يعطي بيد ويأخذ بالأخرى”.. تحت هذا العنوان نشر مركز تشاتام هاوس البريطاني البحثي الذي يقع مقره بلندن مقالا للكاتب ديفيد بوتر تحدث فيه عن الأزمات التي تمر بها .

 

وإلى نص المقال

بينما يقترب البرلمان المصري من الموافقة على مشروع موازنة السنة المالية 2017-18 (يوليو-يونيو)، أعلن الرئيس السيسي في 21 يونيو  حزمة إجراءات تتضمن تمويل أكبر لدعوم والمعاش وشبكة الأمان الاجتماعي.

 

وقالت وزارة المالية إن تلك الإجراءات سوف تتكلف 75 مليون جنيه، وتدفع بإجمالي نفقات الموازنة إلى 1.2 تريليون جنيه.

 

لكن الوزارة أضافت أن تغطية المبلغ المذكور ستأتي من خلال الإيرادات الأعلى الناجمة من النمو الاقتصادي والاستثمارات.

 

لفتة السيسي تندرج تحت بند الدهاء السياسي، حيث تسمح له بتقديم نفسه في صورة الرئيس الحساس تجاه الصعوبات التي تواجهها العائلات المصرية نتيجة للإجراءات التي تتخذها الحكومة لمخاطبة المشكلات  الاقتصادية العميقة.

 

الإجراء الأكثر تطرفا كان تعويم الجنيه المصري الذي اتخذ في 3 نوفمبر العام الماضي، والذي قلل من قيمة العملة المصري بما يزيد عن 50 %، ورفع معدل التضخم من 10 % إلى 30 %.

 

الإصلاحات جلبت فوائد رئيسية إلى ميزان المدفوعات من خلال تحفيز تدفقات رأس مالية كبيرة،  لكن المكافآت المأمولة بحدوث نمو اقتصادي راسخ وانخفاض معدل التضخم تتطلب زمنا لتحقيقها.

 

لقد دخل السيسي لتوه العام الأخير لولايته الرئاسية الأولى.

 

ومن الأمور المسلم بها ترشح السيسي لفترة رئاسية ثانية في مايو 2018.

 

ومن المحتمل أن يكون السيسي قد وضع في حساباته أن جرعة مبكرة من تخفيف التقشف سوف تساعد على حفظ ولاء مؤيديه الأساسيين.

 

ومع ذلك، فإن السيسي وعناصر متنوعة من دولته الأمنية يتفادون أي فرص للخطورة ، فمساحة الاحتجاج والمناقشات السياسية المشروع جرى تقليصها على نحو جذري: حيث حجبت السلطات أكثر من 100 موقع إخباري، كما عادت قوانين الطوارئ من جديد.

 

قانون الجمعيات الأهلية الذي مُرر حديثا يضع عقوبة السجن لسلسلة من المخالفات مثل تنفيذ استطلاعات رأي دون الحصول على إذن.

 

وعلاوة على ذلك، عوقب بعض القضاة لتحديهم الحكومة.

 

وتحدى القضاء الحكومة في قضية التنازل عن تيران وصنافير للسعودية.

 

خالد علي المحامي المدافع عن مصرية تيران وصنافير مهدد بالحرمان من حقه في الترشح لانتخابات الرئاسة 2018 نتيجة لاتهامات واهية تتعلق باحتفاله بأحد أحكام القضاء.

 

أي مخاوف داخل المجتمع الدولي بشأن عدم ليبرالية دولة السيسي يتم التغطية عليها من خلال النظر في أهمية مصر للأمن القومي، والاعتبارات التجارية التي تتضمن سلسلة من صفقات الأسلحة الكبرى مع روسيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، ودعم الإصلاحات الاقتصادية.

 

ومن المنتظر أن تقرر الهيئة التنفيذية بصندوق النقد الدولي لاحقا إذا ما كانت ستنفذ توصيات بعثته إلى مصر بمنح الشريحة الثانية بقيمة 1.25 مليار دولار من القرض البالغ 12 مليار دولار، الذي جرى الموافقة عليه في نوفمبر الماضي.

 

وكانت صندوق النقد الدولي قد أفرج عن الشريحة الأولى بقيمة 2.75 مليار دولار.

 

ومن غير المحتمل أن يثير صندوق النقد الدولي قلقا غير مبرر بشأن الإنفاق الزائد الذي أعلن عنه السيسي، إذ أن برنامج القرض يدعو إلى تعزيز قصير الأمد لدعوم الغذاء، وتقوية شبكة الأمان الاجتماعي.

 

وعلاوة على ذلك، صدقت بعثة صندوق النقد الدولي على مسودة الموازنة، التي تضمنت زيادة في المبلغ المخصص لدعم ، مما يشير إلى أن الحكومة لم يطلب منها رفع أسعار مباشرة.

 

القضية الأساسية التي أثارها صندوق النقد الدولي في تقييمه تمثلت في الحاجة إلى استخدام أدوات نقدية لمحاربة الزيادة في التضخم.

 

واستجاب البنك المركزي المصري برفعه أسعار الفائدة 300 نقطة أساس، في إجراء قوبل بكثير من الانتقادات، لكنه يبعث أيضا برسالة صارمة بشأن توقعات التضخم.

 

ومن المرجح أن يطمئن وزير المالية المصري صندوق النقد الدولي بأن الإنفاق الاجتماعي الإضافي لن يؤثر على هدف الحكومة بتخفيض العجز المالي إلى 9.1 %  من الناتج المحلي الإجمالي في 2017-18، وتحقيق أول فائض موازنة خلال 10 سنوات.

 

المستثمرون العالميون منحوا تصويت ثقة في الإصلاحات المصرية من خلال الحصول على سندات إضافية بقيمة 3 دولار في مايو الماضي بأسعار أقل مما كانت عليه في يناير.

 

واستفادت الحكومة من تدفقات رأس المال المتراكمة خلال الشهور الأخيرة في دفع 1.5 مليار دولار متزايدة من ديونها لدى شركات نفطية دولية، مما قلل المتأخرات الإجمالية إلى ملياري دولار.

 

و ساعد ذلك الشركات المذكورة على الاستمرار في الاستثمارات التي ينبغي أن تصل بمصر إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في مجال الغاز الطبيعي خلال عامين أو ثلاثة.

 

بيد أن هذه النظرة الإيجابية البراقة لا تستطيع إخفاء  هشاشة الاقتصاد المصري.

 

ويعاني الاقتصاد المصري من أجل الوصول إلى معدل نمو 4 %، بينما يزيد تعداد السكان بمعدل 2.3 %.

 

وعلاوة على ذلك يبلغ الدين العام 100 % من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع الدين الخارجي على نحو حاد.

 

ارتفاع أسعار الغذاء بلغ حوالي 40 %، كما أن مستوى الفقر وصل إلى 30 % بحسب تقييمات البنك الدولي.

 

المبرر الضمني من جانب الحكومة مفاده أن الحصول على انتعاش اقتصادي مستدام يرتبط بالحفاظ على الأمن في مواجهة التهديدات الإرهابية والتخريب.

 

لا ينبغي على الحكومات الأجنبية التي تمتلك ارتباطات مع مصر أن تقبل ذلك كمبررات لقمع الحريات المدنية ونقص محاسبة المؤسسة الأمنية.

 

المصدر: ترجمة مصر العربية


Also published on Medium.