بسياسات حادّة، وانعطافه أعقبت سكون جزئي لِـهجوم إعلامي واسع، أعلنت دول الطوق البرّي لقطر قطع المنافذ البريّة والبحريّة وإغلاق المجالات الجويّة في وجه الحركة الملاحيّة القَطريّة، ودخول الدولة المؤسسة في مجلس التعاون الخليجي مرحلة حصار وتطويق مكاني يهدف لحرف بوصلة السياسات القَطريّة، والحد من التأثير الجيو سياسي لها.

 

نناقش في هذه الورقة أزمة الخليج الرابعة التي جاءت في مفصل زماني يهدد الشكل الكلاسيكي لدول الخليج العربي بعد ثلاث أزمات سابقة تمثلّت في الحرب العراقيّة الإيرانيّة، ثمّ غزو الكويت أو ما يعرف بعاصفة الصحراء، وأخرها اسقاط واحتلال العراق الذي لا تزال نتائجه محلّ تأثير ظاهر في التمدد الإيراني اتجاه المعقل السُنِّي الأهم والحاضن لمشاعر المسلمين الأسمى في مكّة المكرمة والمدينة المنورة.

 

– الحدث وتداعياته الإقليميّة والدوليّة:

– فَجْرَ يوم الإثنين أقدمت كلّ من والبحرين والعربيّة السعوديّة على قرار قطع العلاقات مع دولة بناء على معطيات تتوافر لدى الدول المعنيّة بنشاط قطري معادي لاستقرار الخليج حسب سيل البيانات الصادرة من الأجهزة الرسميّة وشبه الرسميّة التابعة لمنظومة الدول الثلاث ومعها ممثلة بحكومة الإنقلاب على الشرعيّة، وما لبثت بعدها دول من المنظومتين العربيّة والإفريقيّة أن أعلنت قرارات مشابهة ومنها موريتانيّا، والمملكة الأردنيّة التي اكتفت بتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي في تجاوز وتوسّع لحدود الأزمة عن مياه الخليج.

 

بينما اكتفت دول البعد الثاني خارج المنظومة العربيّة بالترقّب والمتابعة ومن ثمّ التصريحات الحذرة فيما يدلل على مفاجئة حقيقية بِـ القرار الخليجي الذي يُعد صادم أمام شعرة معاويّة التي حافظ عليها مجلس التعاون بين أعضائه منذ انشائه في أيار_مايو 1981 مـ. بداية الحرب العراقية الإيرانية، وبعد سنتين من تسلّم خميني لِسُلطَة إيران، وضم المجلس ست دول مؤسسة هي والكويت والإمارات وقطر والبحرين وعُمَان.

 

وجاء الحدث على أثر تصريحات منسوبة للشيخ تميم بن حمد أمير وحاكم دولة قطر أثناء عرض عسكري في الدوحة اعتبرتها حكومات دول القطيعة مستفزّة ومهددة لأمن الخليج.

 

وبالعودة لِـلتصريحات المنسوبة للشيخ تميم والتي نفتها دولة قطر رسميًّا بعد قيام (هكر) وقراصنة إلكترونيين باختراق وكالة الأنباء القطرية، وبث التصريحات حسب المنصات الرسميّة للدولة المُستهدفة، مع ملاحظة أنّ كلّ ما جاء في التصريحات هي سياسات مُتبعة لِـمجلس التعاون كون أغلب دوله تقيم علاقات رسميّة واسعة مع إيران، وشبه رسميّة مع إسرائيل، وتتواصل مع قيادات الداخل الفلسطيني ومنهم كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلاميّة حماس التي اغتيل أحد أهم قياداتها في الإمارات على يد الموساد أثناء تواجده فيها وهو الشهيد محمود المبحوح.

 

– الردّ القطري بين الهجوم الموسّع عليها، والترقب لتمييز مواقف الدول:

– ظهرت السياسات العامة القَطريّة بشقيها الإعلامي والدبلوماسي مرتبكة ومشوشة بداية الهجوم الإعلامي عليها والذي بدا مسعورا لحدٍّ لم يكن متوقّع واكتفت قطر بالنفي والنفي المضاد لهجوم قنوات العربيّة و(SKY) نيوز، وكذلك للتصريحات التي تظهر بين الفينة والأخرى على وكالة الأنباء (قنا) والمصادر الإعلاميّة الإلكترونيّة القطريّة.

 

بينما دخل الهجوم الإعلامي المضاد على دولة قطر مرحلة سكون لِمدّة أيام احتاجتها الماكينة الدعائية بشقيها الإعلامي والأمنيّ المعادية لِقطر كي تقيّم النتائج التي حققتها في الضربة الاستباقيّة مما أوحى لقطر بأنّ الهجوم في تراجع وأنّ الزخم انخفض ليتفاجىء الجميع بالقرار القطعي باغلاق الحدود وعزل قطر بالاعتماد على الجغرافية البريّة المحيطة بها تمهيداً لتطويقها بشكل تام بما يعيد طريقة الدفع لآخر حدود التصعيد التي مارستها سابقًا دول تتبع للمنظومة الخليجيّة في التعامل مع العراق قبل وأثناء التمهيد لعمليات عاصفة الصحراء وحرب الخليج الثانيّة.

 

وعلى عكس حالة الرهاب والذهول التي تجّلت في عموم السياسات القطريّة أثناء الضربة الإعلاميّة الأولى، بدت السياسة العامة للدولة الخليجيّة أكثر هدوء وواقعية بعد الضربة الثانية والمقصود قرار العزل والمقاطعة.

 

وهناك سمات نستطيع أن نلمحها في الإجراءات التي اتخذتها القيادة القَطريّة في عدّة مستويات على الهجوم المعادي:

 

1- على المستوى الداخلي المعيشي: طمأنة الحكومة الشعب “مواطنين/ مقيمين” على الإمدادات الغذائية والمعيشيّة العامة، مما أراح الأسواق وخفف حالة التوتر الداخلي التي خططت لها إدارة الصراع المعادي لقطر.

2- على المستوى الاقتصادي: أكّدت الدولة المحاصرة والمستهدفة استمرار إمدادات الغاز مع الخارج مما هيئ ظروف سريعة لِضمان الاستقرار الداخلي على صعيدي الشعب والاقتصاد الخارجي  ومجاله الاستثماري ويحضّر لاستيعاب الصدمة.

3- عسكريّا: لم تقم الدوحة بأي استفزازات أو استعراضات بل نفذت قرار إخراجها من قوات التحالف العربي في بكل اتزان عملياتي وحفظت سلامة قواتها المشاركة ومكانتهم في قلوب زملائهم بالطريقة الإنسانية التي انسحب فيها الضباط والعناصر موَدَعين بدموع رفاقهم من الدول الإسلاميّة والعربيّة المشاركين بعاصفة .

4- أمنيًّا: حاولت بعض المواقع ترويج فكرة الاضطراب الداخلي في العاصمة الدوحة وعموم قطر، ولكنّ لم تسجّل أي حالة انتشار أمني واسع مما طمأن المواطنيين على استقرار بلادهم التي لو شهدت أيّ اجراءات أمنيّة مضاعفة لكان من الممكن أن تشيع حالة الخوف بدل الاستقرار المجتمعي العام.

5- إعلاميًّا: لا تزال قطر متماسكة وتشن هجوم لا يركّز على الحملة المضادة بِمقدار ما يستهدف مُسعّري العداء دون أن تشن هجوم مباشر على الثقل السعودي والذي لا تزال قطر تطمح أن يكون أكثر إدارك ووعي وواقعية من نظيره الإماراتي.

6- سياسيًّا: في ظل الإضطراب الدولي الحاصل جراء صدمة السياسات الاستثنائيّة لدول طوق قطر، فقدت قطر قدرتها على تمييز المواقف، ولهذا لجأت لخيار الكمون والتصريحات الهادئة بِـ انتظار استطلاع ومعرفة الوضع الإقليمي والدولي وترك فرصة لمحاور العداء والإسناد أن تتشكّل.

 

– حرب المواقف، والاتجاه الحاد نحو سياسات التمايز:

– بعد ترقّب بعض الدول في الأزمة ومحاولة النأي بالنفس، بدأت المواقف تظهر وتتمايز، وترتَسِم تحالفات غير مبنيّة فقط على الأزمة الخليجيّة بل على أبعاد أزمات أخرى في الإقليم كَـ سوريّة والعراق وفلسطين، والدور التنافسي التركي الإيراني/ والروسي الأمريكي/ والأمريكي الأوربي.

 

1- دول الضدّ: يتركّز هذا المحور بنواة صلبة عمادها نطاق قطر البرّي ( الإمارات السعوديّة) وحكومة الانقلاب في مصر، حيث شكّلت هذه الدول القوّة المركزيّة في تطويق قطر، لتلحقها دول صغيرة وغير مؤثرة بالتوازنات الدولية أمثال حكومة اليمن وحكومة شرق ليبيا وجمهورية المالديف ومورشيوس، ومؤخَرًا دخلت على خط التصعيد موريتانيّا والأردن التي خفضت مستوى تمثيلها، بينما يتعامل المغرب بحذر مع الأزمة.

2- دول الدعم والحياد الإيجابي: قد يكون اجتماع النقائض هي أحد التسميات الصالحة لوضع الدول المساندة لموقف الحكومة القطريّة والتي جمعت إيران والعراق وتركيا وألمانيا وفرنسا حسب التالي:

أولًا_ : الموقف التركي تجلّى في خطاب واضح للرئيس أردوغان في رفض التصعيد ضد قطر رغم تجنبه انتقاد دول الضد بشكل مباشر، مكتفيًا بِـ رسائل إيجابية للجميع اضافة للقرار الاستراتيجي بإرسال قوات مُستعجلة لتعزيز ودعم التواجد التركي داخل قطر.

ثانيًّا_إيران: دخل الجار اللدود للخليج مبكّرًا على خط الأزمة الخليجيّة الخليجيّة بحيث أعلنت استعداد موانئها لتأمين متطلبات الداخل القطري من كلّ المنتجات بشكل عاجل وفتح المجالات الجوّيّة الإيرانيّة أمام الطيران القطري بشكل كامل، ودعت الطرف الأخر التصرف بحكمة والابتعاد عن التصعيد، فيما اعتبره مراقبون اصطياد في المياه العكرة نظرًا للدور السلبي المعروف لإيران في أزمات الخليج السابقة.

ثالثًا_العراق: على عكس مواقفها السابقة بكيل الاتهامات لقطر بدعم الإرهاب جاءت مواقف السياسيين العراقيين مساندة لقطر في وضعها الجيوسياسي الناجم عن المقاطعة الخليجيّة.

رابعًا_الاتحاد الأوربي ممثّل بالثقل الفرنسي الألماني: بناء على تشنّج سابق لِلعلاقات الأوربيّة مع الولايات المُتحدة المتهمة بالوقوف وراء التصعيد ضد قطر، جاء الموقف الألماني والفرنسي مؤيّد للحوار ومشدد على الخطر الوجودي الذي يهدد قطر على حدّ وصف وزير الخارجيّة الألماني غابرييل، الذي قال قبيل زيارة الجبير لدولته “سنعلم بالتأكيد المزيد بشأن الدوافع وراء سلوك السعودية هذا المسلك بالغ الشدّة”.

 

من جهته أكّد الرئيس الفرنسي لأمير قطر عزمه القيام بمساع لإيجاد حلّ للأزمة، التي تهدد وحدة واستقرار منطقة الخليج.

 

3- روسيا: في ظل اتهام نفته عن تورط أجهزتها في اختراق وكالة الأنباء الرسمية القطرية(قنا) تحاول روسيا تجنّب تبعات التورط في صراع قد تكون هي المستهدف البعيد فيه ضمن حرب خطوط الطاقة العملاقة بيننها وبين الغرب والتي تشكّل قطر نقطة توازن لروسيا في هذا الصراع، ولهذا ظهر موقف موسكو أكثر هدوء من مواقفها الحادة في المنطقة، حيث نقلت وكالة “نوفوستي” الروسية الرسمية عن رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد للبرلمان الروسي (فيكتور أوزيروف) قوله إن موسكو “تدرس بعناية المعلومات التي تتحدث عن دعم الدوحة المزعوم للإرهاب.” مضيفا أن العلاقات مع قطر لن تشهد أي تغيرات.

4- الولايات المتحدة: هي المُتَهم الرئيس بالتحريض والوقوف وراء الكارثة القائمة على رغبة الرئيس ترامب في تحقيق مكاسب سريعة ضمن ملفات الشرق الأوسط، فَقد اتهمت أجهزة أمريكية دولة قطر بعدم الإيفاء بتعهداتها في مخرجات قمّة المتعلقة بتجفيف المنابع الماليّة لِلإرهاب، حيث هدد رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي بمعاقبة قطر ونقل قاعدة العديد منها في حال لم تغيّر الدوحة سلوكها اتجاه تمويل القاعدة وداعش وجماعة الإخوان وطالبان.

5- اسرائيل: تميل السياسات الإسرائيليّة منذ انطلاق الربيع العربي إلى الإنكفاء داخليًّا والتأثير المحدود في المحيط وترك النشاط الخارجي للاستخبارات، قبل الوصول لنتائج فعّالة في فرض الرؤية الإسرائيليّة على المنطقة.

6- ضمن سياسة الحياد النشط يأتي الدور الكويتي الذي ظهر متماسك وواضح في الرغبة بتقريب وجهات النظر، إلى أنّه يفتقد قوّة التأثير ويظهر كَـ وساطة أخويّة، أكثر من كونه راسم فعلي لِسياسات، على عكس السياسات العُمانيّة التي تغيب مطلقًا عن الحدث وتأثيراته.

 

– قطر بين المناورة واستخدام المُتاح في أزمة الخليج الرابعة:

 

– يهدف الهجوم الإقليمي على قطر لفرض مكاسب فوريّة بِـ ملفات _صلبة_ تدير قطر مفاتيحها، ومنها:

1- تدوير حكومة السيسي دوليًّا وقبولهم كَـ قوّة ضامنة في المحيط الخليجي والعربي.

2- تحقيق مكاسب في ملف الحكومة الفلسطينيّة _الموحدة_ التي يخطط محمد دحلان لإدارتها.

3- ابعاد إيران وعزلها بشكل مباشر عن العمق الاقتصادي الخليجي، الذي تشكل قطر من خلال مشروع (بارس) الغازي أحد أعمدته.

4- قبول قطر الانضواء تحت الجناح الإماراتي المُكَلَّف بتنسيق علاقات الظل داخل محور الخليج العربي.

5- تحجيم قطر، وإلغاء فاعلية تأثيرها الذي تجاوز الإقليم واتجه للطوق الثاني في أفغانستان والشيشان والبلوشستان.

6- يبقى ملف الإخوان المسلمين وتنظيمهم الدولي ثانوي وباهت في ملف تفتيت قوّة قطر رغم التركيز الإعلامي المقصود عليه.

– امتصاص الصدمة، وتعامل قطر مع الواقع القادم:

 

– الهجوم لم يحقق أهدافه الرئيسة _بعد_ رغم قوّة الضربة، وهذا بدى في الارتباك الواضح لوزير خارجيّة السعوديّة في المؤتمر الصحفي مع وزير الخارجيّة الألماني، الذي جاء بعد محاولات اقناع برلين ومن خلفها أوربا بصوابيّة قرار المقاطعة، وكذلك ضعف نوعيّة الدول التي تدور حول النواة المركزيّة للهجوم، وابتعاد الدوّل المؤثرة والقويّة عن تبعات التصرّف الإماراتي السعودي البحريني.

 

قطر متماسكة، ولم تُحدِث الحركة _لحد الآن_ تصدّع واهتزاز داخل النواة الحاكمة وعلى رأسها الأمير تميم، ودخول تركيا على خط الأزمة بقرارها نقل قوات مُستعجلة إلى قطر عزز السلام الإقليمي وقطع الطريق على إيران التي سعت لِتسيّد المشهد، وإخراج قطر من محيطها السُنّي.

 

– الأزمة لم تنتهِ بسهولة وما يطبّق على قطر هو (رهاب التشويش) وهذا أخطر أنواع الحروب النفسية ضد الدول، والإحساس بِـ انخفاض زخم الهجوم بين الفينة والأخرى هو بند ضمن سياسة زعزعة نواة الحكم الصلبة داخل العائلة الأميرية، لهذا يجب التعاطي بواقعية مع الأزمة، وتقديم ليونة براغماتيّة دون الظهور بمظهر المهزوز والمأزوم، مع عدم تقديم تنازلات لصالح مشروع الإمارات الذي يتضارب مع باقي المشاريع الخليجية.

 

– وبناء على ما تقدّم تحتاج قطر لإحداث انعطافه في سياساتها العامّة ضمن سياق لا يخرجها من مواقفها المبدئية في دعم الشعوب، ولا يبقيها ضمن خط الدول المثيرة للقلق والاستفزاز الإقليمي والدولي على أن تكون _هذه السياسات_ عبر تفهم قطر لمعطيات حجمها الجغرافي والسياسي المقيِّد بالمدى الخليجي، والاقتصادي الأكثر حريّة وانفتاح وتأثير من سابقيه، ومحاولة الموازنة بينها وبين مصالح الدول المؤثِّرة في مستقبل الشرق القادم.

 

(مركز برق)