بعد فترة وجيزة من أحداث 11 سبتمبر/أيلول، قام آنذاك «كولن باول» بتخيير الرئيس الباكستاني الجنرال «برويز مشرف»، وأعطى له خياران، أن يكون معنا أو ضدنا، الأمر الذي لم يترك لمشرف خيارًا سوى الانضمام للحرب الأمريكية ضد الإرهاب. وقد واجهت باكستان نفس الخيار عندما اجتمع رئيس الوزراء «نواز شريف» مع العاهل السعودي «سلمان بن سعود» في بدايات الأسبوع الجاري.

وكان «شريف» في رحلة إلى العاصمة الرياض في محاولة للتوسط بين وقطر، وهما الدولتان العربيتان اللتان تشتركان حاليًا في حربٍ دبلوماسية تلقي بظلالها على السياسة السنية. وكان الملك «سلمان» حادًا في طرحه المقدم لـ«شريف»، حيث سأله صراحةً: «هل أنت معنا أم ضدنا؟».

لابد أنّ «شريف» قد أصابته الحيرة. لكنّه حافظ على برودة أعصابه وردّ بوضوح أنّ باكستان ستكون على الحياد في هذه الأزمة.

وتعد السعودية الراسخ للسياسة السنية في جميع أنحاء العالم. وهي تمول هذه السياسة بعائدات النفط من الدولار الأمريكي، وكذلك بسبب موقعها الجغرافي، حيث يقع بها أهم مركزين للحج، مكة والمدينة المنورة.

لذلك، لديهم فإن السعوديين يتمتعون بكلٍ من العضلات المالية والنفوذ الديني لتوجيه السياسة السنية في العالم الإسلامي. وعلى سبيل المثال، يقال أنّ البرنامج النووي الباكستاني تم تمويله بالكامل من قبل السعوديين.

وسواء كان «حافظ سعيد» من باكستان أو «أبو بكر البغدادي» من تنظيم الدولة، فقد استفادت تقريبًا جميع الشبكات الإرهابية الإسلامية بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر ماليًا من الجمعيات الخيرية السعودية الخاصة. وتعتبر علاقة السعودية مع أحداث 11 سبتمبر/أيلول حقيقة ثابتة، لأنّ غالبية خاطفي الطائرات الأمريكية كانوا سعوديين، بينما قامت الجمعيات الخيرية السعودية الخاصة بتمويل مشروع «أسامة بن لادن» في 11 سبتمبر/أيلول.

تقع الزعامة السعودية تحت الضغط. وتواجه منافسين. أولًا، برزت إيران، زعيم السياسة الشيعية منذ عام 1979، عندما أطاح «آية الله الخميني» بشاه إيران وأنشأ دولة ثيوقراطية شيعية، كمنافسٍ قوي على حساب النفوذ السعودي في المنطقة.

وقد برزت إيران بالفعل كعنصر رئيسي في العراق وسوريا ولبنان في العقد ونصف العقد الأخير. كما تؤثر على التطورات السياسية في البحرين واليمن وأجزاء من السعودية حيث يتركز السكان الشيعة بشكلٍ كبير. إلى جانب ذلك، تشارك إيران في حربٍ خطابية مع ، التي تُعتبر إلى حدٍ كبير معادية للمصالح الإسلامية من قبل غالبية المسلمين في جميع أنحاء العالم. مما يجعل السعوديين غير مرتاحين مع المنافسة المريرة من قبل إيران.

المنافسون الجدد

ويعد التنافس السعودي الإيراني حقيقة معروفة جدًا في سياسة غرب آسيا الآن. لكنّ المنافسة الصامتة وغير المعلن عنها والتي تتحدى الزعامة المنفردة للسعوديين على العالم السني تبرز الآن أيضًا. وقد ظهر منافسان جديدان للهيمنة السعودية مؤخرًا من الدول السنية، وهما وتركيا.

ويذكر أنّ قطر، الجارة الصغيرة للسعودية، والتي نجت بالكاد حتى منتصف التسعينات من القرن الماضي من الحماية السعودية، بدأت تؤكد حضورها القوي منذ عام 1995، عندما تولى الشيخ «حمد بن خليفة آل ثاني» مسؤولية البلاد. وكانت خطة «حم»د الأولية هي صناعة حضور قطري قوي يُشعر به في المنطقة. لذلك، ركز على القوة الناعمة مثل قناة الجزيرة الإخبارية وشركة طيران قطر رفيعة المستوى.

ولم تربح قناة الجزيرة بتغطيتها المستقلة للحرب الأمريكية على العراق ولاء المشاهدين فحسب، بل ولدت أيضًا تعاطفًا مع الأسرة الحاكمة القطرية في العالم العربي. وقد أزعج ذلك السعوديين، وخدم الغرض القطري بالظهور كقوة كبيرة في العالم الإسلامي.

وعندما شعروا بأنّهم وصلوا إلى مرادهم، وجد القطريون الجرأة للتدخل في مراكز السلطة السنية التقليدية. وقد تصاعد طموحهم مع تدفق أموال الغاز الضخمة التي حصلوا عليها في الأعوام الأخيرة. ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، «توسع الاقتصاد القطري من 8.1 مليار دولار في عام 1995 إلى 210 مليار دولار عام 2014». وبدأت قطر في دفع كثير من الأموال إلى المدارس السنية وبعض وكلائها في الدول المختلفة.

لكنّ ما دفع السعوديين إلى اتخاذ الخطوة الدبلوماسية القصوى بقطع العلاقات مع قطر هو محاولتها الأخيرة للتودد إلى إيران المنافس المعروف للسعودية والولايات المتحدة في المنطقة. وتحتفظ قطر الآن بقنوات تواصل عادية مع إيران.

كان السعوديون يبحثون عن فرصة لإعادة قطر إلى حظيرتهم. وبمجرد أن زار الرئيس «دونالد » الرياض وأبدى قبوله لسيادة السعودية على العالم السني، قرر السعوديون، بموافقة أمريكية، عزل دولة قطر في المنطقة. وقد أجبروا والبحرين واليمن والمالديف على التنسيق مع الخطوة السعودية لقطع العلاقات وفرض عقوبات على قطر.

بلا تقدم

لكنّ الخطوة السعودية لا تحقق تقدمًا كبيرًا. وبدلًا من ذلك، أعطت منافسيها في العالمين الشيعي والسني فرصة للتدخل في منطقة الخليج. فعلى سبيل المثال، تقوم إيران بضخ 100 طن من المواد الغذائية وإمدادات مياه الشرب إلى قطر الآن، وكانت من قبل تحصل عليها من السعودية. إضافةً إلى ذلك، قررت تركيا زيادة عدد قواتها داخل قطر من 100 إلى 3 آلاف.

كما رفض بعض الحلفاء العرب الآخرين السير وفق الخط السعودي. وتسعى وعمان للتوسط في الوقت الذي وعدت فيه المغرب بإرسال إمداداتٍ غذائية إلى قطر. والآن، قررت باكستان، أيضًا، أن تكون محايدة في تلك اللعبة.

وقد أثبتت سياسة «إما معنا أو ضدنا» فشلها. وبدلًا من عزل قطر، دارت العزلة لتصيب السعودية نفسها. وكان هذا هو آخر شيء يتوقعه السعوديون، وهو ما سيشجع القادة السنة لبلدان مثل تركيا على المزيد من دفع السعوديين بعيدًا في المنافسة على قيادة العالم الإسلامي، وهو الأمر الذي ترفض القيادة الملكية السعودية تصديقه.

ترجمة وتحرير شادي خليفة – الخليج الجديد


Also published on Medium.