نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الامريكية تقريرا موسعاً عن الحصار الذي فرضته “ والامارات والبحرين ومصر” على , في الخامس من يونيو/حزيران الماضي, مشيرة إلى أن الإمارات الخليجية الثرية لم تشعر سوى بآثارٍ بسيطة حتى الآن من هذا الحصار.

 

اضطر مسؤولٌ تنفيذي بإحدى الشركات لإلغاء عُطلة عائلية بقيمة 150 ألف دولار في السعودية. وشكت سيدةٌ أخرى من أنَّ طلبياتها من أزياء العلامات التجارية من مجموعة نت-آ-بورتر للتسوُّق عبر الإنترنت قد استغرقت عدة أيامٍ أكثر كي تصل، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

 

وقال آخرون إنَّهم لم يعجبهم مذاق اللبن التركي الجديد الموجود في المتاجر، لكنّ رجل أعمالٍ ثرياً قدَّم حلاً آخر: فهو ينوي نقل آلاف من الأبقار إلى قطر، فيما قد يصبح أكبر جسر جوي من البقر على الإطلاق.

 

ومن المفترض أن تطير 4000 بقرة من أستراليا وأميركا، وستهبِط على أرض قطر لإنتاج الحليب، ضمن مساعي رجل الأعمال السوري معتز الخياط، والمقيم في قطر، إلى ملء الفراغ الذي خلّفه انهيار الإمدادات عقب الأزمة الخليجية، وفق تقرير سابق لهاف بوست عربي.

 

حينما أغلقت 4 دول عربية مجاليها الجوي والبري أمام قطر في محاولةٍ لإجبارها على التخلّي عن سياستها الخارجية وإغلاق محطتها التلفزيونية النافِذة، الجزيرة، كان هناك ذُعر في البداية، إذ صارت بعض أرفف المتاجر فارغة. لكن سرعان ما تراجع ذلك، ومنذ ذلك الحين فتحت الدولة الغنية بالغاز خزانتها الهائلة لتُبقي مواطنيها البالغ عددهم 300 ألف شخص في حالة الرفاهية الفاخِرة التي اعتادوا عليها، وفق ما ذكرت نيويورك تايمز.

 

وتحتفظ قطر بحدودٍ برية وحيدة مع السعودية، وهي مغلقةٌ الآن. وقد علقت الإبل وكذلك علق العمال المهاجرون على الجانب الخطأ من الحدود حينما اندلعت الأزمة، ووجدوا أنفسهم قد تقطَّعت بهم السبل، وقد تركت المملكة الجِمال التابعة لمواطنين قطريين تتضور جوعاً لمدة أسبوع داخل الأراضي السعودية، بعدها طردتها تجاه الحدود القطرية.

 

وتُشغِّل الخطوط الجوية القطرية، التي أُرغِمَت رحلاتها على التحليق عبر المجال الجوي الإيراني، 8 رحلات شحنٍ إضافية يومياً لإحضار إمداداتٍ طازجة من الفاكهة، واللحم، والخضراوات إلى الدوحة. وأمر المسؤولون بطائرات شحنٍ إضافية، وقال موظَّفون في منشأة الشحن الواسعة المُكيَّفة بالمطار في الدوحة، الأحد 2 يوليو/تموز، إنَّهم يتوقَّعون صعوباتٍ بسيطة في تعاملهم مع عمليات الشحن المتزايدة.

 

وقال الشيخ سيف بن أحمد آل ثاني، وهو أحد أفراد الأسرة الحاكِمة، ومسؤول الاتصال البارز في الحكومة: “بإمكاننا تغطية الجانب المالي دون حتى الضغط على استثماراتنا. إنَّها ليست مشكلة”، بحسب الصحيفة الأميركية.

 

في 22 يونيو/حزيران، أصدرت دول الحصار الأربعة (السعودية والإمارات والبحرين وقطر) قائمة من 13 مطلباً من قطر، من بينها قطع علاقاتها المزعومة مع التنظيمات الإرهابية، وإغلاق قناة الجزيرة، وإغلاق تركية صغيرة. وقالت قطر إنَّ الإنذارات النهائية ترتقي إلى طلب التنازل عن سيادتها.

 

وكان الموعد النهائي لتلبية تلك المطالب هو منتصف ليل الأحد. غير أنَّ قطر أشارت إلى عدم تغيير موقفها. فقال وزير الخارجية، الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، في روما السبت الماضي: “إنَّنا مستعدون لمواجهة أية تبعات”.

 

وأعلنت الدول الأربع فجر اليوم موافقتها على طلبٍ من الكويت بمد المهلة الممنوحة للدوحة 48 ساعة أخرى لتسليم الرد القطري إلى أمير الكويت.

 

لكن حتى لو بدا أنَّ القطريين يفوزون بالمواجهة الاقتصادية حتى الآن، فإنَّهم يشعرون بالتأثُّر مالياً بطرقٍ أخرى. وللأزمة المُتعمِّقة تأثيراتٌ مُقلِقة تتصاعد عبر الخليج وتضرب الوحدة السياسية. فيُحذِّر مُحلِّلون من أنَّ الأزمة قد تُزعزع استقرار المنطقة الأوسع إذا ما استمرت لأشهر، أو لفترةٍ أطول، كما يخشى الكثيرون.

 

الأزمة تجاوزت الخليج

وقد امتد التشاحن بشأن قطر إلى أبعد من الخليج، وضمَّ ، التي تدعم الدوحة، وروسيا، التي تحاول اتخاذ مسارٍ وسط في النزاع. وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، السبت الماض، إنَّه تحدَّث مع قادة كلٍ من قطر والبحرين في محاولةٍ لتحفيز الحوار.

 

وفي العادة، يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة لحل الأزمة، وذلك بالنظر إلى أنَّها تعتبر نفسها حليفةً وثيقة لكل البلدان المتنازعة.

 

لكنَّ السياسة الأميركية بخصوص النزاع كانت ذات طبيعة مُتقلِّبة مؤخراً، وذلك مع تقديم وزارة الخارجية انتقاداتٍ لاذعة للمطالب الإماراتية – التي وصفتها بأنَّها نتاج ضغائن قديمة – في حين انحاز ترامب بقوةٍ مع البلدان التي تقود الحصار، وفق نيويورك تايمز.

 

وبحسب تسجيلٍ صوتي سُرِّب إلى موقع “إنترسبت” الإخباري، فقد قال ترامب في حفلٍ مغلق لجمع التبرُّعات في واشنطن الأربعاء، 28 يونيو/حزيران: “نواجه نزاعاً مع قطر”. وبعدما سخر مما سمّاه طريقة دولة قطر المُفضَّلة لنطق اسمها، قال: “أفضِّل ألّا يُموِّلوا الإرهاب”.

 

ويقول بعض المسؤولين الأميركيين إنَّ سياسة ترامب يُحرِّكها مستشاران، ستيفن بانون وسباستيان غوركا، الموجودان بحزمٍ في المعسكر السعودي، واللذان ينظران إلى معاقبة قطر بصرامةٍ على أنَّه تحذيرٌ لأي دولةٍ متهمة بالتساهل مع الإسلاميين.

 

الأزمة وحدتهم

على جانب آخر عملت الأزمة على توحيد الجميع داخل الأراضي القطرية تجاه الأزمة، وأعرب الكثيرون عن سعادتهم بذلك، وكانت من بينهم أم حسن (40 عاماً)، وهي موظفة حكومية في زيارتها الثالثة. وقالت: “أصبح الناس على قلب رجلٍ واحد”، بحسب الصحيفة الأميركية.

 

لكنَّها قالت إنَّ الأزمة كانت أيضاً مصدراً للحزن، فقد تفرَّقت عائلتها – مات قريبٌ في البحرين، ولم يتمكَّن أحدٌ من حضور الجنازة. ثُمَّ هناك ابنة عمها، المتزوِّجة من إماراتي، التي اضطَّرت مؤخراً لإرسال ابنتها البالغة من العمر سنة واحدة إلى الإمارات لتعيش مع زوجها. فبموجب القانون في معظم بلدان الشرق الأوسط، يرث الابن جنسية أبيه، وبعد بدء الحصار، أصرَّت الإمارات على مغادرة كافة مواطنيها لقطر.

 

وبالنسبة لآخرين، تتطوَّر الأزمة على الشبكات الاجتماعية. فقد سعد بعض السعوديين بالسخرية من الحليب التركي، في حين لجأ الشباب القطري إلى تطبيق سناب شات لنشر الصور الساخِرة والمُعانِدة حول الأزمة. ويلقي الكثيرون باللوم مباشرةً على الأمير محمد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، الذي أصبح ولياً للعهد مؤخراً.

 

وقالت حصة، وهي مُحلِّلة استثمارية في جهاز قطر للاستثمار، الذي يدير معظم ثروة البلاد في الغرب: “أصبح الجميع سياسيين الآن. أشعر بأنَّ هذا كان يختمر لسنوات، ولن يكون بإمكاني أن أنساه أبداً. أشعر بأنَّني ساذجةٌ للغاية. لماذا لم أتوقَّع ذلك؟”.

 

ومع تحضُّر المتخاصمين بقوةٍ للغاية، يقول معظم المُحلِّلين إنَّ الأزمة ستسوء قبل أن تتطوَّر.

 

ويقول مسؤولون قطريون بدورهم إنَّهم قد استُهدِفوا من قِبل جهودٍ إماراتية خفية لإلحاق الضرر بعملة بلادهم.

 

وقال سيف بن أحمد آل ثاني، مدير مكتب الاتصال الحكومي القطري، إنَّ الأزمة ستتفاقم على الأرجح، لكنَّه تعهَّد بأن يعاني خصوم قطر بالقدر نفسه الذي ستعانيه بلاده. فقال: “مهما خسرنا، سيخسروا”.

 

وأضاف: “لدينا تراجع في الترانزيت الجوي، وكذلك هم. ليست لدينا مشكلة في استمرار ذلك – داخلياً، أو مالياً، أو سياسياً”.

 

المصدر: ترجمة وتحرير هافنتغون بوست عربي.


Also published on Medium.