كانت عمان خالية من الاضطرابات العنيفة منذ أن أنهت السلطنة ثورة ظفار في عام 1976. ومع ذلك، تقع عمان في منطقة خطيرة، وهي كبلد خليجي عربي ليس بمنأى عن التهديدات عبر الإقليمية. إن احتمال انتشار الحرب في اليمن، التي تشترك في حدودها بـ 187 ميلا مع عمان، يمثل أكبر خطر على أمن السلطنة، في حين أن تهدد بتغيير مجلس التعاون الخليجي بشكل جوهري وهي ظروف من شأنها أن تترك عمان في حال أسوأ.

ويخشى المسؤولون في مسقط أن يؤدي عدم الاستقرار المتزايد في اليمن إلى انتشار القوى «المتطرفة» مثل القاعدة في شبه الجزيرة العربية والدولة الإسلامية التي تمكنت من توسيع وجودها في اليمن وسط انهيار الدولة. إن تهديد هؤلاء الفاعلين الذين يعبرون إلى محافظة ظفار في أقصى جنوب سلطنة عمان يثير القلق. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من التهديد الكبير الذي تشكله التداعيات المحتملة للحرب في اليمن، رأى قادة عمان الصراع المجاور كفرصة لتأمين تحالف مسقط الوثيق مع واشنطن، وتعزيز رؤية السلطنة الخارجية للسياسة الخارجية عبر المنطقة.

مواقف

وبالنظر إلى السياسة الخارجية المحايدة وغير المتداخلة للسلطنة، فإن قرارات مسقط بإبقاء القوات العمانية خارج التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن وعدم الانضمام إلى السعودية والولايات المتحدة في قطع العلاقات مع قطر أمر لا يثير الدهشة.

وقد أوضح وزير الخارجية العماني «يوسف بن علوي» موقف مسقط من اليمن بعد فترة وجيزة من مؤتمر التدخل العسكري في مارس/أذار 2015: «سلطنة عمان دولة سلام. لا يمكن أن نعمل على جهود السلام وفي الوقت نفسه نكون جزءا من حملة عسكرية». وقال عضو كبير في مجلس الشورى العماني أكثر من ذلك، مشيرا إلى أن عمان «لم يكن من الممكن أن تشارك في هذا التحالف. هذا في دستورنا، نحن لا نرسل قوات أو مدفعية إلى أي مكان، ما لم تطلب الأمم المتحدة ذلك».

وبعد وقت قصير من اندلاع أزمة قطر، عرضت عمان على الدوحة الممرات المائية في السلطنة، لتجاوز المياه الإماراتية من أجل تصدير الغاز القطري، وتوصيل الإمدادات الغذائية، لموازنة تأثير إغلاق الرياض للحدود البرية الوحيدة للإمارة. كما حافظت عمان على مجالها الجوي مفتوحا أمام الخطوط الجوية القطرية، مما ساعد الشركة في رحلاتها من الدوحة إلى أفريقيا.

تعزيز صورتها كصانع للسلام

وعلى الرغم من أن الفوضى المتفاقمة عبر اليمن شكلت تهديدا خطيرا لمصالح عمان، فقد عرضت لمسقط فرصة لمتابعة مصالحها الجيوسياسية. بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في عام 2014، سعت عمان إلى استخدام علاقاتها الإيجابية مع جميع الأحزاب الرئيسية في اليمن لوضع نفسها كوسيط للسلام بين الأطراف المتحاربة. وسعت عمان إلى تعزيز تحالفاتها الرئيسية من خلال لعب دورها المحايد في اليمن. وبالنسبة للولايات المتحدة، ساعدت مسقط بطرق مختلفة، بقبول السجناء اليمنيين من حجزهم في خليج غوانتانامو، والتفاوض وضمان الإفراج عن الرعايا الغربيين المحتجزين في اليمن، وعملت على ضمان الإجلاء الآمن للموظفين الدبلوماسيين الأمريكيين من السفارة الأمريكية في صنعاء في شباط / فبراير 2015.

لذلك، فإن أولويات عمان العليا هي مساعدة اليمنيين على حل أزماتهم دبلوماسيا ومنع تفكك جهاز الدولة العامل. وسعيا لتحقيق هذه الأهداف، استضاف المسؤولون في مسقط عدة اجتماعات رامية إلى إيجاد أرضية مشتركة للتوصل إلى حل توفيقي بين الدول المعنية والجهات الفاعلة الداخلية في اليمن. وقد أيدت عمان ودعمت بالكامل جهود الأمم المتحدة والكويت لتعزيز محادثات السلام بين الجهات المتحاربة في البلاد.

وبحسب محاورين عرب وخليجيين، عملت عمان والكويت جنبا إلى جنب لتعزيز الحلول الدبلوماسية للأزمة اليمنية، والخلاف المستمر مع قطر ، حيث يقود أمير الكويت جهود الوساطة. وفى فبراير/شباط الماضي سافر الرئيس الإيرانى «حسن روحاني» إلى هذين البلدين الخليجيين من أجل مناقشة القضايا الإقليمية وسبل نزع فتيل التوترات مع إيران، مؤكدا أن عمان والكويت يمكن أن تعملا كقنوات دبلوماسية بين الرياض وطهران. ومع تزايد التوترات بين السعودية والإمارات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، من المرجح أن عمان تشعر بسخونة الأوضاع.

الحياد السلبي

قال أحد المسؤولين في الخليج العربي إن الكثيرين في الخليج يرون أن موقف عمان من اليمن هو «حياد سلبي». وزعم أحد التقارير الأخيرة في الصحافة أن عمان قد زودت طهران بالبنية التحتية للأراضي والموانئ العمانية للمساعدة في تسليح أنصار الله.

بغض النظر عن دور مسقط الفعلي في اليمن من وجهة نظر الرياض فعمان هي حلقة في سلسلة حلفاء إيران على حدود المملكة. وقد عقدت المفاوضات المبكرة للبرنامج النووي في عمان، دون علم السعودية. ويخشى مسؤولون سعوديون أن نمو العلاقات بين مسقط وطهران سوف يقوض الأمن الجماعي لمجلس التعاون. ويساعد في صعود إيران.

وجاءت بوادر استياء السعودية من مسقط في ديسمبر/ كانون الأول عندما زار الملك «سلمان» جميع دول مجلس التعاون مع استثناء ملحوظ لعمان. في وقت لاحق من ذلك الشهر، وذلك بالرغم أن عمان أصبحت العضو رقم 41 في التحالف العسكري الإسلامي السعودي لمكافحة الإرهاب. وبالنظر إلى أن عمان كانت الدولة الخليجية الوحيدة التي تأخرت في الانضمام إلى التحالف، فإن هذا عزز المخاوف من من تنامي علاقة مسقط مع طهران.

قلق «»

وقد اتخذت الإدارة أيضا على محمل الجد اتهامات «ترامب» بأن عمان تعمل مع إيران لتسليح المتمردين الحوثيين في اليمن. ولذا في يوم 11 يونيو/حزيران، قام مدير وكالة المخابرات المركزية «مايك بومبيو»، ونائب مستشار الأمن القومي «ريكي واديل، بزيارة سلطان عمان في «زيارة سرية» ودعوا العاهل العماني لإغلاق طرق طهران المزعومة في تهريب الأسلحة إلى اليمن عبر السلطنة. ومع ذلك، وفقا لبلومبرغ، فإن «بومبيو» و«واديل» تجنبا بحذر ذكر أي طلبات فيما يتعلق بعلاقات مسقط مع إيران.

هناك مع ذلك مؤشرات، أن إدارة «ترامب» قد لا تبدو مرتاحة من العلاقة الودية بين مسقط وطهران. فبعد خطاب «ترامب» في القمة الإسلامية الأمريكية العربية في السعودية في شهر مايو/أيار، عقد الرئيس محادثات ثنائية مع قادة كل دول مجلس. وقد ألغي اجتماع «ترامب» مع نائب رئيس مجلس الوزراء العماني السيد «فهد السعيد» دون أي سبب. كما ألغى وزير الخارجية «ريكس تيلرسون» اجتماعا في العاصمة السعودية مع نظيره العماني. في حين أن إدارة «أوباما» نظرة بقيمة عالية للسياسة الخارجية العمانية «المحايدة»، ويبدو أن إدارة «ترامب» لديها نظرة مختلفة تجاه مسقط.

تقوم السعودية، الإمارات، وإدارة «ترامب» بالضغط من أجل اتخاذ مواقف أكثر صرامة ضد إيران، و تواجه عمان زيادة في الضغط للتخلي عن الحياد منذ فترة طويلة، بعد أن كان حيادها لا يقدر بثمن بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

المصدر | جورجيو كافييرو – معهد الشرق الأوسط