مدخل :

لقد جُلت بناظري على امتداد الوطن العربي ، بل وعشت في الكثير من دوله ، ودرست العديد من النظم السياسية في العالم غير الأوروبي ، في هذه الجولة استوقفتني تجربة حرية بالبحث ،وجديرة بالدراسة ، وبصفة خاصة في حقبة تاريخية سئمنا من الإستبداد وإهدار كرامة العربي المسلم ، ومللنا من التخلف والجهل ، وتضجرنا من التبعية للآخر ، الذي جردنا من ذاتنا الحضارية ، وسفه منطقنا الثقافي ، ومن ثم بكرنا تواقين إلى تلك التجربة التي تنعش آمالنا في المستقبل ، ونستلهم منها العزم والمضاء في الإصلاح والصلاح .

تلك كانت قطر ، دولة عربية مسلمة ، عندما تبحث عن الكرامة والذات الحضارية الإسلامية ، فستتفق مع قطر ، وعندما تفتش عن المنطق الثقافي الإسلامي ، فستلتقي مع قطر ، وعندما تقف مع حق الشعوب العربية في الحرية والكرامة والديمقراطية والتنمية والرخاء ، فستكتشف أنك وقطر في خندق واحد ، وعندما تنشد العطاء الجزيل ، والكرم والإحسان بأريحية وإنسانية لا تعرف حدوداً ولا تعترف بحواجز ، فضالتك في قطر ، وإذا أردت أن تستريح من عناء رحلة البحث عن قيم الحرية والعدالة والمساواة في الصحراء العربية المقفرة ، فلا مفر من الاسترخاء في واحة قطر ، فيها ستنسى شقاءك ، ويأخذ منك الإبهار كل مأخذ ، فتنبهر لا محالة .

ولكنك لن تنسى كونك باحثاً ، فتسأل عن النظام السياسي ، فادرس ذلك النظام ، وتأمل مفرداته وآليات عمله ، ثم تستفسر عن نظام اقتصادي ، وتستوضح عن اقتصاد فعال عملاق لدولة صغيرة ، ثم تتفاعل مع حياة فكرية تنبض بالحركة والنشاط للتواصل مع الذات الحضارية للحضارة الإسلامية ، ولإحياء المنطق الثقافي الإسلامي ، ثم تتعاطي مع واقع إجتماعي بديع تسوده قيم السلام والإخاء والتعاطف والتراحم والتكافل ، وتعاين في نهاية المطاف عبق الاستقرار وعبير الرضاء العام في قلوب وعقول أبناء تلك الجزيرة الصغيرة .

لقد أثبت النموذج القطري أن فعالية الدولة في إختصاصها الداخلي لا ترتبط بالضجيج الإعلامي ، ولا تتوقف على السخاء الديموجرافي ، ولا تتأثر بالعمق التاريخي والميراث الحضاري ، ولا تكترث كثيراً بحجم ما يسمى بالنخبة المثقفة أو قطاعات التقنيين ، ولكن فعالية الدولة تتجلى في قدرتها على إرضاء مواطنيها ، وتلبية متطلباتهم المادية والمعنوية والرمزية إلى الدرجة التي يعربون عندها عن رضائهم العام ، ويذوبون في أركان الدولة إلى أن يصبحوا هم أنفسهم هذه الأركان ، وعندئذ تسود حالة من الاستقرار ، هي حالة قطر .

أما فعالية الدولة في النطاق الخارجي ، فقد أسس النموذج القطري لتوجه جديدفي تفسير السلوك الدولي ، توجه يرتكن على فعالية الفعل في العلاقات الدولية بالوسائل المرنة والقوة الناعمة ، والمواقف الحاسمة المتسمة بخصائص التواضع والبساطة والشفافية والصدقية والوضوح ، والممتزجة بقيم ينصهر فيها نقاء العنصر مع صفاء العقيدة ، ومن ثم لا تبدو الحاجة ملحة من أجل تفعيل السياسة الخارجية القطرية إلى الجيوش الجرارة ، والترسانات المخيفة ، والتصريحات والبيانات الرنانة لمسئولين يخرجون على العالم بعنجهية وعجرفة ، والإعلام المواكب الدؤوب الذي قد يصدق مرة ويكذب مرات .

إن نموذج الدولة الرشيدة في قطر يحتاج إلى وقفة تأمل وتحليل لأركان تلك الدولة ، ولعل نتيجة ذلك التأمل وذاك التحليل ستفضي إلى القطع بأن ثمة أولي بقية في وطننا العربي يعرفون الحق وحريصون عليه ، ويكافحون من أجل نشره وترسيخه دون ملل .

أولاً : قطر دولة العرب الرشيدة !

الدولة الرشيدة هي دولة تنهض على أربعة أركان ، تكفل لها تحقيق متطلبات مجتمعها ، في وجود آمن ، وتفاعل مثمر ، وتطور نحو الأرقى ، عبر نسق قيمي ومنظومة مبادئ ومؤسسات فعالة ، تتفاعل في بيئة من التوافق والاحترام المتبادل .

إن سمة الرشد لم تنعت بها هذه الدولة عبثاً أو افتراءً ، بل ثمة قسمات لتلك الدولة جعلتها خليقة بهذه السمة مستحقة لها دون مَنّ ، ومن تلك الأمارات ما يلي :

أ ـ مثالية المنطلقات والغايات : معلوم أن منطلقات الدولة الرشيدة مثالية بالضرورة ، كذلكفغايات تلك الدولة ليست أقل مثالية من منطلقاتها ، فغايات الدولة الرشيدة ، تتوزع على حياتين ، غاية الحياة الدنيا وهي الحياة الطيبة ، وغاية الحياة الآخرة وهي جنة الخلد ، قال تعالي ” من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ” [1].

ب ـ نسق قيمي فريد : تتسم القيم في الدولة الرشيدة بجملة من الخصائص :أولاً : القيم السياسية ترتبط ببعضها ارتباطاً عضوياً ، ما يجعلها تبدو في كلٍ واحد أساسه وقواعده وهدفه الفضيلة والسمو العقلي والفكري والسلوكي ، ثانياً : إن هذه القيم إنما وجدت لتقويم السلوك الإنساني وتهذيبه ومواءمته مع الصورة المثلى ، ثالثاً : القيم السياسية في جملتها بمثابة أدوات تهدف إلي تحقيق أهداف الدولة الرشيدة.

ج ـ جملة مبادئ بديعة : المبدأ السياسي أداة أو وسيلة أساسية تستخدمها جماعة إنسانية أو أمة من الأمم من أجل تحقيق القيمة السياسية ، فالمبدأ السياسي إذاً هو الممارسة الفعلية للسياسة والحكم ، والتعاطي الواقعي مع الظاهرة السياسية .

والمبدأ السياسي بهذا الوصف يختلف من جماعة إنسانية إلي أخري ، ومن أمة إلي أخري ، بالرغم من أن ذلك المبدأ المختلف عليه تتوسل به الجماعة وتتذرع به الأمة من أجل تحقيق القيمة الواحدة والمتفق علي كنهها وماهيتها ، فمبدأ الديمقراطية بأنماطه وأشكاله المتباينة هو أداة من أجل تحقيق قيم الحرية أو المساواة أو العدالة .

ومن ثم فقد بدت العلاقة واضحة بين المبدأ والقيمة والظاهرة السياسية ، فالأخيرة تحوي الإثنين معاً ، والمبدأ وسيلة تحقيق القيمة ، فالمبدأ صناعة إنسانية والقيمة هبة إلهية ضمن ناموس الكون وعناصر الوجود .

وإذا كانت الثقافة السياسية تهتم بشرح وتفسير وتوضيح القيم السياسية ، ثم ترسخها في الأذهان ، وتخلق حالة من الحماس الفكري والمسعى الحركي لتطبيق القيمة ، فإن الأمر يختلف بالنسبة للثقافة السياسية مع المبدأ السياسي ، فالثقافة السياسية قد تختلق المبدأ وتبلوره من شتات الموروثات الفكرية والثقافية والحضارية ، ثم تستزرعه في عقول الناس وأذهانهم ، وتواصل تكييفه وموائمته مع عقول الناس وأفكارهم ، حتى يقتنعوا به ويعتمدونه وسيلتهم من أجل تحقيق القيمة ، ومن ثم تهتم الثقافة السياسية بترسيخ المبدأ في عقول الناس وأذهانهم وكذا في سلوكاتهم .

وتنقسم المبادئ السياسية إلى مبادئ أساسية تشمل : مبدأ الشعب مصدر الشرعية السياسية ،ومبدأ التفكير والاعتقاد والتعبير ، ومبدأ تعدد الرؤى في إطار ثقافة الجماعة ، ومبدأ الصدق ،ومبدأ الفاعلية وصون الأمة ، ومبدأ اختيار الحاكم ومبايعته ، ومبدأ لزوم الجماعة ، ومبدأ المبادرة ، ومبدأ المشاركة ، ومبدأ التناصح ، ومبادئ داعمة للمبادئ السياسية الأساسية وتشمل : مبدأ الاجتهاد ، ومبدأ الأخذ بالأحسن ، ومبدأ الاعتدال والوسطية .

د ـ تجربة تسمو نحو الترقي بحياة الإنسان : كذلك من أهم أمارات الرشد في الدولة الرشيدة أن هذه الدولة تحمل في وجودها وتفاعلها تجربة رائعة ورائدة تستهدف السمو بحياة الإنسان نحو الترقي ، ولم يثبت نظراً أو عملاً أن حددت الدولة الرشيدة لنفسها هدفاً أقل مثالية من ذلك السمو .

هـ ـ تحديد مشترك عام إنساني بامتياز : لعل أكثر أمارات الرشد لفتاً للانتباه في الدولة الرشيدة هو قدرة تلك الدولة نظرياً واستعدادها واقعياً على تحويل ترابها إلى مشترك عام ، تتفاعل وتتعاطى فوقه كافة الكيانات والقوى الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية دون تمييز على أي أساس ، ومن ثم يتحول إقليم الدولة الرشيدة إلى ساحة عطاء لكل من يقيم على تلك الأرض حتى ولو كان وافداً ، وفي مقابل ذلك العطاء يتعين الاستحقاق ، وهكذا ضربت الدولة الرشيدة أروع الأمثلة المبكرة في العالم المتمدن على المشترك العام الذي ولّد بالتالي مبدأ المواطنة ، ذلك المبدأ الذي احتضنته بدفء وصدق ، ثم فعّلته في براعة واقتدار تلك الدولة الرشيدة ، ولقد جاءت دولة قطر خير شاهد على قدرة الدولة الرشيدة على بسط مظلة المشترك العام فوق ترابها ، ثم ترسيخ مبدأ المواطنة بامتياز ، وتسفر تلك الحالة العبقرية عن العناق بين المشترك العام والمواطنة ، حيث تصبح سلة عطاء تجمع كل ما لدى المواطنين من إبداع واجتهاد ، بغض الطرف عن الدين أو العرق أو الجنس .

ثانياً : الركن القيمي في دولة قطر الرشيدة :

الركن القيمي من أهم الأركان التي تنتصب عليها الدولة الرشيدة ، ولذلك يتقدم بقية الأركان ، ولهذا الركن أهميته وخصوصيته في دولة قطر ، حيث يمكن أن نتلمسه في رباعية: نسق قيمي ومنظومة مبادئ ومنتظم مؤسسات وأيديولوجيا ، تنصهر جميعها في بوتقة ثقافة سياسية أصيلة معاصرة ، شكلت ملامح الدولة القطرية في عقول المواطنين .

فنسق قيم الحرية والعدالة والمساواة له في قطر وقعه الخاص ووتيرته المميزة ، فهذه القيم مألوفة في الحياة السياسية في دولة قطر ، بل يتسع ذلك النسق ليشمل النظم الفرعية الأخرى مثل النظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي وغيرهما .

كذلك منظومة مبادئ الديمقراطية والمواطنة والمشترك العام كان لها دورها المهم والفعال في تحقيق نسق القيم المشار إليه في دولة قطر ، وفي استقرار النظام السياسي .

أما منتظم المؤسسات الذي يشمل كافة مؤسسات الدولة القطرية السياسية والاقتصادية والإدارية وغيرها فهو يجسد رؤى أبناء المجتمع ويحولها إلى واقع يساهمون هم أنفسهم بتحقيقه .

وأخيراً ثمةأيديولوجيا ،تقدم منهجاً لحياة القطريين ، تطورت عبر الزمن بشكل مثير ، لتتبلور في نهاية المطاف في منهج بديع يسيّر حياة أبناء المجتمع في جو من الهدوء والثقة والدعة ،وتتجلى في ذلك المنهج قسمات تمتزج فيها الثقافتان العربية والإسلامية .

يتماس مع مفردات هذاالركن دلالة قيمية تُستمد من رمزية رأس النظام السياسي ، أي الحاكم ،ذلك الرجل الذي يضفي على النظام بالكامل مسحة أخلاقية تتوزع على بعدين أحدهما فكري والآخر سلوكي ، جعلت أمير البلاد قريباً من الناس مهموماً بشئونهم ، دافعاً النظام السياسي للقيام بدوره كخادم للمجتمع ، ما كان له أكبر الأثر في تلاشي المشاكل المزمنة في الدولة القطرية ، ثم في ترسيخ الركن القيمي في تلك الدولة بوصفها دولة رشيدة .

ثالثاً : الركن المادي في دولة قطر الرشيدة :

أ ـ الثروة الطبيعية والتقدم الاقتصادي : دولة قطر ليست متعددة الموارد ، فهي لا تملك إلا مصدراً واحداً للثروة وهو النفط والغاز الطبيعي ، إلا أن هذه الدولة تملك اقتصاداً قوياً جعل دخل الفرد فيها هو أعلى دخل في العالم ، كما لا يعاني هذا الاقتصاد من أية اختلالات هيكلية أو سطحية ، والسبب المباشر وراء ذلك هو الاستثمار الذكي والحقيقي والشفاف لموارد النفط والغاز ، وهذا الاستثمار الطموح جعل قطر تحتكر منظومة من أضخم كارتلات انتاج البتروكيماويات وأكثرها تقدماً في العالم ، وكانت النتيجة النهائية هي النمو الاقتصادي المتواصل ، وتراكم الفوائض في ميزاني التجارة والمدفوعات ، وتناثرت الاستثمارات والودائع النقدية القطرية الضخمة في جميع أنحاء العالم ، واقترن بذلك أيضاً المعونات والمساعدات التي اعتادت قطر أن تقدمها في كافة المناسبات .

ب ـ الموارد البشرية : لقد كانت محدودية عدد السكان في قطر متوائمة مع مساحة إقليم الدولة ، ولكن هذه المحدودية في ذات الوقت ، هيأت الفرصة لاستجلاب عناصر بشرية أجنبية ، ما كان له أثر غير محمود في نقاء النسيج الاجتماعي ، وفي التأثير على البنية الديموجرافية للدولة في اتجاه قد لا يلتقي مع أهداف الدولة الرشيدة .

أما بالنسبة إلى الشعب القطري ، فهو يتماهى مع دولته من خلال علاقة تفاعل بديعة مع الدولة بأركانها المختلفة ، أساس هذه العلاقة هو إحساس وشعور المواطن بأنه يملك هذه الدولة ، وهي من جهتها تيقن أن كل مواطنيها أبناؤها ، ومن ثم نشأت علاقة ولاء وطاعة لا نظير لها .

كذلك فالشعب القطري يلقى كل رعاية واهتمام من أولياء أموره ، يستشعر أنهم جزء منه ، وأنه أساس وجودهم ، ويعتبر الشعب القطري من أطيب الشعوب العربية ، ويحتضن هذا الشعب مزيجاً ثقافياً بديعاً يجمع العروبة والإسلام في ثقافة هادئة سلسة تتسم بالأصالة والمعاصرة ، وشكل الشعب القطري وفق هذا الوصف مجتمعاً تسوده قيم رفيعة ومبادئ فعالة ، بثت فيه سمات التجانس والانسجام والسلام والتلاقي عبر المشترك العام .

رابعاً : الركن النظمي الهيكلي في دولة قطر الرشيدة :

تعرف دولة قطر الدستور العرفي ، الذي تعارف عليه الشعب القطري منذ زمن طويل ، وقد أسسس هذا الدستور لنظام سياسي تطور عبر الزمن ، ليستقر في شكله الحالي ، والسلطات في هذا النظام قد تكون متوازنة الثقل والتأثير ، وتتسم علاقاتها بالسلاسة والتفاعل الهادئ المتواتر ، وكان من شأن التوافق في علاقات السلطات السياسية في النظام السياسي في قطر أن يتفادي المشاكل والأزمات .

ويقوم أمير البلاد بدور مهم في الحفاظ على علاقات السلطات السياسية ببعضها ، وكذلك في الحفاظ على العلاقة الحيوية بين الشعب والنظام السياسي .

وتتسم المؤسسات الاقتصادية والإدارية في قطر بالعصرية والتقدم الفكري والتقني ، فهي تضارع أرقى المؤسسات العالمية تنظيماً وإدارة .

كذلك تحتضن أرض قطر عدداً كبيراً من مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية ذات السمعة العالمية متعددة النشاط ، التي انخرط فيها الشعب القطري وانتشر من خلالها في أعمال شرفته وشرفت العروبة والإسلام .

لقد بدا الركن النظمي الهيكلي في دولة قطر الرشيدة متماسكاً قوياً ، وكان لذلك دوره المهم في تمتين أسس صرح هذه الدولة .

خامساً : الوظيفة الإتصالية في دولة قطر الرشيدة :

من شأن هذا الركن المهم أن يبرز دولة قطر في المجتمع الدولي أشخاصاً وأفعالاً ، فالوظيفة الاتصالية لدولة قطر تعني عملية التواصل الفكري والثقافي والحضاري والتفاعل الإنساني بينها وبين العالم الخارجي .

وهذه الوظيفة عملية متكاملة تفترض قيام شبكة من العلاقات والتفاعل بين قطر والعالم الخارجي ، فهي ليست حالة وقتية أو عرض زائل ولكنها عملية لها طابع الدوام والاستمرارية .

والوظيفة الاتصالية تفترض قيام تواصل فكري وحضاري وتفاعل إنساني ، وذلك يعني امتلاك قطر القدرة على العطاء والتفاعل ، واكتساب خاصية الفرز والتمييز بين المتداول والشائع من الأفكار وانتقاء ما هو سوي صالح .

كما أن هذه الوظيفة الاتصالية قد توجه إلى الدول الإسلامية أو الأقليات الإسلامية داخل الدول غير الإسلامية ، وقد توجه كذلك إلى دول وحضارات غير إسلامية .

وعليه فالوظيفة الاتصالية لدولة قطر الرشيدة تنطلق من منطلقات ثابتة واضحة ، وتهدف إلى تحقيق أهداف معروفة ومحددة سلفاً ، وتتمثل أهداف الوظيفة الاتصالية لدولة قطر الرشيدة في الآتي :

* الدعوة إلى دين الله :أول أهداف الوظيفة الاتصالية لدولة قطر ، كما تستشف من مجمل سياستها الخارجيةهو الدعوة إلى دين الله ، فدولة قطر في سياستها الخارجية لا تغفل عن الدعوة إلى دين الله .

* إبراز القيم الإسلامية : كذلك تهدف الوظيفة الاتصالية لدولة قطر إلى إبراز ونشر القيم الإسلامية ، ويعد هذا الهدف غاية في الأهمية والحساسية ، ولتحقيق هذا الهدف جملة من الممارسات يتمثل أهمها في الآتي :

– نشر وإصدار وترجمة المؤلفات الإسلامية التي تتناول موقف الإسلام من القضايا المعاصرة ، وكذا الفكر الإسلامي المعاصر تجاه القضايا السياسية والاقتصادية والفكرية ، وكذا المؤلفات التي تحمل تطبيقات ونماذج الطرح الإسلامي في مجالات السياسة والحكم واستراتيجيات الإنماء الاقتصادي والتكافل الاجتماعي .

– الاشتراك في المؤتمرات والندوات والمنتديات العالمية من خلال باحثين ومفكرين ثقاة في مجال الدراسات والفكر الإسلامي ، لتقديم الطرح الإسلامي تجاه المستجدات والتطورات ، وتعد هذه اللقاءات فرصة طيبة لشرح منطق الإسلام الثقافي ورسالته الإنسانية في التعامل مع تلك المستجدات والتطورات .

– عقد الندوات والمؤتمرات والمنتديات العالمية خصيصاً لإطلاع رواد الفكر وصانعيه ، وأعلام الحركة وقياداتها على الطروحات الإسلامية والمساهمات الفكرية في شتى المجالات ، واستطلاع آراء المشاركين لتصحيح الخاطئ منها وتزكية الصائب .

– إقامة المراكز الإسلامية التي تكون بمثابة المنارات لنشر الإشعاع الفكري الإسلامي في جميع أنحاء العالم ، وتكثيف الضوء على القيم الإسلامية في الفكر والسلوك ، وشرح التجارب والتطبيقات النظمية الإسلامية .

– إقامة جامعات ومعاهد ومراكز للبحوث والدراسات الإسلامية ،لتدريس العلوم الدينية ، واستقبال كافة الدارسين من جميع أنحاء العالم ومن كافة الثقافات والجنسيات والديانات ، وكذا إجراء الدراسات والبحوث التي تهتم بإبراز منطق الإسلام في التعامل مع القضايا المعاصرة .

* الاحتكاك بالحضارات الأخرى : تقدم دولة قطر الرشيدة نموذجاً لكون احتكاك الدولة الإسلامية بالحضارات الأخرى قد أصبح حتمية تفرضها ظروف العصر وتطورات الواقع ، فلا يعقل أن تعيش دولة في عزلة عن العالم بمستجداته ومتغيراته ، كذلك فحتمية الاحتكاك بالمفهوم السابق مهمة في ذات الوقت للدولة الإسلامية لتحقيق أهدافها وإحراز غاياتها .

* استقطاب ما يفيد المجتمع الإسلامي من الحضارات الأخرى :تتعامل دولة قطر الرشيدة مع العالم الخارجي وتتفاعل مع الحضارات والثقافات المختلفة بحنكة ودراية نابعة من حنكة ودراية القائمين على شئون تلك الدولة ، ويرتكز هذا التعامل على قاعدة أساسية وركيزة رئيسية ، هي استقطاب ما يفيد المجتمع الإسلامي من الحضارات الأخرى ، وهذه القاعدة تفترض امتلاك الدولة الإسلامية لأدوات وآليات خاصة بالفرز والتمييز بين المبادئ المفيدة والأخرى التي لا تصلح للتعايش مع المجتمع الإسلامي .

لقد تدرج السلوك القطري للقيام بالوظيفة الاتصالية عبر منطلقات ومديات متتابعة ، بدأت من إقليم مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، ثم الإقليم العربي ، فالإقليم الإسلامي ، فالمنظمات الدولية الإقليمية والعالمية ، السياسية والنوعية المتخصصة ، فالعالم أجمع ، واتسم ذلك السلوك بالريادة ، والقدرة على التأثير ، وبالفعل جاء ذلك السلوك فعالاً ، وجاءت نتائجه ناجعة ، وحققت قطر الرشيدة ما يفخر به العربي والمسلم ، سلوكات رشيدة ، وتحركات مخططة ، ومواقف مشرفة ، تتواءم مع نموذج الدولة الرشيدة .. صغيرة الحجم .. كبيرة الأشخاص والأفعال ، فهنيئاً لنا بقطر النموذج ، وهنيئاً لقطر نجاحاتها للعرب وللإسلام وللإنسانية ، ولكننا لا زلنا ننتظر المزيد .

[1] سورة النحل : 97 .

د. بسيوني الخولي

About د. بسيوني الخولي

مصريحاصل على درجة دكتور الفلسفة في العلوم السياسية بمرتبة الشرف الأولى من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة الفاهرة 1989م ، ودرجة الأستاذية ، عمل بمعظم الجامعات العربية ، له أكثر من سبعين مؤلفاً ، وأكثر من مئتي بحثاً ، مؤلِّف موسوعة "الدرر الزاهرة في الأصالة المعاصرة" في 56 كتاباً ، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات العربية والعالمية ، عمل في مناصب استشارية عديدة ، تلقى شهادات تقدير من الجهات التي عمل بها .البريد الإليكتروني : [email protected]تليفون : +201094332499