بعد عمليات تحرير استمرت لاكثر من عشرة اشهر شاركت فيها مختلف صنوف الجيش العراقي باسناد جوي كثيف من طيران التحالف ومشاركة مباشرة او غير مباشرة لقواتها البرية , ودعم غير مسبوق من ايران , اضافة الى الدعم اللوجيستي لمليشيات شيعية , وتنسيق كبير مع قوات البيشمركة ,  تحررت الموصل من سيطرة داعش بعد ان دمر اكثر من نصفها .

عموما ليس مجديا الان الوقوف على الثلاث سنوات التي سيطرت فيها داعش على الموصل , ولن يعيد البكاء على اطلالها تلك الارواح التي زهقت , فالمطلوب منا حاليا هو التفكير باليات عملية لمنع تكرار ما حصل مستقبلا . فاحتلال الموصل من قبل داعش كان نتيجة طبيعية لثنائية الاجندات الطائفية التي سيطرت على المدينة حينها من قبل السلطتين المحلية في الموصل والمركزية في بغداد , والممارسات التي ارتكبت بحق ابناء المدينة من قبل حكومة المركز وما قابتلها من ردود افعال غير موفقة للحكومة المحلية فيها . وفي النهاية دفع اهالي نينوى ثمن اخطاء طرفين سياسيين دون حول لهم فيها ولا قوة, وكان الثمن غاليا من دماء ابنائهم واعراضهم طوال السنوات الماضية  .

ان ثمن تلك الاخطاء لم يدفعها عرب الموصل فقط وانما دفعها معهم كل مكونات الموصل الاخرى من كورد وتركمان ومسيحيين وايزيدية وبشكل اكثر ايلاما ووحشية . ليس هذا فحسب بل ان الصراع بين الساسة السنة في الموصل والشيعة في بغداد دفعت ثمنه ايضا كوردستان بكل مكوناتها , فلولا سقوط الموصل بيد داعش لما احتل التنظيم كوردستان ولما قتل من قتل من كورد ومسيحيين في تللك المناطق ولما حل بالكرد الايزيدية ما حل بهم على يد هذا التنظيم المجرم .  لذلك فان ترتيب وضع الموصل بعد التحرير ليس من شان عرب الموصل وحسب , وانما هو شان جميع مكونات الموصل , وايضا شان جميع الكوردستانيين في اقليم كوردستان ايضا . فمكونات الموصل من غير العرب وسكان اقليم كوردستان بكل مكوناتها ليسوا مجبرين على تحمل نتائج صراعات السنة والشيعة العرب في العراق , ولا على دفع ثمن ذلك الصراع . لذلك فيجب عدم اعطاء المجال لحكومة المركز للاستفراد بترتيب وضع المدينة لوحدها بمعزل عن الاخرين .

هناك من يطرح موضوع نوعية الحاكم المستقبلي للموصل كاساس لحل مشاكل المدينة في ان يكون مدنيا او عسكريا , وفي تصوري فان هذا الطرح هو تبسيط للمشاكل الكبيرة التي تعاني منها الموصل , فمهما تكن نوعية الحكم في المدينة فانجرافه لاحد طرفي الصراع السني الشيعي في المنطقة هو شيء محتوم سواء كان الى الطرف السني او للطرف الشيعي المتمثل بحكومة بغداد , مما يبقي احتماليات حدوث المشاكل احتمالات قائمة . في نفس الوقت  فان الاطمئنان لما تتعهد به حكومة بغداد اليوم ازاء الموصل هو توجه غير صائب , وحكومات بغداد متمرسة على التنصل من كافة الاتفاقات والتعهدات سواء حيال الكورد او السنة او اي مكون اخر طالما لم يتفق معه في رؤيته السياسية .

اذا كيف تحل مشكلة ادارة الموصل بحيث يضمن الجميع عدم وقوع المدينة في مشاكل جديدة  ؟

هناك الكثير من المدن في العالم تشبه وضع الموصل من حيث تعدد مكوناتها ومساحتها والجيوبوليتيك الموجود فيها . فالمدينة مقسمة طبيعيا بواسطة نهر دجلة الى جزئين , الجانب الايسر من النهر وفيه اغلبية كوردية والجانب الايمن الذي فيه اغلبية عربية , هذا التقسيم الطبيعي يساعد على حل مشكلة المدينة الى حد بعيد , وذلك بتقسيم المدينة اداريا وامنيا بين اقليم كوردستان والمركز بحيث يكون لها محافظ واحد منتخب من قبل سكان الموصل ومجلسي محافظة منتخبين في كل جزء من المدينة بحيث تكون الناحية الامنية والادارية في الجانب الايسر ( ذات الاغلبية الكوردية) مرتبطة بشكل مباشر مع كوردستان والجانب الايمن (ذات الاغلبية العربية) مرتبطة بحكومة المركز . يمكن بهذا الشكل فقط  تجنب المشاكل التي عانت منها المدينة سابقا في عهد المالكي والتي لم يستطع ابناء المدينة حينها من ايجاد حلول لها .