كتب: د. بسيوني الخولي (وطن) – في وقتنا الراهن نشط مبدئان في العلاقات الدولية بشكل غير مسبوق ، وكلاهما منافيان ومناهضان للقانون الدولي العام الذي يضبط العلاقات الدولية القائمة على قواعد المساواة في السيادة بين الدول ، وعدم التدخل في شئونها الداخلية ، والسلم والأمن الدوليين .

 

المبدأ الأول هو التدخل في الشئون الداخلية للدول المستقلة ذات السيادة بكل الطرق والوسائل باستثاء القوة المسلحة ، والشأن الداخلي هو كل ما يدخل ضمن الاختصاص المادي والمعنوي والفكري لسيادة الدولة ، ووسائل وطرق التدخل كثيرة ونصنفها وفق تقسيمين ، الأول وسائل وطرق وأساليب فكرية معنوية ، والثاني وسائل وطرق وأساليب سلوكية فعلية .

 

والمبدأ الثاني هو التدخل بالقوة المسلحة في الشئون الدولية للدول المستقلة ذات السيادة ، والمبدأ الثاني هو تطوير للمبدأ الأول ، ويشمل كل أنواع الاعتداء والتعدي على إقليم الدولة بدءً من تجاوز الحدود المعترف بها وانتهاءً بغزو واحتلال إقليم الدولة أو جزء منه .

 

وما يحدث مع في الوقت الراهن فيما عُرف بأزمة العلاقات الخليجية هو تدخل سافر في الشئون الداخلية لدولة مستقلة وذات سيادة .

 

وهذا التدخل بدأ بعملية اختراق الحدود المعنوية لدولة قطر وهي وكالة الأنباء القطرية ، ثم العبث بمفردات تلك الوكالة التي تمثل ملكية فكرية معنوية رمزية لدولة مستقلة وذات سيادة ، وإدخال تصريحات مزيفة ومكذوبة ونسبها إلى رأس الدولة ، ثم استغلال تلك المعلومات في اتهام دولة قطر باتهامات زعزعة الأمن في المنطقة ودعم الإرهاب .

 

أعقب ذلك قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر وفرض حالة من حالات الحصار الكامل على تلك الدولة ، وطرد مواطنيها ، وإجلاء رعايا الدول الخليجية المحاصِرة دون وازع إنساني أو مرعاة للرحم والقربى .

 

وانتهى التدخل بطامته الكبرى حيث تقدمت الدول المحاصِرة بقائمة مطالب أي منها كفيل بتدمير ميزتي السيادة والاستقلال لدولة قطر وتحويلها إلى كيان تابع لا سيادة له ولا إرادة ولا استقلال .

 

والجدير بالتأكيد أن هذا التدخل السافر قد تجاوز دولة قطر إلى دول أخرى مثل تركيا وإيران ، اللتين يمكن لهما الرد على ورود أسميهما صراحة في المطالب المذكورة بوسائل عديدة حسب ما ترى .

 

وهناك مسئولية دولية جسيمة تتحملها الدول المحاصِرة لقطر ، إذ أنها تعد دولاً معتدية ومتدخلة في الشئون الداخلية لدولة قطر بل وفي الشئون الداخلية لكل من تركيا إيران .

 

وعلى دولة قطر في المقابل أن تتقدم بشكوى عاجلة لمجلس الأمن مفادها أن أمنها مهدد بشكل حال ، وأن هناك انتهاكاً سافراً لسيادة الدولة القطرية ما يهدد الأمن السلم الدوليين .

 

إن هذه الظروف الحاسمة والدقيقة هي اختبار مهم وحقيقي للدبلوماسية القطرية التي ينبغي أن تشكل “غرفة لإدارة الأزمة” وتعدد تحركاتها ومستويات تلك التحركات والتي ينبغي أن تهتم بثلاثة مستويات على قدر عظيم من الأهمية .

 

المستوى الأول هو “مستوى دبلوماسية القمة” إذ ينبغي أن يصل هذا السلوك العدواني من الدول المحاصِرة إلى كل زعماء العالم ولا سيما الفاعلين في النظام الدولي ، والمنظمات الدولية الفاعلة وبصفة خاصة الأمم المتحدة ومنظماتها السياسية والأخلاقية ومنظمات حقوق الإنسان .

 

والمستوى الثاني هو “مستوى الدبلوماسية الشعبية” التي تصل إلى أكبر قدر ممكن من شعوب العالم حتى تدرك هذه الشعوب وتعي هذا الإنهيار المروع في القانون الدولي والأخلاق والعلاقات الدولية .

 

والمستوى الثالث هو “مستوى صنّاع الرأي” من المفكرين والعلماء والإعلاميين والخبراء والمختصين والأدباء ، وهذا المستوى مهم ، فهو رافد مهم للمستويين الأول والثاني .

 

إن نظرة متأنية لهذه الأزمة وتطوراتها وتداعياتها يجلّي حقيقتين : الحقيقة الأولى أن ثمة إضمار نوايا قديماً ومتراكماً ، هدفه النيل من قطر وما أحرزته من تقدم على كافة المستويات وقد حانت الفرصة لتحقيق ذلك الهدف ، والحقيقة الثانية أن ما سوف يترتب على هذه الأزمة سيغير موازين القوى في والمنطقة العربية بشكل غير متوقع !!


Also published on Medium.