة الأمريكية، وبالتالي انضواء باقي الثقافات تحت لواء هذه الثقافة العالمية، وهو ما جعل باقي الدول مفعولا بها لا فاعلة وطبعًا الحلقة الأضعف بين كل الدول هي الإسلامية كون الأنظار موجهة صوبها وصوب خيراتها تارة حقا على منظومتها الدنية وتارة لهثا وراء خيراتها.

    إن الحديث عن علمنة العالم التي دعا لها فوكوياما تضع الشعوب إزاء “عملية زعزعة للذات وتشكيك فيها، وتفجير لعناصرها وتجاوز لها صوب العقل العلمي الثوري الذي يأنف الثوابت”(5). وهو ما يضع الهويات أمام تحد معرفة الذات قبل الآخر كون ذاته شهدت انفراطا عنيفًا تحتاج لسنوات إن لم تكن قرونًا حتى ترمم وتعود لسابق عهدها، وتتخلص من رواسب تلك السلطة العنيفة والسلطة القاهرة لإرادتها، وهو ما جعل مالكم برادبري وجيمس ماكفارليفني يقولان بأن “الهزات الحضارية التي تحدث بصورة منتظمة في تاريخ الفن و الأدب والفكر هي أقرب ما تكون إلى الهزات الزلزالية التي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع رئيسة: النوع الأول هو ما يمكن تسميته بالهزات البسيطة Tremors التي تتعلق بالمودة أو التقليعة، والتي غالبا ما تأتيها الأجيال المتعاقبة، تستمر هذه التقليعة مدة لا تزيد عن عشر سنوات، والنوع الثاني من الهزات هو ما يمكن نعته بالإزاحات الكبيرة Displacement  التي تمتاز بالتحولات العميقة والواسعة التي تخلفها وراءها وغالبا ما يستمر تأثيرها مدة طويلة وتقاس بالقرون، والنوع الثالث هو ذلك النوع المدمر الكاسح Cataclysme الذي يقوض مساحات واسعة من البناء الحضاري والفكري ويتركها أكواما من الأنقاض”(6).

    أمام هذا الخطاب نستطيع قياس مدى الشرخ الحضاري الذي أحدثته السياسات التطبيقية لهذه الشيفرة الفكرية، خاصة وأن منظري اللبرالية استفحلت آراؤهم في المنظومة القيمية و الفكرية بالوطن العربي، فهم يعملون وفق مؤشرات استقرائية تعمل على المدى البعيد وفق فرضيات محددة ليصلوا إلى نتائج استنباطية ترسم معالم تشظي الهوايات، وبالتالي نادرًا ما يصلوا إلى نتائج مخالفة لتلك التي وضعوها أول الطريق فها هي تلك الخارطة التي وضعها برنارد لويس ماثلة أمامنا، وها هي أماني توينبي ظاهرة ظهور الشمس وسط السماء ليتساءل بدرنا العربي عن أسباب الظلام الدامس الذي أصابه جراء هذه الشفرات الاستعمارية الموغلة في العنصرية.

   وهناك دعوات من بعض المفكرين العرب أمثال المفكر المصري عبد الوهاب المسيري صاحب الموسوعة اليهودية أن فوكوياما في طرحه هذا قصد منه إلهاء العالم لا أكثر فهي حسبه مجرد بهرجة جاءت في الوقت المناسب خدمة لبعض المصالح حيث يقول: “بقدر ما هي قضية جزئية ومثيرة للجدل والنقاش، فإنها لا تستند إلى مقومات علمية دقيقة لابتعاد صاحبها عن القاعدة الثابتة التي تشكل منطلق المؤرخ، وهي النزاهة والموضوعية، ما جعله يسقط في شباك التحيز حين وضع فكرته في خدمة السياسة الأمريكية الرأسمالية، وصاغ أفكاره بروح انبهارية تحت نشوة انتصار النظام الدولي الجديد، فإن هذا التوجه المهندس سلفا جره إلى السباحة في عالم تخيل فيه أن التاريخ قد أغلق أبوابه بعد انتهاء الحرب الباردة”(7).

    في حين تناسى فوكوياما أو ادعى التناسي بأن هناك دولا خرجت من كهفها، و بدأت تبرز كدول عملاقة لها وزنها في حركة التاريخ والحراك العالمي اليوم، لعل أبرز هذه الدول الصين وروسيا التي تحاول استعادة مجدها التاريخي السابق، إلى جانب الهند ودولة ماليزيا ذات التوجه الإسلامي البحت هذه الدولة التي قادها مهاتير محمد صانع نهضتها إلى مصاف الأقطاب الفاعلة في تاريخ العالم، وذلك من خلال تطبيقه لفكر المفكر الاسلامي الجزائري مالك بن نبي خاصة في المجال الاقتصادي والتعليمي لتصبح ماليزيا بفضل تلك الجهود الفكرية المطبقة على أرض الواقع  أحد أبرز الأقطاب الاقتصادية بالعالم.

    وإلى جانب ماليزيا نجد النموذج الحضاري الآخر وهي دولة تركيا التي ظهرت مؤخرًا على ساحة الحراك العالمي مبرزة توجهها الإسلامي الخالص بقيادة الرجل العصامي رجب طيب أردوغان الذي أصبح البطل الروحي للأتراك خاصة بعد فشل محاولات الإقلاب العسكري عليه فهذه الأخيرة _تركيا_ تعمل على إعادة مجد الهوية الإسلامية كبديل للحضارة الأندلسية لتتعايش فيها مختلف الطوائف والتوجهات الفكرية والدينية والسياسية جنبًا إلى جنب، لتعيد تركيا بسياستها الرشيدة رغم بعض الهفوات إلى أحضانها الفكر الإسلامي وفنون التعايش الحضاري، مشكلة بذلك مزيجًا حضاريًا للتعدد الثقافي، وذلك في قلب العولمة الغربية لتكون تركيا الشوكة التي تقض مضجعهم، والقادم أكثر ترويعًا لسياساتهم الغاشمة وذلك بحلول سنة 2022 التي سيشهد العالم فيها تحولاً جذريا بخصوص علاقة تركيا بالدول الغربية لينتقل العالم الإسلامي إلى قفزة نوعية مختلفة تمامًا عما هو حاصل اليوم..!!! .

    ها هي اذن النماذج ماثلة أمامنا لتدحض تلك المزاعم الفكرية للخطاب الاستعماري الغربي عن نهاية التاريخ في النموذج الثقافي الأمريكي الامبريالي، لنقول معا لفوكوياما هل نستطيع و بعد هذا أن نقول بأن التاريخ انتهى في النموذج الحضاري الأمريكي…!!!.

3_ شيفرة صراع الحضارات:

    يعتبر النص الظاهرة “صراع الحضارات” The Clash of Civilisation  الذي أطلقه المفكر الصهيوني صمويل هنغتون سنة 1993  إحدى أهم السرديات الكبرى التي تحكم البنية الإستعمارية للعقل الغربي وما زاد من شرعية هذا الخطاب الكولونيالي أحداث 11_09_2001 التي كانت بمثابة القطرة التي أفاضت كأس الكراهية تجاه الهوية الإسلامية فوجهت الاتهامات مباشرة للمسلمين، وقد تضمنت أطروحة هنغتون في ثناياها أهدافا عقائدية بحتة تعكس مدى الحقد الدفين لهنغتون تجاه الإسلام، ممررًا هذه الأفكار من طرف المحافظون الجدد الذين يحكمون سيطرتهم على مسار السياسة الأمريكية ويوجهون لعبة توزيع أحجار رقعة الشطرنج الهوياتية في المكان المناسب من العالم تفكيكًا للهويات وخدمة لمصالحهم وتجسيدًا للإمبراطورية العظمى التي يحلم بها اليمين المتطرف هناك، هذه الامبراطورية التي راجت في أدبيات الماسونية كثيرًا باعتبارها الحلم الذي تسعى لتحقيقه الصهيونية العالمية.

    ففي إطار تحقق تلك النبوءة الهنغتونية إثر ذلك الانعطاف التاريخي للعالم توجه الخطاب السياسي والعسكري للولايات المتحدة الأمريكية بعد يوم السبت الأسود مباشرة لتكريس خطابات العدائية تجاه الهوية الإسلامية، فبرز إلى العلن خطاب الثنائيات الضدية في الحوارات الصحفية للقائمين على السياسة الأمريكية هناك كثنائية “محور الشر، محور الخير”، ورواج مصطلحات تقطر عنصرية كمصطلح الإسلام الراديكالي، الإسلام الأصولي، الجماعات الإسلامية الإرهابية…وغيرها من المصطلحات الطافحة بأحقاد الحروب الصليبية المسيطرة على النسق الفكري لقادة الغرب، فالعالم أجمع يذكر جيدًا لما اعتلى جورج بوش الابن منبر البيت الأبيض ليعلن عن عودة الحروب الصليبية من جديد..!!! لتبدأ بعدها الحرب الشعواء على الإسلام انطلاقا من افغانستان والعراق، ليمتد المد إلى ما امتد إليه الآن والله أعلم إلى أين سيصل مستقبلا.

    وما زاد الطين بلة فيما بعد الدور الكبير الذي كانت تقوم به البروباغندا Propaganda الإعلامية، التي هي الأخرى كان لها فعلها في تأجيج صراع لعبة التيه العالمي، وتوجيه الخطاب الإعلامي في اتجاه واحد معاد للهوية الإسلامية، كأن أوهمت كبرى الشبكات التلفزيونية ك CNN  وغيرها من الشبكات العالمية بأن الشهيد صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، لتجد الولايات المتحدة الأمريكية الحجة الدامغة على ضرورة محاربة هذا العدو من منطلق شيفرة الصراع الحتمي للحضارات، فأقنعت الرأي العام العالمي سواء بأمريكا أو الشعوب الغربية عامة، بل وحتى العربية ممن انجروا وراء هذا التيار، بأن هذا هو العدو الحقيقي للعالم ممثلا في الإسلام، مستخدمين ورقة هذا الجوكر القاتل لنشر الفوبيا في العالم تجاه الإسلام.

    لكن السؤال الذي يطرح نفسه أمام شيفرة العولمة الكونية هذه للفكر، هل بات الإسلام هاجس الغرب الذي يؤرقه ويقض مضجعه؟. لتتحول انظار العالم الغربي قاطبا تجاه هذا العدو الجديد، والسؤال الذي يطرح نفسه أكثر في هذا المقام هو: هل النظام الفكري الغربي قائم على هاجس ضرورة العيش على مبدأ وجود عدو حتى يقتات العيش على هذا الحراك العدائي… !!!.

    لعل هذا ما أكده المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي الذي دق ناقوس الخطر حينما قال: “نحن نعيش في بلد خائف وأسباب هذه الوضعية، بصراحة أجهلها، ومحتمل انها مرتبطة بالتاريخ البعيد للولايات المتحدة الأمريكية…”(8).

“Nous vivons dans un pays qui a peur, et les raisons de cette situation_franchement, je ne les comprends pas_remontent prontent probablement loin dans l’histoire des Etats_Unis…”

    ولعل ترجمات هذا الخوف على أرض الواقع يذكرنا بسنة 2011 حينما ألقيت شرارة فكرة استعمارية هناك بدارفور تدعو إلى ضرورة الانفصال لم تأخذ بعين الاعتبار من طرف دولة السودان الشقيقة، ليصحو السودانيون آنذاك على قرار تقسيم السودان إلى دولتيت إحداهما ذات هوية إسلامية والأخرى مسيحية، ودائما برعاية أمريكية عفوًا صهيونية…!!!.

   ولكن الشيء الذي يدمي القلب أن الأطراف الفاعلة في تجسيد هذا التقسيم كان بمساعدة أطراف تحسب على النخب المثقفة بالسودان، فهذه الحادثة وما تلاها بعد ذلك في كثير من دول الربيع العربي تعود بنا إلى ما قاله أرنولد توينبي أستاذ هنغتون والذي استقى منه هنغتون نظريته، حينما أعلن خوفه الشديد من انتشار الهوية الإسلامية قائلا: “الإسلام يمكن له أن يتحرك ليلعب دوره التاريخي إذا تغير الوضع الدولي وأرجو ان لا يتحقق ذلك”(9). فتوينبي من خلال هذا القول يعلنها صراحة أنه يتمنى بقاء التشتت والتشرذم معادلا موضوعيا Objectif Correlatif لكل ما يمت للهوية العربية الإسلامية بصلة وهو ما يطرح مجددا مدى معرفة الدول العربية بما يحاك ضد هويتها وضد مدى فاعليتها في الحراك الحضاري العالمي لتصبح أقطابا فاعلة في العالم، فبعد أن فرحنا بتباشير ثورات ربيع عربي يقتلع جذور الطغاة من جذورهم، تدخلت أطراف خارجة بإيعاز من مثل هذه الأفكار العنصرية العائدة من جديد، لتتحول العديد من هذه الدول إلى شلال هادر من الدم وأوكار للجماعات الإرهابية التي لا تمت بأي صلة للإسلام، ولعل سوريا الحبيبة أبرز مثال على ذلك فما إن يطلع علينا نهار إلا ونرى هنا وهناك صور القتل والتشريد والخراب والدمار في مختلف المدن والأحياء السورية.

   وفي ختام مقالنا هذا وأمام هذه الشفرات والأقانيم الاستعمارية التي تصوغ تحولات الفكر الغربي في علاقته بالإسلام، تجعلنا هذه الخطابات وغيرها نتساءل مع المفكر العربي رضوان جودت زيادة قوله: “هل هذا يعني أن المستقبل قد صكت طبعته وانجزت، ولم يعد لنا من دور سوى التأمل في صنعتها”(10)؟.

   

  قائمة المراجع: 

1_  صلاح سالم: نهاية الأيديولوجيا أو تحورها.

http://www.albayan.ae/opinions/articles/2015-09-15-1.2459453

2_ عبد الإله بلقزيز: في البدء كانت الثقافة، نحو وعي عربي متجدد بالمسألة الثقافية، افريقيا الشرق، المغرب، 1998، ص133.

3_  Touraine (alaine), Pourrons nous vivre ensemble?, Fayard, Paris, 1997, p2.

4_ Goytisolo (juan), “Que peut la littérature?”, Le Monde Diplomatique, Novembre 1999, p28.

5_ محمد الحبر: التغريب والاستغراب والسلفية، مؤسسة الوحدة للصحافة، يومية الثورة، سوريا.

Thawra.alwehda.gov.sy.

6_ مالكم براديري وجيمس ماكفارلين: الحداثة 1، تر: مؤيد حسن فوزي، مركز الإنماء الحضاري، حلب سوريا، دط، 2009، ص 19.

7_ فاطمة الزهراء كفيف: فوكوياما من نهاية التاريخ إلى مستقبلنا ما بعد بشري

http://www.m-mahdi.com/forum/showthread.php?t=2626&p=12805&viewfull=1

8_ Chomsky N: la doctrine des bonnes intentions. fayard,France, 2005,p35.

9_ رضوان جودت زيادة: صدى الحداثة في زمنها القادم، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2003. ص 118.

10_ المرجع نفسه: ص 142.