كتب: كاظم عبدالله (خاص – وطن)

قلما وجد في هذا العصر أو حتى العصور السابقة مفكر مثير للجدل و معرض للهجوم من قبل ليس بسبب نتاجه الفكري بل بسبب مواقفه السياسية قدر المفكر العربي الفلسطيني د. .

واسم بشارة الذي لم يغب يومًا عن مشاهد السياسة والإعلام والفكر، عاد اليوم بقوة ليتصدر عناوين الأخبار ضمن حملة استنفرت من أجلها كل وسائل الإعلام والشبيحة واللجان الإلكترونية ممثلة في والإمارات والنظام العربي القديم وتناصرهم جميعاً دولة الإحتلال الإسرائيلي التي تطارد بشارة بدورها. وذلك كله ضمن فصل رهيب من فصول حروب الثورات المضادة التي تجد في بشارة عدوها الأول المطلوب حياً أو ميتا لخطورة النموذج والفكر الذي ينتجه.

وإن حاول أي قاريء أن يبحث عن اسمه في محرك البحث “غوغل” ستصدمه كمية المواضيع التي تهاجمه في يوم واحد فقط.

وسيتفاجيء أن الهجوم عبارة عن نسخ كربونية، جميعها يكيل له الاتهامات والشتائم ولا من هجوم يغوص في فكره وما يطرحه في كتاباته ومحاضراته وذلك لأن معظم المهاجمين وأغلبهم توظفهم اللجان الإلكترونية لا يفقهون أصلاً شيئا عن الرجل ولا عن فكره ودراساته وما يدعو إليه.

وجريمة بشارة الكبرى أنه جلس يوماً أمام الشاشة يحلل ويعطي تبريراته الفكرية والسياسية لأسبابها ولمستقبلها واحتمالات نجاحها أو فشلها. ولم يُخفِ الرجل حماسه للثوار “ومن منا لم يفعل” ولا إعجابه بالشباب الثائر “ومن منا لم يعجب” ولا تمنياته بوطن ديمقراطي تسود فيه العدالة الاجتماعية وتحفظ فيه الكرامة الإنسانية ويحارب فيه الفساد.

وكانت وما زالت مواقفه تعكس تمنيات الملايين من العرب ومشابهة لنبض الشارع ولأحاديث المواقع الاجتماعية منذ أن فجرت ثورة التونسيين الحماس في عقول وقلوب الشباب العربي وجاءت ثورة المصريين كأسطورة أبهرت العالم بأسره وذلك قبل أن تكسحها الثورة المضادة وتطيح بأول رئيس منتخب.

لم يغير بشارة خطابه منذ اندلاع الثورات العربية، رهن فكره وهو يرصد ويتابع ويبحث ويكتب لمستقبل العرب وأجيالهم القادمة. ومنذ أن عرفه العالم مناضلاً ضد الاحتلال الإسرائيلي حتى يومنا هذا لم تنطفيء بداخله شعلة النضال من أجل التغيير ضمن قناعاته بالقومية العربية والدولة الديمقراطية التي تتسع للجميع وليس التغيير نحو الفوضى والحروب الطائفية التي أشعلتها الثورات المضادة ومن ثم أطلقت لجانها الإلكترونية لتلصقها به وتعتبره مسؤولاً عن نتائج الثورات العربية التي نظر لها.

ومن معجزات الثورات المضادة التي تشبه السحر هو إثارة الرعب وخلق الإرهاب ثم الزعم بمحاربة الإرهاب ومن قدراتها العجيبة أيضا غسل بعض العقول ومحو الذاكرة بفضل خطاب إعلاميين هو أقرب إلى النباح. ومثلما كانت الثورة المصرية أسطورة فإن الأسطورة الأخرى هي أن الثورة المضادة استطاعت أن تجعل المصريين يجرمون أنفسهم بسبب الثورة ولو إلى حين.

وبذلك تصبح الثورة تآمر وتصبح مطالب الديمقراطية جريمة وكذلك العدالة الاجتماعية وكذلك قمع الشرطة وإهانة الكرامة الإنسانية ويصبح الفساد الثمن الذي يدفعه الشعب مقابل الأمن والحماية.

من الطبيعي أن يتحول إذن المفكر عزمي بشارة إلى مجرم وتنصب له الثورات المضادة مليون مشنقة .

أن تعتبره عميل موساد مثلاً لأنه كان عضو كنيست. مع العلم أن الأنظمة العربية كانت تتقرب منه ليس بصفته الفلسطينية أو لأنه مفكر أو خبير بالشأن الإسرائيلي إنما لأنه عضو كنيست.

يعايرونه بصموده هو وأكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في ترشيحا ويافا وحيفا والناصرة وباقي المدن الفلسطينية. ويتناسون صحفهم ومؤسساتهم حين كانت معجبة بظاهرته الفريدة وبنضالاته وتحديه للحاكم العسكري الإسرائيلي وحفاظه على الهوية الوطنية الفلسطينية العربية لما صار يعرف بعرب ٤٨ ومقارعته للاحتلال من داخل وخارج الكنيست.

التي فصلت قانونا أطلقت عليه “قانون عزمي بشارة” في الكنيست يعطي لها الصلاحية بسحب الجنسية من بشارة هي بالواقع تشكل حلفاً واحداً مع الثورات المضادة نفسها التي تنصب المشانق للرجل لأنه كان عضو كنيست ورمى عضويته في وجه السفير الإسرائيلي في قبل أن ترميه محاكم في غياهب السجون الإسرائيلية بتهمة لن يعرف هذه المرة أن يدافع عن نفسه وهي التخابر مع حزب الله.

وهذا ما تمناه البعض. أن يسجن أو يغتاله الموساد لكي يثبت لنا أنه صادق ومن ثم يصبح بطلاً.

وكان لا بد أن يتوجه بشارة إلى مكان. أي مكان؟

لندن، الدوحة، بيروت، برلين. اختار الدوحة. هنا جريمة أخرى. ذلك لأن الثورات المضادة إياها بحلفها مع إسرائيل تتهم عدوتها بأنها عميلة إسرائيل.

ومن الطبيعي أن تجد مقالاً في أحد مواقع الثورات المضادة يبدأه الكاتب أولاً بالتحدث عن ارتزاق المثقفين ثم يعرج إلى بشارة ويقول انه خدم في الكنيست وأيضا في البرلمان الإسرائيلي (لاحظوا الغباء) وكأن الكنيست ليس هو البرلمان ثم يورد الكاتب أنه اشتغل عميلاً لحزب الله وأنه أفشى أسراراً عن إسرائيل لحسن نصر الله وأصبح مطلوبًا لديها للمحاكمة. ويمضي الكاتب قائلاً إنه استقر في قطر ليكون مهندس العلاقات الإسرائيلية القطرية. وهذا أمر عادي في نماذج المقالات التي تهاجمه بحيث أن كل سطر في المقال يناقض الذي فوقه والذي تحته.

ويحاسب عزمي بشارة على ما يسمى بتنقلاته. فهو كان شيوعيًا ثم أصبح يساريًا ثم يساريًا قوميًا وكان مع حزب الله والأسد ثم أصبح مع قطر. وكأنه مطلوب من المرء في وطننا العربي مثلاً أن ينتمي لحزب البعث فإن وجد فيه انعواجًا أو أن سلوكياته هي نقيض شعاراته فانسحب وانتمى لفكر أو فلسفة أخرى تعبر عن قناعاته فذلك يعد خيانة، ومطلوب بالأخص من المفكر أن لا يفكر ولا يطور تفكيره.

ومع ذلك يتجاهل الكثيرون أن قضية بشارة الأولى هي الاحتلال ولهذا تجسد داخله المثقف المناضل الذي انطلق من الشارع ومن حرم جامعة بيرزيت ومن الكنيست نفسه. فإن حلم وناضل من أجل وطن عربي ديمقراطي ستكون ترشيحا ساكنة في قلبه. ومن الطبيعي أن يكون مع حزب الله الذي أمطر إسرائيل بالصواريخ كما كان كل العرب معه ومن الطبيعي أن يكون مع الأسد الذي يناصر حزب الله وأن يستثمر تلك العلاقة لربط فلسطينيي الداخل مع محيطهم العربي والشتات الفلسطيني حيث نظم زيارات شعبية إلى سوريا.

لكن بشارة انسحب من هذه العلاقة بعد أن وجد بأن نصائحه للأسد لم تنفع وأنه طاغية وأن حزب الله ارتدى ثوبه الطائفي الحقيقي وإن كان يقاوم إسرائيل. موقف أخلاقي يحاسب عليه من قبل اللجان الأمنية ويكرر كتاب أعمدة صحف الشيخ أطال الله عمره وصحف مستشاره دحلان وصحف السيسي نفس الأقاويل. يملؤون الفضاء والشبكة شتائم رذيلة لأنه المسؤول عن ثورة الشعوب. وهو الذي أشعل عود الكبريت وأحرق البوعزيزي فأشعل بذلك فتيل القهر في قلوب التونسيين وهو الذي ألفَ قصة خالد سعيد وحرض المصريين على الثورة فثاروا.

جهل واستغباء ورذالة واستخفاف بعقول الناس وكأنهم كالأغنام يقودهم شخص متآمر. ولا بد من متآمر تآمرت معه الثورة حتى تنجح معجزات الثورة المضادة ولم يكن أنسب من عزمي بشارة.

بشارة لم يشعل ثورة ولم يحرض أحداً فالأقطار العربية لديها مخزون كامل لكل عوامل التحريض من فساد وديكتاتورية. وبإمكان الجميع الاختلاف مع مواقفه السياسية لكن لا يمكن أن يتغافل أحد عن ثقافة الرجل وقيمته الفكرية. وما من مفكر معاصر قادر على إثارة الأسئلة داخل المثقفين الذين يقرأون له في عصرنا هذا كما يفعل بشارة حتى أطلق عليه أحد الكتاب لقب “مفكر المثقفين”.

وبشارة السياسي يموت لكن بشارة المفكر لن يموت ومهما حاولت الثورات المضادة قهره ومحاصرته وحتى اغتياله فمعاركها خاسرة أو على الأقل سيكونون في الجانب المظلم وسيكون هو في الجانب المشرق من التاريخ.

بإمكان الجميع الاختلاف معه لأنه اختار أن يقيم في قطر. وإن أقام في مكان آخر لما اختلف خطاب الثورة المضادة في هجومها عليه. وبإمكان الجميع أن يختلف معه حول موقفه من الثورات واعتبارها مؤامرة إخوانية داعشية إيرانية إسرائيلية أمريكية قطرية.

كل هذا ليس مهماً.

لكن من الغباء الشديد أن يعتقد البعض أن لعزمي بشارة أي دور في رسم السياسات القطرية. تلك السياسات ثابتة من قبل بشارة وستستمر لو غادر الدوحة غداً.

فتهمة قطر باحتضانها للإخوان كانت قبل مجيئه.

وسياسات قطر التي تحرص على إقامة علاقات مع الجميع وتدعم الدول والأحزاب وتفتح قنواتها للأصوات المعارضة ليس لها علاقة بعزمي بشارة لأنها كانت منذ انطلاقة الجزيرة في أوآخر التسعينات والتي عبرت بشكل واضح عن تلك السياسات.

لكن بشارة وليس غيره الأصلح أن يكون المتآمر والمحرض.

ووسط كل هذا الهجوم غير المسبوق التي تشنه الثورات المضادة يتفاجأ الجميع بنتاجه الفكري المستمر. وإذا صدق المرء كل التفاصيل التي تكتب عنه لاعتقد أن الرجل يملك إمكانيات خارقة لا يملكها البشر وإلا كيف يستطيع أن يقدم هذا النتاج الفكري بمجلدات تؤرخ وأخرى تحلل وتطرح الأسئلة الشائكة عن الدين والعلمانية والمجتمع المدني والدولة والجيش والثورات ويهودية إسرائيل وتأريخ الثورة المصرية.. إلخ وفي الوقت ذاته يكون المسؤول عن كل تفاصيل الثورات العربية والمصائب التي حلت في عالمنا العربي.

وآخر تلك المصائب التي نشرتها مواقع الثورات المضادة قبل يومين أن عزمي بشارة اخترق موقع فنانة سعودية.

حولوه أيضا إلى هاكرز.