” ينبغي أن تتعرض التربية إلى تحول كلي على ضوء هذين الواقعين: العدد الراهن من الناس والعجز الذي يوجد فيها الكثير منهم والذي يمنعهم من الوصول إلى الثقافة كما وقع تكوينها بصورة تقليدية”1[1]

يطرح أنطونيو غرامشي المسالة التربوية ضمن تناوله للمشكل الذي يمكن إثارته حول الزوج المفهومي الحضارة والثقافة وفي إطار حرصه على تكوين المثقفين تكوينا ثوريا وتنظيم الثقافة وإصلاح المدرسة بحيث تمنعا ظهور المثقفين العضويين والأكادميين المحافظين وتنتج مثقفين عضويين وأطر ثورية2[2].

من هذا المنطلق يرفض غرامشي وجهة النظر التي تقول بها الفلسفة المثالية حول عبارة اليوتوبيا السياسية التي تمنح للمفكرين والمثقفين وضعا استثنائيا وتعترف باستقلاليتهم ضمن المجال الإيديولوجي والسياسي.

و يمتحن مسألة إنتاج النخب الفكرية وتكوين شريحة من المثقفين العضويين داخل مجموع الأطر التربوية والمؤسسات التعليمية التي تمدرسوا فيها وضمن المناخ الفكري العام الذي أنتج تصورهم للعالم وللإنسان.

كما أن حضور بعض العلوم والمعارف والاختصاصات على غرار الفلسفة والعلم والأخلاق والقانون والإدارة والتربية بات ضروريا في بناء شخصية ثورية ومن أجل عقلنة الإيديولوجيا الدينية وتنويرها. 

زيادة على ذلك يرفض التمييز الذي يتم في نظم التعليم بين رجال الفكر والفلسفة ورجال الدين والقانون ويبحث عن توفير شروط اجتماعية تساهم في عملية زرع مفهوم المثقف داخل فضاء القداسة دون حدوث مشاكل ودون حصره في الفضاء الدنيوي والقيام بتجارب علمنة على الحياة الثقافية والتربوية بشكل عام .

والحق أن لفظ مثقف يمكن قبوله داخل مؤسسة تربوية تساهم من حيث البدء في إنتاجه وتضع المعايير التي تضبط بين الفعاليات الثقافية التي تنخرط فيها زمر اجتماعية والآراء المشتركة التي ترزح في الجهل. لقد صار الدخول إلى المدرسة أو العزوف عنها والانقطاع عن متابعة دروسها أو مواصلتها هو الذي يحدد المثقف من غيره ويميز المتعلم عن الأمي والمفكر الحر عن التابع الجاهل والإنسان العارف عن الصانع.

بهذا المعنى لا تعاني الحياة التربوية من غياب البعد الثقافي ومن تفشي الجهل والخرافة بل يئن من هيمنة المطالب الاقتصادية التي تطرح ضمن حاجيات السوق والوظيفة الإيديولوجية التي يقدمها التعليم للسياسة.

ثمة أخطاء من جهة المناهج المتبعة ضمن المنظومة التربوية ومن جهة نسق العلاقات بين جملة الفاعلين التربويين وقد أدت هذه الأخطاء إلى تعقد الوضعية وبروز مشاكل مستعصية أفرغت المدرسة من دورها التنويري ومن أبعادها التوعوية والتثقيفية وجعلتها تقتصر على التكوين والإعداد وفق البرمجة الإدارية.

إذا كانت المدرسة تفصل بين النشاط الذهني والجهد العضلي وبين التعليم النظري والفعل الميداني فإن خلق شريحة موهوبة من الخرجين تقتضي التأليف بين البعدين والجمع بين تمرين الذكاء وتقوية الجسم. على المدرسة أن تأخذ بعين الاعتبار تصورا للإنسان يضم الصناعة إلى المعرفة والتعمق في البحث إلى التوسع في الأبعاد وتضيف البراعة اليدوية إلى الموهبة الفكرية وشرط التخصص إلى النظرة الموسوعية. على هذا النحو يفترض أن يكون التعليم قادرا من جهة عناصره التكوينية والأسس التي استند عليها وتصوراته للعالم وتفسيره للحياة على تخريج العديد من المهن والمهارات من جميع الأصناف والحرف وأن يكون منبع ميلاد المثقف والمفكر والفيلسوف والفنان والخبير والسياسي والقانوني والإداري وغيرهم.

كما تعمل الثقافة الراقية على التقليل من المسافات الفاصلة بين الكائن البشري الذي يتقاسم مع غيره تصورا عن العالم من جهة ذائقته الفنية وضميره الأخلاقي والكائن البشري الملتزم بقضايا مجتمعه والمدافع عن القيم الكونية في النطاق السياسي الذي يخصه من خلال نشاطه الصحفي ونضاله السياسي.

بطالب غرامشي بأن يتحول الإنسان العارف والإنسان الصانع إلى كائن واحد من أجل تطوير مفهوم جديد عن المثقف العضوي يطرح المشاكل الفعلية التي تتناسب مع الحقبة الصناعية وينتج أشكال حياة جديدة. لكن كيف تقدر التربية التقنية التي ترتبط بالعمل الصناعي الأكثر بدائية وتعبا على تكوين مثقفين مبدعين؟

يطرح غرامشي قضية إصلاح التعليم في اتجاه التربية على الإبداع والالتزام ويطلب تشكيل مقاما وجوديا للمثقف الجديد الذي يتعدى الحضور الشكلي عبر الخطابة إلى الفعل في الحياة العملية بشكل ملموس من حيث هو مبدع ومنظم وموجه ومقنع بصورة محايثة وينتقل بالتجربة من تقنيات الشغل إلى العلوم التقنية.

لا يتم الخروج من العالم القروسطي بالنسبة المجتمعات المتأخرة إلا بإتباع سياسة تربوية تركز على تنظيم الحياة المدرسية وفق المقولات المتطورة والتجارب العصرية والنماذج الناجحة التي تمكنت من توسيع دوائر التثقيف في كل فرد وكل مجموعة ومن الإكثار من فئة المختصين والمبدعين للنمط العالي للثقافة.

بهذا المعنى يضع غرامشي على ذمة مشروع بلورة الثورة الثقافية كل الأجهزة الإيديولوجية التي تتشكل منها البنية الفوقية للمجتمع بما في ذلك المؤسسات التربوية التي تمثل الواجهة الأمامية للتحديث والارتقاء.

  بيد أن تنظيم المؤسسات التربوية قد يعتريه الخلل من جهة التخصص والتراتبية وغلبة الامتداد العمودي على الامتدادي الأفقي وهيمنة مادة التقنية الصناعية ومجال بناء الآلات على مادة العلوم الإنسانية والآداب التي تسهر على صناعة العقول والضمائر وتنتج أدوات الصعود الحضاري وقوى التحرر الاجتماعي.

على هذا الأساس يناضل أنطونيو غرامشي في اتجاه تضمين المؤسسات التعليمية بنية ديمقراطية في مستوى البرمجة والتدريب ويحرص على العودة إلى الواقع الملموس ومعالجة انخفاض الوعي والتصدي للبطالة والفقر ويتخلى عن التحرك فوق ميدان ديمقراطي مجرد تتحكم فيها مسارات تاريخية تقليدية.

قد يؤدي اعتماد غرامشي على أسلوب السياسة المباشرة التي تتعهد بإصلاح فلسفة الحشود والانتقال من الحس المشترك إلى الحس السليم إلى تبني أسلوب التعليم عن قرب ومراجعة النزاعات الوضعية والمثالية. علاوة على ذلك يبتعد غرامشي عن تنزيل المسألة التربوية ضمن إطار العلاقة بين التعليم وعالم الإنتاج ويركز على القوى الاجتماعية الأساسية والوسائط المعرفية التي توكل إليها مهمة تنظيم الإدارة وبلورة الطوابق التي تكون البنية الفوقية بصورة هيكلية وعقلنة الروابط بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي.

لقد أدى التوزيع المختلف لأنماط متنوعة من المدارس على الأرضية الاقتصادية إلى تكريس فجوة من حيث الجودة والمستوى بين مدارس المهن والحرف والفنون والمدارس الكلاسيكية التي تعيد إنتاج السائد. على الرغم من كون المؤسسات التعليمية الخاصة بالبرجوازية الريفية دأبت على إنتاج شريحة الموظفين وفئة المهن الحرة بينما تنتج تلك التي تخص البرجوازية الحضرية شريحة الصناعيين والتقنيين والخبراء.

بهذا المعنى تساهم  نظم التربية ومؤسسات التعليم في تمكين الهيجيمونيا من الهيمنة على الحياة السياسية وتحكم في بقية الشرائح الاجتماعية والفردية وتمنح المشروعية للدولة وتساعد النظام القانوني على الحكم.

يبدو أن المناخ العام الذي تشكلت فيه المدرسة في الحقبة المعاصرة ينبني على تعقد الأنشطة التطبيقية وتجذر العلوم في الحياة العامة وتغلغل التخصص في مختلف جوانب المعرفة البشرية والذكاء العملي.

على هذا النحو يميز غرامشي بين النمط الإنسانوي للمدرسة الذي يتعلق بالعصر القديم ويقوم بتطوير الثقافة العامة لدى الفرد من حيث القدرة على التفكير والمعرفة وتوجيه في الحياة الاجتماعية وبين النمط التخصصي الذي تفرد باختراع نسق من الاختصاصات التطبيقية التي تنمي لدى المتكونين جملة من المهارات وتدرب الملكات على عدد من الاقتدارات الدقيقة في مجالات صناعية فنية وأبعاد مهنية متنوعة.

لقد تفطن غرامشي إلى خطورة الأزمة التي يمكن أن يعاني منها القطاع التربوي بسبب غياب التنظيم وضعف البرمجة والكادر المؤهل وشيوع الفوضى وتعدد الأخطاء في المناهج المتبعة والتوجهات العامة.

كما أن المدرسة الكلاسيكية بقيت حكرا على الطبقات المهيمنة وتقوم بمهمة تخريج فئة المثقفين الذين يحافظون على هذه الهيمنة بينما المدرسة المهنية ظلت مشرعة أمام الشرائح الاجتماعية الصاعدة وتنتج فئة من التقنيين والحرفيين والصناع الذين يفتقدون إلى الثقافة العامة والوعي السياسي الضرورة للتغيير.

تتمثل الصورة العقلية لهذا التربوي المعاصر في بناء القاعدة الصلبة لكل تنمية اقتصادية وتوفير الموارد البشرية المؤهلة لكل انطلاقة تحديثية للمجتمع بالنظر لتمتعها بقدرة تكوينية تأسست على تراكم التحضر.  لذا يراهن غرامشي على نمط جديد من المدارس غير مكترث بالتكوين والتوجيه ومعني بالتثقيف والتنوير يغلب درجات الجودة والنوعية والكيفية والكفاءة والاقتدار على الكم العددي والمستقبل المهني للمتعلمين.

يطالب غرامشي بالتعويل على مدرسة موحدة مختصة في الثقافة العامة تجمع بين كسب القيم الإنسانية والمهارات التكوينية وتحقق التوازن بين تطوير ملكات النشاط الذهني وقدرات العمل العضلي واليدوي.

تتمثل الخطة المرصودة لهذه المدرسة في مراكمة الذكاء والابتكار والتشجيع على العمل الخلاق والحاذق وتنمية روح المبادرة لدى الأفراد واتجاه مختلف الممارسات المختصة في بعث حلقاتها الثقافية الخاصة. لكن كيف يمكن المرور من مدارس متخصصة في مهن دقيقة إلى المدرسة موحدة في التثقيف والتنوير؟

يتحدث غرامشي على المؤسسات التي تحتضن المبدعين في المرحلة التي تعقب التمدرس المختص ويشير إلى تنظيم الشروط الذاتية والأطر الموضوعية التي تسمح لكل فرد بأن يسير في اتجاه الارتقاء بمستواه الى درجة فوق مدرسية  postscolaire تفيض بالقيمة والمعرفة والتربية على الثقافة والسياسة3[3].

يمكن التمييز داخل كل جهاز إداري تربوي بين بعدين عضويين: الأول هو نشاط تحرري ثقافي والثاني هو نشاط تقني صناعي، ويفترض أن يكسب التمدرسُ الإنسانَ الخبرة في التحليل واتخاذ القرار الصائب.

لا تهدف المدرسة إلى إنتاج معرفة مطابقة بشكل تقريبي للواقع الاجتماعي الذي تتوجه إليه ولا تمثل مرآة عاكسة للقضايا الشائكة للزمن التاريخي الذي توجد فيه وإنما هي ورشة عمل كبرى يشتغل فيها الفاعلون التربويون حول الطرق النظرية والمسالك العملية والدورات التدريبية التي تساعد المرء على خلق الحياة.

صحيح أن الدولة هي التي تشيد المدارس والمعاهد والكليات وتضع البرامج وتسهر على التوجيه والإدارة ولكن الفعل التربوي الهادف يظل من مشمولات الناشطين في هذا المجال وقدرتهم على التفاعل والابتكار.

كما يتطلب كل تحول مأمول في النشاط المدرسي تطويرا في التنظيم العملي للمدرسة من جهة تحسين في الأبنية وتغيير في المادة العلمية وخلق ديناميكية في الإطار الإداري وتجديد شباب المدرسين والأساتذة4[4]. من ناحية أخرى يبحث غرامشي في العلاقة بين المعلمين والمتعلمين ويرى أنه كلما كان عددهم أقل كانت العلاقة أصعب وظهرت المراتبية والتعالي وكلما ازداد عددهم وتنوع كلما يسرت العلاقة وظهرت الأفقية.

هكذا تتوقف نجاعة المؤسسة التربوية وقدرته على تشريع القيمة وإضفاء المعنى على وجود المتعلمين في العالم على إيجاد علاقة تفاعلية بين المتعلمين والمعلمين وعلى بلورة تعاقد بيداغوجي وفق منطق حواري قوامه لعبة الأسئلة والأجوبة وضمن إطار تشاركي بين التخصصات المتنوعة يتحمل فيها الكل المسؤولية.

من هذا المنطلق ينصب جهد المؤسسة في الفترة الأولى من التعلم على مسارات القراءة والكتابة والفهم ثم يقع التركيز على مهارات مركبة مثل الحساب ويتم الانتقال بعد ذلك نحو ماهو أكثر تعقيدا مثل تحليل المشاكل ونقد الدغمائيات وفتح الدوائر المغلقة وتأليف المتنافر وإقامة تصور جديد للعالم مكان ماهو قديم.

من المفروض أن تدخل المدرسة في صراع مع الجهل والخرافة والتقاليد البالية وأن تواجه جل العناصر الضارة من الفلكور وتجادل الخطابة وتنقي أقوال البشر من المغالطات وتتسلح بالمقاربات الموضوعية.

يعود غرامشي إلى الفترة التي تسبق عملية التمدرس وينصص على ضرورة أن تكون الأسرة هي الرحم التربوي الأول وأن تتضمن عناصر عامة تدرب على المعرفة وتدفع إلى التفكير وتوجه نحو حب الحكمة. بطبيعة الحال يصبح التنظيم العقلاني داخل المدرسة تتمة وتتويج للتنظيم الاجتماعي الذي كان انطلق في العائلة في مرحلة الطفولة ويتدعّم من قبل أجهزة الدولة في المرحلة المدنية ضمن سير الحياة الجمهورية.

يجد الطفل في الحياة الأسرية الطبقات الفكرية التي تمنحه العناصر التربوية والقواعد التوجيهية وتمثل تحضيرا جيدا للحياة المدرسية التي لن تكون سوى عمليات استنبات واستخراج واستكمال وتتمة لها 5[5].

في ظل عملية التعميم والتوسيع والتبسيط التي تعرض لها التعليم وما خلفت من مشاكل وأزمات انعكست على مستوى البطالة والهجرة والأمية تحتاج المؤسسات التربوية بشكل استعجالي خارج المراوحة بين التنظيم الذي ظل سائدا في الفضاء الديني والطريقة العسكرية في ترتيب الأولويات والانضباط والأداء إلى إتباع تنظيم ديمقراطي وعقلنة ذاتية في التسيير تطور الحقوق والواجبات مع استحقاقات المجتمع والدولة.

لا يمكن الدخول في التسرع عند القيام بمراجعات للتنظيم المتبع في المؤسسات التربوية ويُفتَرَضُ التركيز على تيسير طرق التعلم لدى الناشئة ومجابهة الصعوبات وتمكين المتعلمين من وسائل التعبير والمعرفة. التحدي الكبير الذي يطرح في نمط التعليم ومضمون البرنامج وأسلوب النظام التربوي هو البحث عن التطابق مع التجربة المتراكمة لدى المعلمين والنفور من التجديد والمختلف وغياب الشخصيات النموذجية والأخلاقية التي تنقل المتعلم من مرحلة الضياع والتردد التي يعاني منها أغلب الشباب إلى مرحلة الكهولة.

في هذا السياق يضع غرامشي يده على الداء الذي تعاني منه المنظومة التربوية ويكمن في صعوبة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة وبالتالي تشهد مرحلة المعهد حدوث العديد من التغيرات والمشاكل للمتعلم على الصعيد النفسي والعاطفي والاجتماعي والاقتصادي وتصادم رغبة انجاز الذات مع احترام أخلاق المجموعة التي ينتمي إليها ويتناقض مطلب الاستقلالية عن العائلة مع منطق المؤسسات القائمة.

يحاول المتعلم أن يجمع بين دوغمائية التواصل والاستمرارية في مستوى الرموز الثقافية والفولكلور وثورية الانفصال والقطيعة التي يطمح إلى بلورتها على صعيد الالتزام الوجودي والنضال السياسي.

يبدو المتعلم من جهة الذاكرة والتاريخ الماضي محافظا ومطيعا ولكنه من جهة العمل والخيال والحلم واعيا بأهمية الممارسة النقدية وضرورة التسلح بالأمل في تغيير الأوضاع الجماعية من أجل الانعتاق من الظلم.

الرد على التردي الذي تعاني منه التربية لا يكون بإعادة إنتاج السائد بشكل ميكانيكي وتكريس الامتثالية الاجتماعية والخضوع التام للقيم البالية وإنما يكمن في ممارسة الخلق والإبداع والثورة على البيروقراطية.

يدور محور العملية التربوية حسب غرامشي حول القيم الأساسية التي نادت بها النزعة الإنسانوية وبالخصوص التنوير العقلي بدل التعصب الايديولوجي والحرية بدل العبودية والكرامة بدل التشيؤ والاستقلالية الأخلاقية بدل الاغتراب الاقتصادي والانضباط الذاتي بدل الامتثالية الاجتماعية.

تنبني المدرسة الإبداعية على  تنمية الحس النقدي والشعور بالمسؤولية والتخصص المفيد والممارسة الخلاقة والتمرس بالمناهج والتطبيقات النافعة والاستعمالات الاجتماعية للنصوص والطاقة الايجابية.

يضيف غرامشي إلى المدرسة الخلاقة ecole créatrice مفهوم المدرسة النشطة أو الايجابية active ويمنحها خاصيات البعد التحرري وثيمة القيم الجديدة التي تتماشى مع الأجيال الناشئة وتواكب المستقبل وتنهل من المنبع الطبيعي بالقطع مع العقلانية الكلاسيكية والمرحلة الرومنطيقية وتبلور مناهج مبتكرة وتشكل صور غير معهودة وتوسع من دوائر التشاركية المرنة وتساعد نمو الشخصية المستقلة والمسؤولة.

اللاّفت للنظر أن التطرق إلى المدرسة الإبداعية يفترض أن يقترن بممارسة الإبداع والخلق والابتكار من طرف المتعلمين أنفسهم وأن يمتلكوا المناهج والآليات المساعدة على ذلك وليس النسخ والتقليد والتكرار.

يتعلق الأمر بمرحلة وبمنهج في البحث وبمعرفة وليس ببرنامج محدد بشكل مسبق مع إلتزام بالأصالة والاكتشاف مهما كان الثمن. يتعلق الأمر بتدرب يتم عن طريق جهد عفوي ومستقل عن الأستاذ والمشرف وقد يفضي هذا المسار التحديثي إلى تحول الفضاء التربوي إلى مصنع للمكتشفين والمخترعين والمبدعين.

يدعو غرامشي إلى التخلي عن الإكراه السلطوي التي يمارسه المعلم على المتعلم وأن تكون العلاقة بينهما متأسسة على الاحترام والتقدير وأن يوجه المعلم المتعلمين بشكل ودي وإقناعي ويدفعهم إلى التعلم الذاتي ويساعدهم على تثقيف ذواتهم وصقل شخصياتهم بأنفسهم واكتشاف الحقائق الجديدة بملكاتهم التي تخصهم.

من المفروض أن تتشكل علاقة تفاعلية بين الجهد الذهني والعمل العضلي في حدثان المدرسة الموحدة وأن يؤدي الشغل داخل المكتبات والمخابر وحلقات النقاش ودروس التطبيقي والمسير إلى تراكم الإبداع.

لكن ماهو المبدأ التربوي الذي وقعه غرامشي ونادي بتلقيح الأجسام الثقافية والأجهزة الإيديولوجية به؟

من المعلوم أن المدرسة تقوم بدور الوسيط بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي وتردم الفجوة بين الثقافة والحياة وتقرب المسافة التي كانت تفصل بين أبناء الطبقات المالكة والمنحدرين من الطبقات الشعبية. ويزداد هذا الامتزاج والاختلاط والتلاقي في الفضاء الجامعي حيث تمحي الفوارق وتتوقف عملية الفرز ويتم الاحتكام إلى القيمة الأكاديمية في الانتقاء وإسناد الدرجات العلمية والجدارة المهنية وكفاءة التواصل.

من المفترض أن يتوازى البحث العلمي في الجامعة مع الأنشطة الثقافية في المجتمع المدني وأن يستفيد الحراك المدني في الحياة السياسية من الأعمال الأكاديمية التي يتم بلورتها في المؤسسات الجامعية وذلك من أجل التخلي عن المركزية وتمكين الجامعة من ممارسة وظيفتها التنويرية بالنسبة للمجتمع والأفراد.

يقوم المبدأ التربوي على السعي إلى طلب العلم في الحياة بأسرها من جهة وعلى تقديس قيمة العمل في اتجاه جلب المنفعة ودفع المضرة من جهة أخرى. بيد أن إحراز درجة عالية من الإنتاجية والتنمية غير ممكن دون تحصيل معرفة دقيقة بقوانين الطبيعة ودون احترام الترتيبات التي تنظم العلاقات بين الأفراد.

أن الأساس الأول الذي تستند إليه المدرسة هو نقد المستوى الثقافي للناس والارتقاء بدرجة الوعي المدني لديهم وتسليحهم بالأفكار الفلسفية التي تعتبر عن رؤيتهم للعالم وتحيين ذاكرتهم ضمن لحظتهم التاريخية6[6]. على هذا النحو تكون المؤسسات التعليمية المستقلة هي المنارات التي يهتدي بها المجتمع زمن الاضطراب وتكون الشخصيات الأكاديمية هي البوصلة التي تحدد اتجاه الطريق المدني للشعوب وتمثل أطروحاتهم العلامات المرشدة إلى هذا الدرب الطويل والشاق الذي تتبعه الدول الحية نحو التحضر والانعتاق والتوحد. فإذا كانت البيداغوجيا المثالية تفرق بين التدريس والتربية وتنتج العقلية الدوغمائية التي تقنع بالجاهز وتركن إلى البديهيات وتتعامل مع المعارف على أنها حقائق مطلقة وتسلم بحصة النظريات إلى الأبد فإن التنظيم الجديد للحياة المدرسية يكرس التعددية من خلال الوحدة في التنوع والتنوع في الوحدة ويتبنى البيداغوجية النقدية التي تسعى إلى البناء والتشييد والتعمير وتمنح المتعلمين فرص التعلم الذاتي وتنمية المهارات وتمكنهم من معايشة الوضعيات التي ترفع المنسوب النضالي لديهم من أجل الوعي بالمسؤولية.

من المفروض أن يتم تنظيم المدرسة بحيث تجمع بين الحياة المشتركة وتقاسم الفضاء العمومي بين الأفراد المكونة لها وبين احترام الحياة الخاصة ومنح المتعلمين عدة فرص للتعبير عن نماء شخصياتهم وذكائهم.

إن تغلب المدرسة على أزمتها رهين التخلي عن الميكانيكية في البرمجة والتطبيق وعن الفصل بين الذهني والعضلي وبين الإنسان العارف والإنسان الصانع والتحلي بالتربية الذاتية الذهنية والاستقلالية الأخلاقية وامتلاك فاض القيمة من جهة الدقة الأكاديمية والتسلح بالمناهج والتجارب عند دعوة الوقائع والظواهر.

الوصفة السحرية التي ينادي بها غرامشي هي مدرسة الإبداع وبيداغوجيا الابتكار التي تؤمن بالتخصص والجدارة دون التحول إلى بيروقراطية وتحرض على بناء النظرة الموسوعية دون الوقوع في العموميات.

تكمن الوظيفة الايديولوجية لهذه المدرسة في التصدي لبرامج التسطيح والبلاهة ومقارعة الجهل والخرافة والتقليل من هيمنة الاقتصادوي على السياسي والاعتصام بالثقافي والإيتيقي وتقر بلزومية الإبداع الفني. بهذا المعنى تخرج المدرسة العناصر الاجتماعية من السلبية الفكرية ومن الثقافة الاستعراضية والمناسباتية وتمنحهم من خلال التنظيم العقلاني والانخراط العضوي من المنفعة العمومية والصلابة الاجتماعية وتجعل من النشاط العلمي القاعدة الأساسية للتغيير الاجتماعي والتحديث السياسي للشعب.

يطالب غرامشي بإدراج العمل الأكاديمي ضمن الأنشطة الثقافية التي تتم في الحياة المشتركة وفي عالم الشغل والإنتاج دون المرور بوساطة الدولة والمجتمع السياسي والتعويل على المجتمع المدني وأجهزته.

في هذا الإطار قد تساعد الجامعة من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات والدروس والمحاضرات على تجنب الوقوع في العديد من الأخطاء وتفادي الكثير من المآزق والخيارات الفاشلة وفي المقابل توفر بشكل استباقي واستراتيجي الأبعاد التقنية للمشاكل الاقتصادية والقيم الأخلاقية للتحولات السياسية وعقلنة العمل الموجه نحو دراسة المجتمع وتخليد ذاكرته ومراجعة تاريخه وتفقد عناصر القوة في الاقتصاد الوطني7[7].

اللافت للنظر أن غرامشي يراهن على التلازم بين قيمة التمدرس وقيمة التربية وعلى الاقتران الضروري بين ارتفاع المستوى الإيتيقي وارتفاع المستوى التعليمي في العناصر التي تكون بنية المنظومة المدرسية.

لن يتحول التدريس إلى تربية إلا إذا كان المدرس يؤمن بشكل مبدئي بالوحدة العضوية بين المدرسة والحياة وصار واعيا عبر عمله الحي بالتناقضات بين نمط المجتمع والثقافة التي يمثلها بشكل غير معهود ونمط المجتمع والثقافة التي يتبناه المتعلمين من منظور الحس المشترك ويمثل النظام السياسي القديم. لعل مسؤولية المدرس كبيرة في هذه المهمة ، إذ لا يقتصر عمله على إيجاد حلول شعرية للمشاكل تصوريا وداخل إطار المؤسسة التي ينتمي إليها وإنما يضطر للنزول إلى الشارع والانخراط الميداني في الصراع لكي يؤثر في المتلقين ويكافح ضد النمط القديم من المدرسة ويفتح العالم التربوي على معنى مختلف. يطلب الآن من المربي أن يكون فنانا وفيلسوفا ومهندسا وحقوقيا وعالما لكي يتمكن من النفاذ إلى قلوب المتعلمين ووجدانهم من أجل امتلاك عقولهم وتدريب ملكاتهم على المعرفة والفهم والإحساس والاقتناع.

لا يوجه الصراع ضد البرامج بصورة شكلية ومجردة وإنما كل المجمع المركب الذي يمثله الأشخاص الذي يحملون البرامج القديمة ويحتلون المواقع ويشكلون عقبة نابذة لكل تجديد ومانعة لكل تطور وتقدم.

تلعب الصدفة دورا كبير ا في النجاح بالنسبة إلى البعض ويطلب من المتعلمين إتقان فن التعريف والقيام بتحليل صحيح لقضية معينة وإصدار حكم موضوعي على مسألة شائكة ولكن ذلك ليس دليلا كافيا على الارتقاء بالمستوى الثقافي والإيتيقي للمتعلمين على الرغم من الارتقاء في الدرجات وإحراز الألقاب8[8].

المفارقة أن مدرس جديد قد يبلد أذهان المتعلمين ويفرغ التعليم من محتواه عندما يظل يتحرك ضمن برنامج قديم ويشتغل بالطرق القديمة وأن مدرس قديم قد يشحذ الذكاء ويوقظ الوعي لما يعمل ببرنامج جديد ويبتكر طرق بيداغوجية مختلفة ويوجه الاهتمام نحو الحياة المألوفة ويغادر الموقف الطبيعي. ماهي مبادئ البيداغوجيا الجديدة التي يقترحها غرامشي؟

بيت القصيدة حسب غرامشي هو ضمان النجاعة التربوية للمؤسسة التعليمية وهو أمر لن يتم إلا إذا توفرت إرادة وجود للمدرسة العمومية تنظيما وبرمجة ورفع مستوى الحلم بعالم جديد ضمن الحياة. لهذا فإن فصل المدرسة عن الحياة وتجنيبها الصراع وقبول البرامج الحالية والتنظيم الإداري الراهن يعني تركز الأزمة تستفحل داخل المشهد التربوي وإعداد المتعلم من أجل مشاركة نشطة وفعالة هو بداية المخرج. إن التخلص من الانفعالية السلبية في مستوى التقبل لدى المتعلم ومن الصورة الميكانيكية في الدراسة على مستوى الإملاء والتلقين والحفظ والتكرار والنسخ عند الاختبار هو توجه جدي للقطيعة من التعليم القديم. على هذا النحو الهدف من قيام المدرسة الإبداعية ليس مهنيا فقط بل بناء التنمية الداخلية للشخصية بأن يكون ذاته بمعرفته لذاته وفق حداثة متعددة الأصوات وبحسن الوجود في العالم والالتقاء المفيد بالآخر. بناء على ذلك تظل الجامعة تدور في حلقة مفرغة من الإنتاج وإعادة الإنتاج وقد تشكل بيئة أكاديمية فقيرة وبعيدة كل البعد عن خلق كفاءات علمية مؤثرة وأطر معرفية مناضلة تستطيع أن تقود المرحلة التاريخية. بطبيعة الحال   يتضمن البرنامج التربوي التاريخ السياسي للدولة وعناصر النسق اللغوي ومبادئ الدين الحميد ومدونة القانون الوضعي والبعد الوطني الشعبي للثقافة ودراية بالمحيط الجغرافي والحضاري وبالعلوم الدقيقة.

اذا كانت المدرسة القديمة فاسدة ومهترئة وتسببت في نشوب أزمة عضوية فلأنها تناست الديمقراطية والتعددية وشجعت على الأوليغارشية والأنانية وسلحت المتخرجين منها بالطمع والشجع وقيم السوق. لقد ظلت عاجزة من جهة أنشطتها الدورية عن خلق عقول مفكرة تكون قادرة على التخطيط العلمي للمستقبل وقيادة المرحلة التاريخية المضطربة ومارست الإقصاء والازدراء على المجتهد والمبدع والمختلف.

رأس الأمر اليوم في المدرسة الإبداعية ليس الاكتفاء بتوفير الأيدي العالمة بل نحت المواطن الذي يصيرا حاكما لنفسه ومحكوما ضمن ديمقراطية سياسية يتساوى فيها بطريقة أفقية الحكام والمحكومين أمام الحق.

علاوة على أن المدرسة الإبداعية تقلل قدر الإمكان الدوغمائية والبيروقراطية والميكانيكية والمثالية في التعليم وتوسع دوائر العدالة عبر تبني نزعة نقدية تاريخية وعناية بالبراكسيس والمشاركة والتكيف9[9].

ترتكز المدرسة على الانفتاح والنشاط والحرية والارتباط بالحياة والصراع ضد النظام الطبيعي من أجل خلق الإنسان والعمل على تخطي العفوية والوعي بالزمن والاتصال بالتاريخ واستهداف حضارة جديدة.

” ينبغي أن تتعرض التربية إلى تحول كلي على ضوء هذين الواقعين: العدد الراهن من الناس والعجز الذي يوجد فيها الكثير منهم والذي يمنعهم من الوصول إلى الثقافة كما وقع تكوينها بصورة تقليدية”10[10]

يطرح أنطونيو غرامشي المسالة التربوية ضمن تناوله للمشكل الذي يمكن إثارته حول الزوج المفهومي الحضارة والثقافة وفي إطار حرصه على تكوين المثقفين تكوينا ثوريا وتنظيم الثقافة وإصلاح المدرسة بحيث تمنعا ظهور المثقفين العضويين والأكادميين المحافظين وتنتج مثقفين عضويين وأطر ثورية11[11].

من هذا المنطلق يرفض غرامشي وجهة النظر التي تقول بها الفلسفة المثالية حول عبارة اليوتوبيا السياسية التي تمنح للمفكرين والمثقفين وضعا استثنائيا وتعترف باستقلاليتهم ضمن المجال الإيديولوجي والسياسي.

و يمتحن مسألة إنتاج النخب الفكرية وتكوين شريحة من المثقفين العضويين داخل مجموع الأطر التربوية والمؤسسات التعليمية التي تمدرسوا فيها وضمن المناخ الفكري العام الذي أنتج تصورهم للعالم وللإنسان.

كما أن حضور بعض العلوم والمعارف والاختصاصات على غرار الفلسفة والعلم والأخلاق والقانون والإدارة والتربية بات ضروريا في بناء شخصية ثورية ومن أجل عقلنة الإيديولوجيا الدينية وتنويرها. 

زيادة على ذلك يرفض التمييز الذي يتم في نظم التعليم بين رجال الفكر والفلسفة ورجال الدين والقانون ويبحث عن توفير شروط اجتماعية تساهم في عملية زرع مفهوم المثقف داخل فضاء القداسة دون حدوث مشاكل ودون حصره في الفضاء الدنيوي والقيام بتجارب علمنة على الحياة الثقافية والتربوية بشكل عام .

والحق أن لفظ مثقف يمكن قبوله داخل مؤسسة تربوية تساهم من حيث البدء في إنتاجه وتضع المعايير التي تضبط بين الفعاليات الثقافية التي تنخرط فيها زمر اجتماعية والآراء المشتركة التي ترزح في الجهل. لقد صار الدخول الى المدرسة أو العزوف عنها والانقطاع عن متابعة دروسها أو مواصلتها هو الذي يحدد المثقف من غيره ويميز المتعلم عن الأمي والمفكر الحر عن التابع الجاهل والإنسان العارف عن الصانع.

بهذا المعنى لا تعاني الحياة التربوية من غياب البعد الثقافي ومن تفشي الجهل والخرافة بل يئن من هيمنة المطالب الاقتصادية التي تطرح ضمن حاجيات السوق والوظيفة الإيديولوجية التي يقدمها التعليم للسياسة.

ثمة أخطاء من جهة المناهج المتبعة ضمن المنظومة التربوية ومن جهة نسق العلاقات بين جملة الفاعلين التربويين وقد أدت هذه الأخطاء إلى تعقد الوضعية وبروز مشاكل مستعصية أفرغت المدرسة من دورها التنويري ومن أبعادها التوعوية والتثقيفية وجعلتها تقتصر على التكوين والإعداد وفق البرمجة الإدارية.

إذا كانت المدرسة تفصل بين النشاط الذهني والجهد العضلي وبين التعليم النظري والفعل الميداني فإن خلق شريحة موهوبة من الخرجين تقتضي التأليف بين البعدين والجمع بين تمرين الذكاء وتقوية الجسم. على المدرسة أن تأخذ بعين الاعتبار تصورا للإنسان يضم الصناعة إلى المعرفة والتعمق في البحث إلى التوسع في الأبعاد وتضيف البراعة اليدوية إلى الموهبة الفكرية وشرط التخصص إلى النظرة الموسوعية. على هذا النحو يفترض أن يكون التعليم قادرا من جهة عناصره التكوينية والأسس التي استند عليها وتصوراته للعالم وتفسيره للحياة على تخريج العديد من المهن والمهارات من جميع الأصناف والحرف وأن يكون منبع ميلاد المثقف والمفكر والفيلسوف والفنان والخبير والسياسي والقانوني والإداري وغيرهم.

كما تعمل الثقافة الراقية على التقليل من المسافات الفاصلة بين الكائن البشري الذي يتقاسم مع غيره تصورا عن العالم من جهة ذائقته الفنية وضميره الأخلاقي والكائن البشري الملتزم بقضايا مجتمعه والمدافع عن القيم الكونية في النطاق السياسي الذي يخصه من خلال نشاطه الصحفي ونضاله السياسي.

بطالب غرامشي بأن يتحول الإنسان العارف والإنسان الصانع إلى كائن واحد من أجل تطوير مفهوم جديد عن المثقف العضوي يطرح المشاكل الفعلية التي تتناسب مع الحقبة الصناعية وينتج أشكال حياة جديدة. لكن كيف تقدر التربية التقنية التي ترتبط بالعمل الصناعي الأكثر بدائية وتعبا على تكوين مثقفين مبدعين؟

يطرح غرامشي قضية إصلاح التعليم في اتجاه التربية على الإبداع والالتزام ويطلب تشكيل مقاما وجوديا للمثقف الجديد الذي يتعدى الحضور الشكلي عبر الخطابة إلى الفعل في الحياة العملية بشكل ملموس من حيث هو مبدع ومنظم وموجه ومقنع بصورة محايثة وينتقل بالتجربة من تقنيات الشغل إلى العلوم التقنية.

لا يتم الخروج من العالم القروسطي بالنسبة المجتمعات المتأخرة إلا بإتباع سياسة تربوية تركز على تنظيم الحياة المدرسية وفق المقولات المتطورة والتجارب العصرية والنماذج الناجحة التي تمكنت من توسيع دوائر التثقيف في كل فرد وكل مجموعة ومن الإكثار من فئة المختصين والمبدعين للنمط العالي للثقافة.

بهذا المعنى يضع غرامشي على ذمة مشروع بلورة الثورة الثقافية كل الأجهزة الإيديولوجية التي تتشكل منها البنية الفوقية للمجتمع بما في ذلك المؤسسات التربوية التي تمثل الواجهة الأمامية للتحديث والارتقاء.

  بيد أن تنظيم المؤسسات التربوية قد يعتريه الخلل من جهة التخصص والتراتبية وغلبة الامتداد العامودي على الامتدادي الأفقي وهيمنة مادة التقنية الصناعية ومجال بناء الآلات على مادة العلوم الإنسانية والآداب التي تسهر على صناعة العقول والضمائر وتنتج أدوات الصعود الحضاري وقوى التحرر الاجتماعي.

على هذا الأساس يناضل أنطونيو غرامشي في اتجاه تضمين المؤسسات التعليمية بنية ديمقراطية في مستوى البرمجة والتدريب ويحرص على العودة إلى الواقع الملموس ومعالجة انخفاض الوعي والتصدي للبطالة والفقر ويتخلى عن التحرك فوق ميدان ديمقراطي مجرد تتحكم فيها مسارات تاريخية تقليدية.

قد يؤدي اعتماد غرامشي على أسلوب السياسة المباشرة التي تتعهد بإصلاح فلسفة الحشود والانتقال من الحس المشترك إلى الحس السليم إلى تبني أسلوب التعليم عن قرب ومراجعة النزاعات الوضعية والمثالية. علاوة على ذلك يبتعد غرامشي عن تنزيل المسألة التربوية ضمن إطار العلاقة بين التعليم وعالم الإنتاج ويركز على القوى الاجتماعية الأساسية والوسائط المعرفية التي توكل إليها مهمة تنظيم الإدارة وبلورة الطوابق التي تكون البنية الفوقية بصورة هيكلية وعقلنة الروابط بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي.

لقد أدى التوزيع المختلف لأنماط متنوعة من المدارس على الأرضية الاقتصادية إلى تكريس فجوة من حيث الجودة والمستوى بين مدارس المهن والحرف والفنون والمدارس الكلاسيكية التي تعيد إنتاج السائد. على الرغم من كون المؤسسات التعليمية الخاصة بالبرجوازية الريفية دأبت على إنتاج شريحة الموظفين وفئة المهن الحرة بينما تنتج تلك التي تخص البرجوازية الحضرية شريحة الصناعيين والتقنيين والخبراء.

بهذا المعنى تساهم  نظم التربية ومؤسسات التعليم في تمكين الهيجيمونيا من الهيمنة على الحياة السياسية وتحكم في بقية الشرائح الاجتماعية والفردية وتمنح المشروعية للدولة وتساعد النظام القانوني على الحكم.

يبدو أن المناخ العام الذي تشكلت فيه المدرسة في الحقبة المعاصرة ينبني على تعقد الأنشطة التطبيقية وتجذر العلوم في الحياة العامة وتغلغل التخصص في مختلف جوانب المعرفة البشرية والذكاء العملي.

على هذا النحو يميز غرامشي بين النمط الإنسانوي للمدرسة الذي يتعلق بالعصر القديم ويقوم بتطوير الثقافة العامة لدى الفرد من حيث القدرة على التفكير والمعرفة وتوجيه في الحياة الاجتماعية وبين النمط التخصصي الذي تفرد باختراع نسق من الاختصاصات التطبيقية التي تنمي لدى المتكونين جملة من المهارات وتدرب الملكات على عدد من الاقتدارات الدقيقة في مجالات صناعية فنية وأبعاد مهنية متنوعة.

لقد تفطن غرامشي إلى خطورة الأزمة التي يمكن أن يعاني منها القطاع التربوي بسبب غياب التنظيم وضعف البرمجة والكادر المؤهل وشيوع الفوضى وتعدد الأخطاء في المناهج المتبعة والتوجهات العامة.

كما أن المدرسة الكلاسيكية بقيت حكرا على الطبقات المهيمنة وتقوم بمهمة تخريج فئة المثقفين الذين يحافظون على هذه الهيمنة بينما المدرسة المهنية ظلت مشرعة أمام الشرائح الاجتماعية الصاعدة وتنتج فئة من التقنيين والحرفيين والصناع الذين يفتقدون إلى الثقافة العامة والوعي السياسي الضرورة للتغيير.

تتمثل الصورة العقلية لهذا التربوي المعاصر في بناء القاعدة الصلبة لكل تنمية اقتصادية وتوفير الموارد البشرية المؤهلة لكل انطلاقة تحديثية للمجتمع بالنظر لتمتعها بقدرة تكوينية تأسست على تراكم التحضر.  لذا يراهن غرامشي على نمط جديد من المدارس غير مكترث بالتكوين والتوجيه ومعني بالتثقيف والتنوير يغلب درجات الجودة والنوعية والكيفية والكفاءة والاقتدار على الكم العددي والمستقبل المهني للمتعلمين.

يطالب غرامشي بالتعويل على مدرسة موحدة مختصة في الثقافة العامة تجمع بين كسب القيم الإنسانية والمهارات التكوينية وتحقق التوازن بين تطوير ملكات النشاط الذهني وقدرات العمل العضلي واليدوي.

تتمثل الخطة المرصودة لهذه المدرسة في مراكمة الذكاء والابتكار والتشجيع على العمل الخلاق والحاذق وتنمية روح المبادرة لدى الأفراد واتجاه مختلف الممارسات المختصة في بعث حلقاتها الثقافية الخاصة. لكن كيف يمكن المرور من مدارس متخصصة في مهن دقيقة إلى المدرسة موحدة في التثقيف والتنوير؟

يتحدث غرامشي على المؤسسات التي تحتضن المبدعين في المرحلة التي تعقب التمدرس المختص ويشير إلى تنظيم الشروط الذاتية والأطر الموضوعية التي تسمح لكل فرد بأن يسير في اتجاه الارتقاء بتكوينه. ودعا الى التمييز داخل كل جهاز إداري تربوي بين بعدين عضويين: الأول هو نشاط تحرري ثقافي والثاني هو نشاط تقني صناعي، ويفترض أن يكسب التمدرسُ الإنسانَ الخبرة في التحليل واتخاذ القرار الصائب. وبالتالي لا تهدف المدرسة إلى إنتاج معرفة مطابقة بشكل تقريبي للواقع الاجتماعي الذي تتوجه إليه ولا تمثل مرآة عاكسة للقضايا الشائكة للزمن التاريخي الذي توجد فيه وإنما هي ورشة عمل كبرى يشتغل فيها الفاعلون التربويون حول الطرق النظرية والمسالك العملية والدورات التدريبية التي تساعد المرء على خلق الحياة.

صحيح أن الدولة هي التي تشيد المدارس والمعاهد والكليات وتضع البرامج وتسهر على التوجيه والإدارة ولكن الفعل التربوي الهادف يظل من مشمولات الناشطين في هذا المجال وقدرتهم على التفاعل والابتكار.

كما يتطلب كل تحول مأمول في النشاط المدرسي تطويرا في التنظيم العملي للمدرسة من جهة تحسين في الأبنية وتغيير في المادة العلمية وخلق ديناميكية في الإطار الإداري وتجديد شباب المدرسين والأساتذة12[12]. من ناحية أخرى يبحث غرامشي في العلاقة بين المعلمين والمتعلمين ويرى أنه كلما كان عددهم أقل كانت العلاقة أصعب وظهرت المراتبية والتعالي وكلما ازداد عددهم وتنوع كلما يسرت العلاقة وظهرت الأفقية.

هكذا تتوقف نجاعة المؤسسة التربوية وقدرته على تشريع القيمة وإضفاء المعنى على وجود المتعلمين في العالم على إيجاد علاقة تفاعلية بين المتعلمين والمعلمين وعلى بلورة تعاقد بيداغوجي وفق منطق حواري قوامه لعبة الأسئلة والأجوبة وضمن إطار تشاركي بين التخصصات المتنوعة يتحمل فيها الكل المسؤولية.

من هذا المنطلق ينصب جهد المؤسسة في الفترة الأولى من التعلم على مسارات القراءة والكتابة والفهم ثم يقع التركيز على مهارات مركبة مثل الحساب ويتم الانتقال بعد ذلك نحو ماهو أكثر تعقيدا مثل تحليل المشاكل ونقد الدغمائيات وفتح الدوائر المغلقة وتأليف المتنافر وإقامة تصور جديد للعالم مكان ماهو قديم.

من المفروض أن تدخل المدرسة في صراع مع الجهل والخرافة والتقاليد البالية وأن تواجه جل العناصر الضارة من الفلكور وتجادل الخطابة وتنقي أقوال البشر من المغالطات وتتسلح بالمقاربات الموضوعية.

يعود غرامشي إلى الفترة التي تسبق عملية التمدرس وينصص على ضرورة أن تكون الأسرة هي الرحم التربوي الأول وأن تتضمن عناصر عامة تدرب على المعرفة وتدفع إلى التفكير وتوجه نحو حب الحكمة. بطبيعة الحال يصبح التنظيم العقلاني داخل المدرسة تتمة وتتويج للتنظيم الاجتماعي الذي كان انطلق في العائلة في مرحلة الطفولة ويتدعّم من قبل أجهزة الدولة في المرحلة المدنية ضمن سير الحياة الجمهورية.

يجد الطفل في الحياة الأسرية الطبقات الفكرية التي تمنحه العناصر التربوية والقواعد التوجيهية وتمثل تحضيرا جيدا للحياة المدرسية التي لن تكون سوى عمليات استنبات واستخراج واستكمال وتتمة لها 13[13].

في ظل عملية التعميم والتوسيع والتبسيط التي تعرض لها التعليم وما خلفت من مشاكل وأزمات انعكست على مستوى البطالة والهجرة والأمية تحتاج المؤسسات التربوية بشكل استعجالي خارج المراوحة بين التنظيم الذي ظل سائدا في الفضاء الديني والطريقة العسكرية في ترتيب الأولويات والانضباط والأداء إلى إتباع تنظيم ديمقراطي وعقلنة ذاتية في التسيير تطور الحقوق والواجبات مع استحقاقات المجتمع والدولة.

لا يمكن الدخول في التسرع عند القيام بمراجعات للتنظيم المتبع في المؤسسات التربوية ويُفتَرَضُ التركيز على تيسير طرق التعلم لدى الناشئة ومجابهة الصعوبات وتمكين المتعلمين من وسائل التعبير والمعرفة. التحدي الكبير الذي يطرح في نمط التعليم ومضمون البرنامج وأسلوب النظام التربوي هو البحث عن التطابق مع التجربة المتراكمة لدى المعلمين والنفور من التجديد والمختلف وغياب الشخصيات النموذجية والأخلاقية التي تنقل المتعلم من مرحلة الضياع والتردد التي يعاني منها أغلب الشباب إلى مرحلة الكهولة.

في هذا السياق يضع غرامشي يده على الداء الذي تعاني منه المنظومة التربوية ويكمن في صعوبة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة وبالتالي تشهد مرحلة المعهد حدوث العديد من التغيرات والمشاكل للمتعلم على الصعيد النفسي والعاطفي والاجتماعي والاقتصادي وتصادم رغبة انجاز الذات مع احترام أخلاق المجموعة التي ينتمي إليها ويتناقض مطلب الاستقلالية عن العائلة مع منطق المؤسسات القائمة.

يحاول المتعلم أن يجمع بين دوغمائية التواصل والاستمرارية في مستوى الرموز الثقافية والفولكلور وثورية الانفصال والقطيعة التي يطمح إلى بلورتها على صعيد الالتزام الوجودي والنضال السياسي.

يبدو المتعلم من جهة الذاكرة والتاريخ الماضي محافظا ومطيعا ولكنه من جهة العمل والخيال والحلم واعيا بأهمية الممارسة النقدية وضرورة التسلح بالأمل في تغيير الأوضاع الجماعية من أجل الانعتاق من الظلم.

الرد على التردي الذي تعاني منه التربية لا يكون بإعادة إنتاج السائد بشكل ميكانيكي وتكريس الامتثالية الاجتماعية والخضوع التام للقيم البالية وإنما يكمن في ممارسة الخلق والإبداع والثورة على البيروقراطية.

يدور محور العملية التربوية حسب غرامشي حول القيم الأساسية التي نادت بها النزعة الإنسانوية وبالخصوص التنوير العقلي بدل التعصب الايديولوجي والحرية بدل العبودية والكرامة بدل التشيؤ والاستقلالية الأخلاقية بدل الاغتراب الاقتصادي والانضباط الذاتي بدل الامتثالية الاجتماعية.

تنبني المدرسة الإبداعية على  تنمية الحس النقدي والشعور بالمسؤولية والتخصص المفيد والممارسة الخلاقة والتمرس بالمناهج والتطبيقات النافعة والاستعمالات الاجتماعية للنصوص والطاقة الايجابية.

يضيف غرامشي إلى المدرسة الخلاقة ecole créatrice مفهوم المدرسة النشطة أو الايجابية active ويمنحها خاصيات البعد التحرري وثيمة القيم الجديدة التي تتماشى مع الأجيال الناشئة وتواكب المستقبل وتنهل من المنبع الطبيعي بالقطع مع العقلانية الكلاسيكية والمرحلة الرومنطيقية وتبلور مناهج مبتكرة وتشكل صور غير معهودة وتوسع من دوائر التشاركية المرنة وتساعد نمو الشخصية المستقلة والمسؤولة.

اللاّفت للنظر أن التطرق إلى المدرسة الإبداعية يفترض أن يقترن بممارسة الإبداع والخلق والابتكار من طرف المتعلمين أنفسهم وأن يمتلكوا المناهج والآليات المساعدة على ذلك وليس النسخ والتقليد والتكرار.

يتعلق الأمر بمرحلة وبمنهج في البحث وبمعرفة وليس ببرنامج محدد بشكل مسبق مع إلتزام بالأصالة والاكتشاف مهما كان الثمن. يتعلق الأمر بتدرب يتم عن طريق جهد عفوي ومستقل عن الأستاذ والمشرف وقد يفضي هذا المسار التحديثي إلى تحول الفضاء التربوي إلى مصنع للمكتشفين والمخترعين والمبدعين.

يدعو غرامشي إلى التخلي عن الإكراه السلطوي التي يمارسه المعلم على المتعلم وأن تكون العلاقة بينهما متأسسة على الاحترام والتقدير وأن يوجه المعلم المتعلمين بشكل ودي وإقناعي ويدفعهم إلى التعلم الذاتي ويساعدهم على تثقيف ذواتهم وصقل شخصياتهم بأنفسهم واكتشاف الحقائق الجديدة بملكاتهم التي تخصهم.

من المفروض أن تتشكل علاقة تفاعلية بين الجهد الذهني والعمل العضلي في حدثان المدرسة الموحدة وأن يؤدي الشغل داخل المكتبات والمخابر وحلقات النقاش ودروس التطبيقي والمسير إلى تراكم الإبداع.