كتب أحد المحللين العرب أن ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات حاليا، الأمير محمد بن زايد، صعد بسرعة مذهلة وهو يُعد لقيادة المنطقة برمتها وبمساعدة أميركية إسرائيلية. لم يكن يوما يكن إعجاباً بالنظام السعودي (والخلافات بين العائلتين تاريخية). قد يكون محمد بن زايد اليوم هو أقوى ، وقد أدرك أن العلاقة النفطية لا تكفي من أجل بناء تحالف إستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية.

 

ما يريده هو نقل الدور الإسرائيلي في القيام بمهام الذراع الأمنية والاستخبارية للحكومة الأميركية. الحليف الأردني لم يعد ذا فائدة، وهذا راجع في بعض جوانبه إلى قدرات ذهنية وسياسية محدودة جدا للحاكم الأردني. الملك عبدالله يركز على إنشاء وإعداد القوات الخاصة، لأن هذه هي التي تساعد القوات الأميركية في عملياتها العسكرية (الاحتلالية) في المنطقة العربية، لكن محمد بن زايد يقدم للحكومة الأميركية أكثر بكثير من الملك الأردني (بالإضافة إلى زعامة دحلانية تسر صهاينة الكونغرس)، كذلك فإنه لا يتطلب نفقات خدماته على الطريقة الأردنية.

 

وإذا كانت الحكومة القطرية قد تقربت في سياستها الخارجية من واشنطن عبر البوابة الاسرائيلية والتطبيع المتدرج، كما أورد الكاتب، فإن الحكومة الإماراتية تجاوزت الأنموذج القطري بكثير. محمد بن زايد يريد أن يصبح الصنو العربي للكيان الإسرائيلي، وفقا لتعبير الكاتب حسب تقرير نشرته مجلة العصر.

 

وإذا كانت الحكومة القطرية قد تقاربت (بالتمويل المباشر) مع الجناح الديموقراطي من اللوبي الصهيوني (المتمثل في مؤسسة “بروكنغز” تحت قيادة مارتن إنديك)، فإن محمد بن زايد وزع خطوط تحالفاته وتمويله على عدد كبير من المراكز والمؤسسات الصهيونية التي تعنى بالسياسة الخارجية، وهو استعان بالسفير النشط (وهو ابن وزير النفط الإماراتي في السبعينيات والثمانينيات، مانع سعيد العتيبة) لتوسيع النفوذ الإماراتي في واشنطن. في أسبوعٍ واحد مثلاً، اجتمع العتيبة أربع مرات مع وزير الدفاع الأميركي، ونادرا ما يحظى سفير دولة بهذا “الشرف”.

 

العتيبة مثل مشروع محمد بن زايد في التحالف الوثيق مع أكثر الجهات الصهيونية تطرفاً في أميركا. والعلاقة بين يوسف العتيبة (الذي كان مستشاراً لسنوات لمحمد بن زايد) و”منظمة الدفاع عن الديموقراطيات” هي خير دليل على أفق محمد بن زايد السياسي، وفقا لتقديرات الكاتب نفسه.

 

وهذه المنظمة تأسست متأخرة عن مثيلاتها في العاصمة: هي وليدة زمن 11 سبتمبر وصعود تيار المحافظين الجدد المتطرفين. والمنظمة مكرسة للعداء للإسلام (تحت عناوين مختلفة)، وكانت قد اشتهرت في الوسط الصهيوني الأميركي عبر ربطها بين ياسر عرفات وأسامة بن لادن. وهي احتضنت وليد فارس مبكراً، كما احتضنت المتطرفين من المحافظين الجدد الذين كانوا خارج السياق السياسي السائد. وكان الخبراء والمسؤولون الأميركيون يتجنبون الظهور في مؤتمراتها لما لها من سمعة متطرفة في تعاطيها مع قضايا المنطقة.

 

العلاقة الخاصة بين العتيبة والمنظمة تكشف ليس صهيونية أولاد زايد، وفقط، بل وتطرف محمد بن زايد الصهيوني. ومحمد بن زايد تعلم كثيراً من تجربة موانئ في 2006. حاولت شركة موانئ تسلم عقود إدارة ستة موانئ أميركية أساسية، وثارت ثائرة الرأي العام والصحافة بحجة أن شركة عربية لا يمكن أن يوثق بها. ورغم حث إدارة بوش لتمرير المشروع وتذكير أعضاء الكونغرس بالخدمات الكبيرة التي تقدمها الإمارات للحكومة الأميركية، فإن اللجنة المختصة في الكونغرس الأميركي صوتت 62-2 لصد المشروع. وكيف تعامل محمد بن زايد مع الرفض الأميركي؟ برضوخ تام، وأمر ببيع شركة “موانئ ” لشركة أميركية.

 

علم محمد بن زايد أن عملاً ينتظره في واشنطن لتغيير صورة دولته ونظامه وجناح عائلته. عندها بدأ الإنفاق الهائل على شركات علاقات عامة ولوبيات ومراكز أبحاث. كذلك فإن السفير الإماراتي أقام علاقات خاصة مع صحافيين نافذين عبر دعوات أسفار عبر المحيطات في طائرات خاصة وفنادق فخمة.

 

وأبرمت حكومة الإمارات اتفاقات مع شركات علاقات عامة ولوبيات مثل “كيمب جولدبير” و”هيل أند نولتون” (والأخيرة مهمة لأنها أدارت حملة الإعداد والتعبئة للحرب ضد العراق في 1990، وهي التي كانت تدير وتُشرف على ظهور الصحافيين العرب في الإعلام الأميركي)، و”كامستول جروب” (وهي مملوكة بالكامل من قبل حكومة الإمارات) وغيرها من الشركات.

 

وأغدقت الإمارات الإنفاق على مراكز أبحاث مثل “اتلانتك كاونسل”، وحتى “بروكنز” تفوق التمويل الإماراتي على التمويل القطري فيها خلال سنة 2016)، ومؤسسة “راند”، وخصوصاً مركز “الدراسات السياسية والاستراتيجية” التي أصبحت تقاريره ومقالات خبرائه تشبه مقالات الرأي في الصحافة الإماراتية، ومركز “أسبن” و”أميركان بروغرس” ومركز “ستمسن” و”معهد الشرق الأوسط”.

 

ويقول الكاتب العربي المقيم في الولايات المتحدة إن الإمارات أنشأت مركزاً بحثياً خاصاً بها (“معهد دول الخليج العربي”). وهذه المراكز تعتمد دوماً على تجنيد مسؤولين أميركيين سابقين (من الحزبيْن) مقابل مبالغ مالية طائلة.

 

ويريد محمد بن زايد بخدماته وتصهينه اقتفاء الأثر الإسرائيلي. وهو ما يمكن اختصاره فيما يلي:

أولاً، التطوع بخدمات استخبارية.

 

ثانياً، نشر النفوذ الإماراتي ومحاولة السيطرة على حكومات في عدد من بغية تسويق النفوذ للحليف الأميركي. وفي هذا، سعت الإمارات عبر السلاح والمال كي تنشر نفوذها في فلسطين والمخيمات الفلسطينية في الشتات (عبر وكيلها محمد دحلان ــ قد يكون الفلسطيني الأكثر شعبية في دولة الاحتلال)، وفي (بالمال)، وفي (عبر التدخل العسكري والمال)، وفي (حتى عندما نشب خلاف بين السيسي والحكم السعودي)، وفي اليمن (حيث تسعى الإمارات إلى إنشاء كيان موال لها في الجنوب، في تحد واضح للحكم السعودي). تريد دولة الإمارات أن تصبح القوة الضاربة (بالنيابة عن أميركا) في المنطقة العربية.

 

ثالثاً، رفع مستوى التحالف مع العدو الإسرائيلي وخفض سقف شروط السلام معه. تذكر وثائق “ويكيليكس” أن سقف القبول الإماراتي بالسلام مع العدو هو أقل من شروط “المبادرة ”، لكن الإمارات تسير معها ربما لمنع تفاقم الخلاف مع .

 

رابعاً، ضرب الفكر الثوري عبر الترويج الهائل لأنموذج “الإمارات”، والاعتماد على شركات علاقات عامة أميركية وأوروبية لإقناع الشباب العربي بأن المثالية العربية تكمن هناك. ولا يمر يوم لا يرد فيه ذكر للإمارات في تراتبيات وتصنيفات فارغة تبدو براقة من الخارج لكنها متخلفة من الداخل، مثل تراتبية “التنافسية”، وهي لا تعني إلا التطرف في تطبيق الأنموذج الرأسمالي المتفلت والترحيب المطلق بالرأسمال الغربي، وفقا للكاتب.

 

خامساً، يمتد طموح ابن زايد إلى مزاحمة إسرائيل في الأدوار القذرة لليد الأميركية الضاربة في المنطقة وخارجها.

 

سادساً، وهو الأهم، يريد محمد بن زايد أن يصبح الحاكم الفعلي للعالم العربي من خلال السيطرة على القرار في السعودية، وهو جند جهازه في واشنطن من أجل إقناع الإدارة الأميركية بجدوى نقل الثقة الأميركية من ابن نايف إلى ابن سلمان.

 

ويرى الكاتب في نهاية مقالته أن النظام العربي الرسمي القادم هو إسرائيلي بعباءة عربية.