بقلم: محمد صلاح

منذ أيام، نشر المفكر العربي ، عبر صفحته على فيسبوك، إشارةً حول اعتزاله العمل السياسي المباشر، وما نشره لم يكن خبرًا ولا تصريحًا، بل معلومةً للتأكيد على ما سبق وصرّح به علانيةً. مع ذلك، كان التعاطي مع تلك المعلومة يعكس عدة أمور، من بينها عدم معرفة من يهاجمونه بهِ، هم فقط يرددون كليشيهات مقتبسة من ماكينات إعلامية، أو يستخدمون لغة تهجم وصلتهم جاهزة من القائمين على وضع نصوص الكورال التي ترددها لجان مدربة على الانتشار مثل الدبابير عند كل أزمة بغرض تأجيجها أو التغطية على المؤامرات المستمرة لعرّابي الخراب والثورة المضادة في بلداننا العربية.

 

فعليًا، اعتزل صاحب “أن تكون عربيًا في أيامنا” العمل السياسي المباشر منذ سنوات؛ وقد مهد لذلك بشكل صريح منذ عامين في لقاء عبر برنامج “العربي اليوم”، وأكد ذلك صراحة في مارس الماضي حين صرح باعتزاله العمل السياسي المباشر لرغبته بالتركيز على العمل الفكري والبحثي. كان ذلك في لقاءٍ خاص على تلفزيون “العربي” في برنامج “وفي رواية أخرى”. ذكر ذلك، أيضًا، بالتفصيل في الحوار الخاص الذي أجراه معه الكاتب صقر أبو فخر وقد صدر أخيرًا في كتاب بعنوان “في نفي المنفى” تحدث فيه بشارة، عبر عدة فصول، عن حياته وبدايات عمله النضالي والسياسي وعلاقاته في الداخل والخارج، مرورًا بخروجه من المحتلة وانتقاله إلى الدوحة، ووصولًا إلى مشروعه الفكري والثقافي الذي يعمل عليه منذ سنوات؛ ويقدّم فيه نموذجًا جادًا في قراءة حراك الشعوب. يفسر ذلك استشعار أنظمة الثورة المضادة وشبيحتها للخطر؛ فكل من يتتبع محاضرات بشارة ومداخلاته الفكرية الجادة في ما يحدث في المنطقة، يعلم حتمًا سر التقارب بين الإرادة الإسرائيلية وبعض الأنظمة العربية، ومساعي الطرفين إلى تشويه الرجل ومشروعه النضالي الفكري.

 

من يجرب الدخول إلى الإنترنت للبحث عن الحجة المضادة لبشارة، لا يجد شيئًا، لا أحد من مهاجميه يقدم قراءة نقدية في نتاجه الفكري، ولا أحد منهم يفند حججه الفكرية ويرد عليها، فقد تجد التهم المتناقضة في ذاتها، فمن يهاجمونه بحجة أنه كان عضوًا في الكنيست، يزعمون أنه كان مقربًا من أيضًا، وبكل الأحوال هم يتجاهلون عمدًا أن الاحتلال الصهيوني يلاحقه. هذا التناقض لا يدل إلا على أن السردية الموجودة عند هؤلاء ما هي إلا سردية اعتباطيه تبنوها لأنهم يبحثون عن قربان لخرابهم ودمارهم في المنطقة.

 

في تتبع تناقضات شبيحة الأنظمة البائسة وعصاباتها الثقافوية، يمكن أن نأخذ مثالًا على ذلك مقال نشره موقع لفضائية ممولة من حكومة أبو ظبي، يبدأ كاتب المقال بطرح نفسه كذات معيارية ويصف إعجابه حين كان شابًا بشخصية بشارة، ثم ينقلنا لحججه التي دفعته لفقد ذلك الإعجاب، فتساؤله عن تقريب ياسر عرفات لنوابٍ عرب من الأراضي المحتلة بدلًا من بشارة كان واحدًا منها، رغم أن الكاتب “اليساري” يكتب في أكثر من موضع ناقدًا سلطة أوسلو، وهو ذات الموقف الذي جعل من بشارة على مسافة نقدية من قيادة السلطة الفلسطينية أيضًا، ويأخذ على بشارة –وهذا ما يدعو للاستغراب- أن المفكّر العربي أبدى إعجابه بشباب الثورة وقدم قراءة تحليلية ونقدية لبنية ثورات الربيع العربي وصيرورتها؛ والإرهاصات التي سبقتها من ممارسات الأنظمة العربية القديمة من فساد وفقر وانحسار في الحريات.

 

الأمثلة كثيرة على الكورال الواقف خلف أنظمة الثورات المضادة وأذرعها الإعلامية، وقد تصاعد صوت ذلك الكورال بعد الأزمة التي عصفت بالخليج العربي والأحداث الأخيرة التي تسارعت لتكشف مدى رعونة تلك الأنظمة، فالسعودية ومعها والبحرين، يلحق بهم نظام السيسي في ، ومن قبل افتعالهم للأزمة الدبلوماسية ضد ، لطالما أصروا على معاداة كل من هو في صف التحول الديمقراطي في المنطقة. لا يبدو هذا الاصطفاف غريبًا على تلك الدول إذا ما تتبعنا مواقفها من ثورات الربيع العربي والحريات والتحولات الديمقراطية.

 

وعلى ذكر الحرية والديمقراطية، عمل بشارة بعد خروجه من فلسطين المحتلة إلى منفاه، على تكثيف جهوده البحثية والفكرية؛ فقبل الثورات العربية، أصدر عدة كتب مهمة ومؤسِّسة، كان من بينها “المسألة العربيّة: مقدّمة لبيان ديمقراطيّ عربيّ” الذي يشكّل قاعدة معرفية لبناء حركة سياسية عربية ديمقراطية، بذل فيه بشارة جهدًا فكريًا للبحث في مسار الديمقراطية العربية عبر تفكيك مجموعة من الأفكار والقضايا المتعلقة بالمسألة القومية العربية ومفهوم الدولة والهوية، لتقديم رؤية كاملة حول مشكلات بناء الديمقراطية العربية. بعد إصداره لبيان ديمقراطي عربي، تساءل بشارة ما معنى “أن تكون عربيًا في أيامنا”؟ ويجيب على ذلك في كتابٍ يتألف من ثلاثة أقسام، ناقش فيها الفكر القومي والمواطنة الديمقراطية والمتغيرات الأميركية في نهاية مرحلة الرئيس الأميركي جورج بوش، والقضية الفلسطينية بأبعادها الداخلية والخارجية.

 

جاء الربيع العربي حاملًا معه بشائر التحول الديمقراطي إلى دولنا العربية، وقدم لنا عزمي بشارة في حينها “الثورة والقابلية للثورة” الذي ناقش فيه مفهوم الثورة معرفًا إياها: “الثورة، هي تلك اللحظة التاريخية التي تتحدى فيها إرادة الشعب الحرة نظام الهيمنة والسلطة، وأدوات السيطرة والتسلط، تلك اللحظة التي لا يبقى فيها الشعب مجازًا على ألسنة المثقفين، ورمزًا في أذهان نقاد الأنظمة، بل يصبح واقعًا فعليًا عينيًا نسبيًا، له لون وطعم ورائحة وعرق ودم يخرج في الثورة أفضل ما لديه في حضور الدولة، أو أسوأه، في حالة غيابها”، وناقش أيضًا إشكالية المثقف والثورة والمسافة النقدية التي على المثقف أن يتخذها من الثورة بعد الانضمام لها، واستشرف بشارة في كتابه أيضًا الثورات المضادة وفرّق بين الثورة على الثورة والانقلاب عليها.

 

استكمل بشارة مسيرته الفكرية والبحثية وقدم لنا “الثّورة التونسيّة المجيدة: تحليل بنية وصيرورة الثّورة من خلال يومياتها”، إضافة إلى “سورية: درب الآلم نحو الحرية.. محاولة في التاريخ الراهن” وصولًا إلى “الدين والعلمانية في سياق تاريخي” الكتاب ذو المجلدات الثلاث، الذي يعد مرجعًا ذاخرًا بأطروحاته حول تاريخ العلمانية والدين والتدين والحريات. وطبعًا، لا ننسى الكتاب الذي صدر أخيرًا، أيضًا، بجزأين، وهو “ثورة مصر.”

 

لم ينتهِ بشارة من إنتاجاته الفكرية ومجهوداته البحثية، لكنه لم يقف متفرجًا على الثورات العربية وهي تُلاحق وتقتل في مهدها. المفكر الذي قدم قراءة موضوعية في بنية الثورات العربية، ونقدًا تحليلًا عنها، بدأ سعيه خلال السنوات الماضية لتمكين الشباب العربي؛ وخلق منابر حرة تتسع لمقولاتهم وقضاياهم. كان ذلك مع تأسيسه “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” الذي لا يخفى على أحد دوره وأهميته في المجال البحثي، ولا سيما أن المركز يغطي بحثيًا معظم الدول العربية ويتطرق إلى مواضيع وقضايا جادة تهم منطقتنا ومجتمعاتنا العربية؛ ما جعل منه واحدًا من أهم المراكز البحثية عربيًا، وصولاً إلى تأسيس معهد الدوحة للدراسات العليا الذي يسعى بمسؤوليته الفكرية لخلق وعي نقدي لدى جيل جديد من المثقفين العرب الملتزمين تجاه مجتمعاتهم، وقد أتاح فرصة لمئات الشباب العرب للالتحاق به واستكمال دراساتهم البحثية.

 

إلى جانب ذلك، أسّس عزمي بشارة منابر إعلامية مثل موقع وصحيفة “العربي الجديد” التي ترتكز بالأساس على أن تكون منبرًا لكل صوت عربي يسعى نحو الديمقراطية والحرية، بالإضافة إلى تلفزيون “العربي”، ومن خلال تلك المشاريع التي عمل بشارة على تأسيسها؛ فتحت المساحة للشباب العربي لاستعادة الثقة في قدرتهم على التغيير، وخلق أمل متجدد عند الشعوب في سعيها نحو الديمقراطية بعد أن أطاحت أنظمة الثورات المضادة بآمالهم.

 

رغم جهد بشارة بتأسيس تلك المشاريع والمؤسسات الرائدة، لكنه لم يتوقف عن انشغاله الجاد بالعمل البحثي، فقد استمر بإصدار كتبه التي تركت أثرًا معرفيًا نوعيًا عن الجيل الحالي من القراء وتؤسس لقاعدة معرفية بديلة لتلك الغربية؛ حيث من عادته أن يشير في ندواته ولقاءاته إلى هذه المسألة: إلى متى سنظلّ نستعين بما وضعه الغرب من نظريات؟ لماذا لا نؤسّس نحن لنظرياتنا؟

 

يمكننا الآن أن نجد إجابة عن سؤال “لماذا هذا الهجوم على المفكر العربي عزمي بشارة؟”، فلم يعد خفيًا خوف وارتباك تلك الأنظمة من قوة تأثير الرجل معرفيًا وفكريًا وأخلاقيًا، ومساندة وحماية المشاريع الإعلامية التي أسسها للتحول الديمقراطي، بعد أن استخدمتها الأنظمة القديمة لعقود طويلة ضد الشعوب ووعيهم.

 


Also published on Medium.