“سوق وسط مدينة الذي دائما في هذه الأيام يكون مزدحما، وتنتشر به في كل مكان، وتظل مضاءة خلال شهر لم يعد كما كان، بل أصبح كالشخص ذو المعدة الفارغة”.. هكذا بدأ موقع “ميدل إيست آي” تقريره.

 

وأضاف الموقع البريطاني في تقرير ترجمته وطن أن حميدة حسين، ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، لا تعرف اليوم كيف يمكنها تقديم أطباق مختلفة على مائدة الفطار كل مساء لتكافئ عائلتها بعد يوم صوم طويل؟

 

وتقول: إنها صعبة جدا بالنسبة لنا، نحن نحاول أن نعيش مع ما لدينا اليوم، لكني قبل ذلك كنت اشتري الكثير والآن لا أستطيع تحمل النفقات بعد ارتفاع .

 

التي أكلت نفسها

وفي أبريل الماضي ارتفع معدل التضخم السنوي في بنسبة 33 في المائة، بزيادة تجاوزت 44 في المائة للسلع الغذائية، خاصة وأنه شهدت زيادات غير مسبوقة في الأسعار منذ أن اتخذت السلطات قرار تعويم الجنيه المصري نوفمبر الماضي، كجزء من خطة إصلاح مرتبطة بقرض الدولي بقيمة 12 مليار دولار، وبالتالي يواجه المصريون واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية في تاريخ بلادهم اليوم.

 

يقول عمرو عدلي، خبير اقتصادي وباحث زائر في مركز كارنيغي للشرق الأوسط: الأزمة الحالية سيئة للغاية ومعدلات التضخم بما فيها المعدلات الرسمية، هي الأعلى منذ أواخر الثمانينات والركود قد امتد لمدة خمس أو ست سنوات الآن، وهذه أسوأ أزمة اقتصادية تواجه هذا الجيل من المصريين.

 

وتراجع الجنيه المصري الذي كان يتداول بسعر رسمي قدره 8.8 لكل دولار، والآن يتم تداول الدولار الأمريكي بأكثر من 18 جنيها مصريا، وكان تأثير ذلك شديدا، حتى أصبح المواطن يدور في حلقة مفرغة.

 

وخلال الشهر الفضيل، الإنفاق الاستهلاكي يبلغ ذروته كما هو معلوم للجميع، ولكن خلال هذا العام الأسعار ارتفعت بشكل لا يطاق، ووفقا لأرقام البنك المركزي المصري، ارتفعت أسعار الخضار والفواكه الطازجة بنسبة 7.5٪  خلال الشهر الماضي. وزادت اللحوم الحمراء بنسبة 4 في المائة تقريبا، والأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 8 في المائة، إلى جانب الحليب والجبن وغيرها من السلع.

 

“نحن نواجه أحلك الأيام التي لم نر مثلها من قبل”، هكذا تقول امرأة عجوز جالسة في ركن الشارع مع بضاعتها، مضيفة: لا يمكننا بيع أي شيء، فهذه البطاطس التي أمامي أبيع فيها منذ خمسة أيام لكنني لا أستطيع بيعها ولا أستطيع إطعام أطفالي.

 

وعلاوة على ذلك، يقول محمود حازم، بائع الدجاج، إن إيراداته قد انخفضت أيضا: أنا لا أبيع ربع ما كنت أبيعه في الماضي، لقد كنت من قبل أتمكن من بيع 10 دجاجات في اليوم، والآن بالكاد أبيع ثلاثة، لقد أصبحت أكثر تكلفة بسبب التضخم، خاصة خلال شهر رمضان.

 

ويوضح أحمد صلاح، 25 سنة، أن والدته كانت تستخدم الأشهر التي تسبق شهر رمضان لتخزيين الفاكهة لاستخدامها كمشروبات خلال الشه الفضيل، قائلا: كان لدينا فريزر مملوء بالثمار فقط، تتنوع به الفاكهة من مانجو وجوافة وغيرها من الثمار الصالحة لعمل العصير، لكن والدته هذا العام قررت شراء أكياس صغيرة من عصير الفاكهة الصناعية.

 

المكسرات ترفا

خلال الأشهر القليلة الماضية، اضطر العديد من المصريين إلى تغيير عاداتهم الغذائية لمحاربة أسعار الغذاء المرتفعة، حيث يقول أحمد صفوت، وهو جزار: إن البالغين مستعدون للتخلي عن أنواع معينة من الأطعمة، مثل البروتينات الحيوانية، لأنه علينا أن نطعم أطفالنا أولا، فالبروتينات الجيدة مهمة خاصة لنمو الأطفال، وإذا لم يأكلوها، لا تنمو أجسامهم بشكل جيد.

 

“وأضاف صفوت: لقد أصبح الدجاج بديلا للأسماك واللحوم ولكنه مكلف جدا أيضا، فقبل تعويم الجنيه كان سعر اللحم 48 جنيها للكيلو الواحد، ولكنه الآن 68 جنيها، وكان الدجاج بنحو 28 جنيها مصريا، والآن أصبح 36 جنيها، والدجاج المجمد قد زاد خلال الأشهر الستة الماضية من 28 جنيها إلى 40 جنيها.

 

“كل شيء أصبح مكلفا للغاية، ونحن لا يمكننا شراء الكثير بعد الآن”، هكذا يقول رجل كبير السن يتجول في أزقة السوق، هذا العام لن أكون قادرا على شراء الفواكه المجففة والمكسرات، خاصة وأن الكاجو هو الأكثر ارتفاعا هذا العام، فالكيلو جرام يبلغ ثمنه أكثر من 400 جنيها.

 

أصبحت المكسرات ترفا، ولكن جميع الأسعار قفزت إلى حد مثير للقلق. وتضاعف سعر الأرز، مما اضطر الناس لتناول الخبز بدلا من ذلك. وبعض المخابز تبيع الآن بضعف السعر.

 

إنها ظاهرة تسلط الضوء على شعور المصريين بآلام الإصلاحات. ويظهر ذلك أيضا كيف قدم برنامج الخبز المدعوم الحكومي حماية حيوية ضد الجوع ومنع حدوث انفجار اجتماعي، وفي نهاية مارس الماضي على سبيل المثال، قام آلاف المتظاهرين بإغلاق الطرق حول المخابز التابعة للدولة في العديد من المدن، احتجاجا على قرار الحكومة بتخفيض كمية الخبز المدعوم الذي يمكن لكل أسرة شرائه.

 

متنفس من الهواء

وتعتبر مصر مستورد للأغذية، حيث تشكل الاعتمادات والوقود أكثر من خمس فاتورة الواردات في البلاد، ويغطي الدعم الغذائي بعض السلع من خلال نظام النقاط. كما أدخلت الحكومة ضريبة القيمة المضافة، التي تطبق على دعم الوقود لتطبيق الإصلاحات التي تم تأجيلها لعقود، خوفا من أن تؤدي إلى اضطراب اجتماعي.

 

هذا ليس كل شئ، فمع 1 يوليو المقبل ،بداية السنة المالية الجديدة في مصر، ستتحمل البلاد ارتفاعا آخر في الأسعار بسبب مطالب صندوق النقد الدولي، ووفقا لشروط الاتفاق، تحتاج مصر إلى خفض دعمها للطاقة من 1.75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 0.5 في المئة بحلول 1 يوليو للحصول على الجزء الثاني من القرض.

 

يعيش نحو 27 مليون من سكان مصر البالغ عددهم 93 مليون نسمة تحت خط الفقر، ورغم تعهد الرئيس عبد الفتاح بتخفيض الغضب، واتخاذ تدابير اقتصادية بما في ذلك الإعفاءات الضريبية خلال الشهر الفضيل، إلا أن ذلك لم يحدث.

 

الركود يطيل المشاكل

وقال طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري مؤخرا، إن الأزمة المالية في مصر قد انتهت، مشيرا إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017 قد قفز بشكل كبير مقارنة بعام 2016، وسوف تنخفض الأسعار في عام 2018.

 

ووعد بانخفاض الأسعار والعودة إلى معدلها الطبيعي الذي كانت عليه قبل التعويم في غضون أسبوعين، لكن كل هذا لم يحدث. ويقول عمرو عدلي: عندما اعتمدت الحكومة حزمة صندوق النقد الدولي قبل سبعة أشهر، كان الاقتصاد المصري يعاني من مزيج من النمو المنخفض والتضخم المرتفع، وهذا الوضع لم يتغير.

 

ويضيف عدلي: إنه إذا كان هناك أي شيء قد تغير، فقد تعمق الركود مع ارتفاع التضخم بشكل كبير بعد تعويم الجنيه، ولكن معدلات النمو لم ترتفع حيث تعتمد الصناعات التحويلية والزراعية والخدمية على الواردات من المواد الخام، وبالتالي شهدت زيادة في التكاليف، وبالتالي الأزمة لم تنته بعد.

 

ويتوقع أن تزداد الأوضاع سوءا على المدى القصير، خاصة وأن مؤشرات الاقتصاد الكلي تظهر علامات استقرار مثل سعر الصرف، ولكن التضخم مرتفع والمالية العامة ليست تحت السيطرة.

 

وتقول حميدة حسين: إذا استطعنا الحصول على بعض المساعدة، سيكون أمرا رائعا، ولكن إذا لم يكن الأمر كذلك، فإننا سوف ندير الأمور على أي حال، وآمل فقط أن أكون قادرة على شراء بعض الهدايا لأطفالي في العيد.

 


Also published on Medium.