عشر سنوات على الانقسام المجتمعي الفلسطيني في قطاع غزة، عشرة سنوات قسمت المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة بين مؤيد لحركة حماس ومؤيد لحركة فتح، انقسام انعكس على كل مناحي الحياة، حتى على حالات الزواج، والمشاركة في المناسبات، فانشق المجتمع على نفسه بشكل وحشي، وهذا ما لم تشعر به الضفة الغربية، التي لم تعرف الانقسام المجتمعي.

عشر سنوات من الانقسام المجتمعي الذي يعتبر أقسى وأصعب على المواطن في قطاع غزة من الانقسام السياسي، لأن اختلاف الرؤية السياسية مرتبط بأحزاب وتنظيمات ومجموعات تلتقي وتفترق، أما الانقسام المجتمعي فإنه يرتبط بالمواطن البسيط نفسه، الذي صار يقيس المسافة من بيته إلى مكان عمله بما يتوافق وانتمائه السياسي، حتى ضاقت عليه الرؤية، فصار الصديق عدواً، وصار الجار متلصصاً، وصار الخصم السياسي عميلاً.

عشر سنوات من الفرقة المجتمعية تفرض على كل تنظيم أن يراجع التجربة، وأن يقف موقف المدقق بتفاصيل الأحداث، وكيف تطورت المواجهات بين التنظيمات حتى وصلت إلى هذه الحد من الانفلات الأمني، وإطلاق النار والقتل والتصفية والانتقام بشكل يتنافى مع ديننا الإسلامي، واخلاقنا العربية.

قبل عشر سنوات، سألني مراسل فضائية الأقصى: ما رأيك بالأحداث التي تجري على أرض غزة، وماذا تقول عن الحسم العسكري؟

قلت في ذلك اللقاء: كان يجب أن تحسم الحالة الفلسطينية لطرف دون الآخر، كان يجب أن تنتهي الثنائية والتشظي، وأن نخرج كمجتمع فلسطيني من تلك الحالة الرهيبة التي صار فيها المواطن غير آمن على بيته وماله وعرضه ووطنه، وصارت المؤسسات الفلسطينية مستباحة، وصار المال العام نهباً لأطماع المجموعات المسلحة، التي وتكاثرت وتوالدت بشكل اختلط فيه الحابل بالنابل، وتعددت أسماء المجموعات المسلحة حتى صارت أكثر عدداً من أسماء عائلات غزة، وصار الاحتماء بالجهاز والتنظيم والعائلة بديلاً عن الاحتماء بسلطة مركزية واحدة، فقد هيبتها، وتمزقت في ولائها بين هذه المجموعة وذاك الجهاز، وهذا التنظيم وتلك المؤسسة.

فما أروع الحسم من الناحية الأمنية في حينه! لقد أخرج الحسم العسكري سنة 2007 مجتمعنا الفلسطيني من حالة الاقتتال الداخلي الرهيبة، والحواجز الوهمية، والاعتداءات الشخصية، ووضع غزة بكل سكانها على قاطرة الاستقرار الأمني؛ الذي استمر من ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.

وما أسوأ نتائج الحسم سياسياً! إذ وظف السيد محمود عباس الحسم العسكري للتخلص من غزة وسكانها، وتنظيماتها، وشخصياتها، واستبد بالقرار السياسي الفلسطيني، وراح يعقد اللقاءات والمؤتمرات والمفاوضات مع الإسرائيليين وفق هواه، عشر سنوات تراجع فيها منسوب الوطنية، وتضاءل التعاضد بين الناس، وارتفع منسوب التخوين والشك، وانهزمت الأخلاق، وتاهت الثقة في شوارع رام الله، وهي تغمض عينها عن الانقسام، وتنام هانئة في فراش التنسيق الأمني.

اليوم تصحو غزة من غفوتها، وتنهض من كبوتها، وتدرك أنها الأجدر على ترميم جرحها، وهي الأقدر على معالجة نفسها، لذلك كانت لقاءات القاهرة خطوة في الاتجاه الصحيح، ولاسيما أن الشخصيات القيادية التي التقت في القاهرة هي نفسها التي كانت تتصارع في ميادين غزة، وكانت وقود المرحلة، ليدرك الجميع أن القوة تكمن في تجاوز المرحلة، والانتباه إلى مستقبل الشعب الفلسطيني؛ الذي يرى أن المصالحة المجتمعية هي المقدمة للمصالحة السياسية، ليقف الجميع صفاً واحداً في مواجهة المحتل للأرض الفلسطينية، والمحتل للقرار السياسي الفلسطيني .