بدأ رمضان بعد الانقلاب العسكري المصري بأسبوع واحد؛ إذ أعلن “عبدالفتاح السيسي” البيان بحضور رموز من الدولة في يوم 3 من يوليو/تموز ليبدأ الشهر الفضيل في الأسبوع التالي مباشرة.

    ولستُ، هنا، في معرض تذكر “الأمور الجميلة” التي رعت نفسي في ميدان “رابعة العدوية”، ولم أرعها، ولا مقدار “آلام الروح” لما تلا ذلك من احداث مريرة، كم أن الآلام تمنع القلم بقسوة من مجرد تذكرها، ولكن لله في تدبير كونه شئون وشجون، وكم تمنينا أن تُكتب لبلدنا، قلب الأمة، صفحة جديدة من خير، فوقفت ضد الأماني ومحاولات تنفيذها قوى للشر لم تكن في حسبان ملايين الشرفاء في مصر، لا “جماعة الإخوان” فحسب، أن تقف على هذا النحو، فضلًا عن عدم الإدراك الكامل، أو إحسان الوعي والتخطيط والتنفيذ من قيادات الجماعة.

     وفي النهاية يجب أن نقر بأن الله لم يكن قد أذن بعد، ويبقى السؤال المرير: حينما يقلب صاحب الكلمات صفحة ذكريات رابعة العدوية .. الميدان المصري الأشهر .. الذي حمل واحتمل إجرامًا وحدثًا غير مسبوق في تاريخ مصر، لا أبالغ إذا ما قلتُ أن أثره سيبقى ويمتد لعشرات السنوات إن لم يكن أكثر، وأن جراحه ستظل تنزف طويلًا لأجيال قادمة في مصر والأمة الإسلامية، هل تكتحل العينين برؤية فرج للأمة في مصر ثانية؟ أو أن يعود إليّ شهر رمضان بالفرحة في شهر الصيف ثالثة؟!

    عاصرتُ شهر رمضان المبارك في بداية العمر في شهر الصيف، ثم دارت الأيام أكثر من 20 عاماً حتى عاد الشهر في نهاية رحلة التعليم الجامعي؛ لأشهد فيه أفراحًا للروح شكلت الوعي وما تزال، من تهنئة المصريين من مسيحيين ومسلمين لبعضهم البعض، وأنفاس الشهر الكريم إذ تعبق مصر، و”النَّصبة” أو الدائرة الطينية المبنية بالطوب النيء لاستقبال طهي الكنافة والقطائف، وزينة المساجد، وتلألأ المآذن من بلادي في عمق الصعيد حتى القاهرة، والشباب الغض وهو يوزع التمر لحظة الإفطار حتى على المسيحيين والقساوسة، والفوانيس وإذاعة “القرآن الكريم”، وتكثيف أحاديث “الشيخ الشعراوي” يوميًا بها وبالقناة الأولى، ثم ظهور مَنْ سُمَوا بالدعاة الجدد بخاصة “عمرو خالد”، وتكاثر مسلسلات رمضان..

    كانت الآلام في عصر “حسني مبارك” مقدمة لآلام أفظع في عصر “السيسي”، وكنتُ أرقب رمضان وأبي، رحمه الله، الشيخ المُعمم خريج أصول الدين، وهو يودع الحياة على أثر “تليف الكبد” والإهمال الطبي في بلادي، ثم رحتُ أرقبه وقد أبعدني الأمن ضمن زمرة عن عملنا الإعلامي؛ وهددنا بالاعتقال وما هو أكثر إن تنفسنا لا اعتراضنا، وذلك لكلمة حق كتبناها في “مبارك”، ثم رحتُ أرقب تنامي المسلسلات الدرامية والخروج عن المعهود في بلادي من مشاهد الاغتصاب المُطولة، وانبراء بعض الكُتّاب متعرضين للإسلام في الشهر الفضيل سواء عبر نصوص مكتوبة أو تمثيلية، كما كنتُ استقصي الاعتقالات خلاله للشرفاء بنفس مؤرقة.

    لكن في المقابل كانت المساجد مفتوحة نادرًا ما تغلق، ومكبرات الصوت مشرعة لمن يصلي خارجها، و”مبارك” كنز إسرائيل الاستراتيجي كان يراعي البلد التي يظنها جوادًا مستقرًا أسفل ظهره، فكان يكتفي بالتبجح في معاملة الشرفاء، يقبض على البعض ليصمت الآخرون، ويقتل فلا يُكثر، وكفى الذين يلقون ربهم جراء الأمراض والإهمال الطبي..!

   وجاء رمضان 1434 هـ ـ 2013 م ليجسد المقولة: “رب يوم بكيت فيه فلما صرت في غيره بكيت عليه”، كنت من الملايين التي اكتظ بهم ميدان رابعة في الجمعة التالية على الإنقلاب والسابقة لشهر رمضان، وصباحها رأيتُ رجلًا بمعنى الكلمة يقف أمام قوات الجيش عند أحد مداخل الميدان شاهرًا “المصحف” في يمينه، وصارخًا في جلبابه البلدي الواسع والصديري أسفله، علامة لباس الصعايدة:

ـ الشعب جايلك يا سيسي .. واجه الشعب يا خاين .. لا إله إلا الله.. !

   قبلت رأسه ولم يكن غيري وغيره في تلك اللحظة أمام جموع الأمن وقلت له لا تضع نفسك أبق عليها .. فقال لي:

ـ إنما إضاعتها أن أمضي معك .. دعني .. لن استطيع ..!

   ليت شعري أين ذهبت الأيام به.

   قبل الشهر بساعات كانت مجزرة “الحرس الجمهوري” الثانية، وكنتُ وزوجي وصديق نغادر أمام مبنى الحرس عند الواحدة صباحًا، لأرى ما يشبه الطوب ملفوفًا في حصر الصلاة فقلتُ لزوجي عن تخيلي فقالت:

ـ بل هن ثائرات من الأقاليم سينمن في الشارع وهذا أفضل حل لسترهن أن يتغطين من أخمص القدم حتى أعلى الحجاب.

وصباحًا أعملت قوات الأمن القتل فيهن وفي الرجال .. ألا رحمهم الله.

    لم أكن أعرف أن في رمضان صيف أقسى من صيف وفاة أبي، ووفاة عمتي جراء سرطان من تأثير سموم السماد الإسرائيلي التي بثها “يوسف والي” في تربة بلادي، ومن رمضان استبعادي من عملي سيوافيني..

   كانت الأحداث تتصارع ذاهبة بتالق الروح وشعورها بأفضل ما في العام “رمضان”، أدخل الميدان في القيظ صائمًا وزوجي فيروح الفضلاء يرشون وجوهنا برذاذ المياه المثلجة رجالًا للرجال، ونساء للنساء، وعقب أحداث المنصة في 28 من يوليو/تموز كانوا يرددون الأهازيج:

ـ أهلًا .. أهلًا بالثوار .. مرحب مرحب بالأحرار..

    وفي الداخل عالم آخر من النقاء، تتعب فتجلس في خيمة .. أهل لك لم تعرفهم من البحيرة أو الشرقية أو المنوفية يستضيفونك على الإفطار وزوجك بلا مقابل .. وتسمر النساء وكانهن يعرفن بعضهن منذ عشرات الأعوام، أما عند المنصة فلا شيء يضيع إلا وتجده في الأمانات، وأحد باعة للمأكولات عليهم زحام والجميع يصمم أن يعطيه حقه لكنه يصيح:

ـ إنني واثق من أمانتكم .. واحد واحد وسيصلني حقي..!

    وأحد أصحاب محلات الزهور كان يجعل الدخول لدورة المياه الخاصة بمحله بجنيه فانشغل عن الإفطار.. فلقيه ملتح فأهداه وجبة قائلًا:

ـ أنت لم تفطر..

    والرجل كان يبكي بعدها قائلًا:

ـ لا أدري كيف عرف..!

   لا حالة تحرش واحدة، ولا مشاجرة، ولا ضياع لشيء، ومستشفى على أعلى مستوى، وقرب ودفء وتواصل إنساني لا حدود لهما، صليتُ التراويح لليوم الثاني في حارة جانبية قرب شباب يمزحون ويدخنون وعقب انتهائها اعتذر لي أحدهم لأنهم لا يصلون وقبّل رأسي .. فقبلت رأسه فقال:

ـ إنني على الطريق معك وخلفك .. أدع الله لي لأكون إلى جوارك..

    فكدتُ أبكي شجنًا..

    قال لي رئيس تحرير موقع مصري حر إنه لا يأسى لشيء إلا للافتئات على الإخوان والشرفاء لما ظهرت كذبة “جهاد النكاح”.

    يوم الجمعة كنتُ ألقى النساء على الطريق، ومثلي في سيارة أجرة جماعية، في الهجير لا يجدن مواصلة تنقلهن إلى الميدان، وعند عودتي كنتُ أجد كثيرات من الفقيرات المُدقعات معهن أحزمة، في أكياس عملاقة، من الوجبات ينزلن بها في الدويقة وغيرها من الأحياء الشعبية فأحمد الله رغم ألمي من خطاب المنصة والمبالغات الإعلامية .. وما أراه من عدم القدرة على مسايرة الحدث الإنقلابي..!

   قال لي شاب من “حرس ميدان رابعة” لما أردتُ الذهاب لبيتي في إحدى الليالي لأباشر عملي وأعود:

ـ لا تغب لكيلا “يستفردوا بي” فأموت..!

   وقال لي سائق سيارة أجرة جماعية أردتُ العودة معه ذات ليلة قرب السحور، وكان يلف السجائر بالحشيش المخدر:

ـ مشكلتكم أنكم منعتم عنا المخدرات..

   وكم من علماء وأفاضل في مجالات عدة منها السينمائي لقيتهم هناك؟ وكم فقدت الأمة من أفذاذ في “رابعة العدوية” لا مصر فقط؟ وأحسب أن عمر البهجة بالحياة والقدرة على التواصل معها كما ينبغي، ذهب مع مضي ميدان رابعة العدوية لا من صاحب الكلمات بل من أجيال كاملة!

   لم يعد شهر رمضان كما كان، ولم تعد النفس كما كانت.. اللهم فرج وأعن وهون!