“يحكم غزة متشددون دينيون، هم أعداء الجنرال السيسي، فرعون الجديد. يقولون إن المصريين على استعداد لتخفيف الحصار، إذا حصل مندوبهم في القطاع على جزء من الحكم. العظيمة، التي تدعي دائمًا أنها زعيمة العالم العربي بأسره، أصبحت مساندة للاحتلال الإسرائيلي، من كان ليصدق!”.

 

جاء ذلك في ثنايا مقال للكاتب الإسرائيلي اليساري المعروف “أوري أفنيري” في صحيفة “هآرتس” اليوم الاثنين 10 يوليو، بعنوان “قلبي ينفطر على غزة”، أعرب فيه عن استيائه من استمرار الظروف الإنسانية المروعة بقطاع غزة، الذي يتعرض للحصار على يد .

 

إلى نص المقال..

لدي اعتراف غير عادي بالمرة: أنا أحب غزة. نعم تلك الزاوية النائية في أرض إسرائيل. القطاع الضيق في الطريق إلى مصر، حيث يتكدس نحو مليون ونصف إنسان، غزة أقرب مكان الآن إلى الجحيم وليس إلى الجنة. قلبي ينفطر على غزة.

 

عندما كنت ذات مرة في القطاع، ارتبطت بعلاقات صداقة أذهلتني، مثلا مع الدكتور حيدر عبد الشافي، الذي أقام منظومة صحية بالقطاع، ورئيس البلدية السابق رشاد الشوا، النبيل ابن النبلاء. تعاونا معا لأجل السلام. بعد توقيع معاهدة أوسلو، عندما زار ياسر عرفات إسرائيل وأقام مقره في غزة، قابلته أيضا عدة مرات. جئت إليهم بوفود إسرائيلية، وفي أول يوم له استدعاني على المنصة إلى جواره. تبدو صور الواقعة الآن كما لو أُخذت من فيلم خيال علمي.

 

عرفت أيضا عناصر من حماس. قبل اتفاق أوسلو، وبعدما طرد إسحاق رابين من إسرائيل 415 فلسطينيا، شاركتُ في إقامة خيام احتجاج أمام مكتب رئيس الحكومة بالقدس. في الخيام عشنا معا، يهود ومسيحيون ومسلمون (وهناك وُلدت “كتلة السلام”). بعد مرور عام عندما أعدنا المبعدين، تلقيت دعوة فريدة من نوعها: لألقي كلمة في غزة خلال مؤتمر لاستقبال المبعدين. خطبت بالعبرية أمام مئات الأشخاص، كان من بينهم بعض قادة حماس اليوم.

 

لذلك لم أستطع التعامل مع سكان غزة ككتلة رمادية دون الإنسان. لم أستطع التوقف عن التفكير فيهم خلال أيام الحر الرهيبة الماضية، وجموع البشر التي ترزح في ظروف فظيعة، بلا كهرباء أو مكيف هواء، بلا مياه نظيفة، بلا دواء للمرضى. فكرت فيمن يسكنون تحت أنقاض المنازل التي تضررت خلال سنوات الحرب الأخيرة. في الرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، والرضع.

 

قلبي يدمى. غضبتُ وبحثت عن مذنبين. من المذنب في هذا العمل الوحشي المتواصل؟

 

يقول الإسرائيليون إن “الفلسطينيين هم أنفسهم المذنبون”. حقيقة: قررت القيادة الفلسطينية في رام الله تقليص المبالغ التي تدفعها مقابل الكهرباء، التي توردها إسرائيل لأهالي غزة. لساعتين يوميا بدلا من ثلاث، فقط ساعتين.

 

يبدو ذلك صحيحا. الصراع بين القيادة الفلسطينية في رام الله، التابعة لحركة فتح، وبين القيادة الفلسطينية في غزة، التي تحكمها حماس، وصل إلى مستوى رهيب. يسأل المراقب النزيه نفسه: كيف يمكن أن يحدث هذا؟ يواجه الشعب الفلسطيني كله خطرا وجوديا. تنكل الحكومة الإسرائيلية بالفلسطينيين جميعا، في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء. تفرض إسرائيل على القطاع حصارا فظيعا، برا وبحرا وجوا. وتقيم في كافة أنحاء الضفة الغربية مستوطنات هدفها الواضح دفع الفلسطينيين خارجا. وها هم في شدتهم يقاتل بعضهم بعضا، لتفرح سلطات الاحتلال علانية؟.

 

إنه لأمر فظيع، لكن ليس بخارج عن المألوف. على العكس، في كل حروب التحرير التي خاضتها الشعوب تقريبا حدث أمر مماثل. على سبيل المثال: خلال النضال القاسي لتحرير أيرلندا اضطهد المتمردون بعضهم البعض، وقتل بعضهم بعضا.لدينا أيضا سلمت عناصر “الهاجانا” مقاتلي “الأرجون” للشرطة البريطانية، التي عذبتهم، وفتح مقاتلو “البلماح” النار على ركاب سفينة “التالينا”. لكن هذه النماذج لا تبرر ما يحدث الآن في غزة. كصديق قديم للشعب الفلسطيني ونضاله من أجل التحرير، أنظر إلى ما يجري بحزن عميق.

 

لكن ثمة شركاء آخرين في الوضع. تفرض إسرائيل حصارا على غزة من ثلاث جهات. في الجهة الرابعة، الجنوبية، تقع مصر. ومصر هذه، التي خاضت أربعة حروب كبرى ضد إسرائيل من أجل الإخوة الفلسطينيين، تشارك الآن في الحصار الغاشم على القطاع. كيف يكون هذا ممكنا؟.

 

“يحكم غزة متشددون دينيون، هم أعداء الجنرال السيسي، فرعون مصر الجديد. بسبب هذه الكراهية يجوعون الملايين. يقولون إن المصريين على استعداد لتخفيف الحصار، إذا حصل مندوبهم في القطاع على جزء من الحكم. الحصار الإسرائيلي على غزة مرتبط كله بالحصار المصري عليها. فلا يحدث هذا دون ذاك. مصر العظيمة، التي تدعي دائما أنها زعيمة العالم العربي بأسره، أصبحت مساندة للاحتلال الإسرائيلي. من كان ليصدق”.

 

لكن المسئولية الرئيسية عن الفظائع في غزة تقع على عاتقنا، على إسرائيل. نحن المحتلون، الذين نشن نوعا جديدا من الاحتلال بواسطة الحصار. مبررات ذلك واضحة: يريدون تدميرنا، هذا هو الهدف المعلن لحماس. يفيض الفأر بالتهديدات على الفيل. صحيح. لكن … وككل الدينيين، لديهم 100 طريقة مختلفة لخداع الرب والالتفاف على أوامره.

 

أعلنت حماس من فترة أنه حال صنع أبو مازن السلام مع إسرائيل، وإذا ما وافق عليه الشعب الفلسطيني في استفتاء، فسوف تسلم به حماس أيضا. إلى جانب ذلك، يتيح الإسلام إجراء هدنة لعشرة، أو خمسة أو حتى مائة عام مع الكفار. ثم بعد ذلك الله أكبر. الآن تتعاون إسرائيل مع حماس بطرق غامضة، لاسيما ضد مجموعات إسلامية متشددة وأكثر من ذلك.

 

فلماذا يعاني سكان غزة إلى هذا الحد؟ لا أحد يعرف حقا. ربما بسبب الكسل العقلي من الاحتلال. لأن هذا هو ما تعودنا على فعله.

 

وإليكم تدريب ذهني: ماذا كان سيحدث لو فعلنا العكس تماما؟ لو قلنا لسكان القطاع: نظرا لمعاناتكم، قررت إسرائيل تزويدكم بالكهرباء على مدى 24 ساعة يوميا، مجانا. كيف كانت حماس سترد؟ كيف كان سيؤثر ذلك على مستوى العنف وثمن الأمن؟.

 

على المدى الطويل، هناك كل أنواع الخطط الإسرائيلية والدولية المثيرة للاهتمام. بما في ذلك: إقامة جزيرة اصطناعية في البحر قبالة غزة، مع مطار وميناء بحري. سلام عملي حتى إن لم يكن رسميا. في رأيي هذه أكثر الطرق حكمة. لكن للأسف ليست هناك الكثير من الفرص للحكمة. وفي الأثناء، تتواصل الأهوال.


Also published on Medium.