يتسلل الحزن إلى قلبه المثقل بجراح لم تلتئم بعد، يُبحر في تيه من الضياع، ترحل روحه الى تلك البقعة حيث محطتهما البرزخية، إنه على بعد خطوات من قبرهما، مازال حتى هذه اللحظة يتذكر صورتهما التي لم تطويها الأيام والسنون، وكيف ذلك؟

وهما أبواب سعادته في الدنيا والآخرة  والنورالساكن في عينيه، يظل القلب شحاذا ببابهما يسأل نظرات عطف وكلمات حنان منهما.

هاهو يجمع ويتذكر كل شيئ

ذكريات محفورة في قلبه وعقله تأبى النسيات،

أحداث كثيرة تلحق ببعضها البعض، تغلبه الدموع والعبرات، يعتصره الألم كلما أراد الحديث عن أحدهما أو كلاهما، وكم مرة ومرة تردّد في الكتابة عنهما،

يستحيل اختزال ذلك في سطور، مشاعر كامنة بأعماق وجدانه لايمكن ترجمتها الى كلمات.

ثمة أشياء تعجز الألسنة والأقلام عن الافصاح بها، وكم تمنى لو جفّت محابر الكلم وأريق الصمت على الورق،

ومهما حاول ذلك،  لابد من خروج الكتابة عن اسلوبها النمطي، لاسيما أنه يتحدث ويكتب عن وصية “النبي الكريم عليه الصلاة والسلام”..  امك .. ثم امك.. تم امك.. ثم أبوك .

إنهم يسكنون ويرحلون معه أينما حلّ أو ارتحل،

لاتغيب صورهم وضحكاتهم وكلماتهم عنه ولن تغيب أبدا.

ًلم يكن يعلم أنها ستكون الليالي الأخيرة، ويكون الرحيل بلا رجوع، ولم يتوقع أن الساعات القادمة ستضعه على مفترق الفجيعة وبداية طريق الأحزان، بعد قضاء أيام وليال بجانبهما، يتنقل بين أبيه الممدد منذ سنوات على سرير المرض وامه في الجهة المقابلة التي أقعدها أيضاً  المرض فجأة لتكون رفيقة له في كل شيئ، هكذا كان العهد بينهما.

يُبدّل لها المصل الأخير مع شروق شمس يوم التاسع عشر من رمضان، ينظر اليها تارةً وإلى أبيه تارةً اخرى بعيون ذابلة تتمنى احتواء أوجاعهما وضمهما.

أيقظ اخته الكبرى لتستكمل العناية بهما ورعاية شؤونهما المتوزعة على باقي إخوته في البيت.

استلقى على جنبه واضعا رأسه جانب قدميها، ينام ويحلم في جنة طالما سمع مراراً وتكراراً عنها

” الجنة تحت أقدام الامهات ” وهل كثيراً عليها ذلك؟، وهي التي كانت تنكّسر اذا تعثُّر أحد اخوته بباب البيت تركض نحوه وتسمع منها كلمة (سلامتك يمّه).

آااه ما أحلاك، ما أجمل جبينك والخدين وكفيك ينام فيهما القمر، ما أروعك أمي،

ما أجمل المبيت عند قدميك.

اطمأن وتركها كعروسة فاتها أن تستيقظ من نومها، ولم يُخيّل إليه أنها الساعات الأخيرة، ولحظات الوداع الآتي، وأنها الغيبوبة التي تسبق الموت، أخذه النوم ولم يعي أن اخته توقظه بعد ساعات قليلة، لايصدق ماتقول، لا يعرف أين يتجه، ينظر الى ابيه ثم الى أمه،  تجمّدت يداه وتسمّرت رجلاه واخته تبكي وتشير إلى امه، يقترب منها وكأن رعشة الموت هي التي تسري فيه، أمسك بيديها

( يمّه .. يمّه .. يمااااه … ) ينادي بملئ صوته، هذه أول مرة لاترد أمه عليه، انه يحاول حثها على التمسك بالحياة ولو للحظة.

أيقن أنه الموت، هادم اللذات ومفرّق الجماعات، جاء دون استئذان، ذاكراً قوله سبحانه وتعالى

“ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون “.

رأى البيت والمكان والكون يتشح بالسواد، ينظر إلى جسد أمه مذهولاً، ثم ينظر إلى وجه أبيه الذي شعر أن شيئاً ما قد حدث،

أشار أبيه إلى اخته أن تقترب منه ويسألها بصوت منخفض كيف امك؟

خذوا بالكم منها، ثم اغمض عيناه وتمْتم بكلمات غير مفهومة.

عاد ينادي مرة اخرى ( يُمه..يُمه..اسمعيني يُمّااا)، ثم بدأ يبكي كطفل تركته امه وهو يلحٌ في البكاء كي ترجع إليه وإلى الحياة!ّ.

لقد رحلت رفيقة عمرك يا أبي دون أن تودعك، رحلت قبلك ولم تودعنا،

بدأت تتداعى الصور وتختلط الدموع مع الذكريات ، لقد توقفت النكات والمناكفات بينكما، وصدقت أمي حين كانت تمازحك قائلة :

سيأتي يوما تقضي علينا فيه وتبقى وحدك.، كان يضحك كثيرا عندما يسمع منها تلك الكلمات،فيرد عليها : أنت اسبقيني وسألحق بك مباشرة، ولن أبقى دونك!!.

بعد دفنها، وفي عصر يوم العزاء الثالث، أي في اليوم الذي يوافق ال21 من رمضان – وقبل أن يجف تراب قبر امه ، كانت الفجيعة الأخرى.. عندما توفي أبيه ولحق بأُمه، وأسلم روحه إلى الباري عز وجل، حينها تذكًر تلك الكلمات التي كان يُتمْتم بها.

يا الله .. قد تحققت امنيته في اللحاق برفيقه عمره والرحيل عن هذه الحياة الدنيا،

ودُّفنوا جانب بعضهما البعض في قبرين متجاوربن.

  يا الله .. يا الله… أربعة  سنوات مضت على رحيلهما، وفي ثنايا القلب تجتمع ماتناثر من ذكريات ستظل حيّة في وجدانه لآخر العمر .