“نظر رضا نحو قريته في برج شاكر، وهي بلدة على مشارف مدينة التي كانت تشتهر ببساتين ، لكن تغيرت الأمور واختفت المحاصيل منها، وأصبحت تصنف كواحدة من أكبر مدافن القمامة في البلاد وبها جبال من النفايات المتعفنة التي تتزايد كل يوم”.

 

وأضاف موقع في تقرير ترجمته وطن أن هذه البلدة يأتي إليها نحو 2500 طن من القمامة من تونس الكبرى كل يوم، والروائح التي تخرج منها ضارة جدا نتيجة تحلل بعض المواد مما ينتج عنه مواد كيميائية بما في ذلك كبريتيد الهيدروجين الذي يلوث إمدادات المياه، والأرض، والهواء والشعب.

 

يقول الطرابلسي ” عندما تهب الرياح في هذا الاتجاه، يبدأ ابني محمد في السعال بكثافة”، موضحا أن ابنه البالغ من العمر 16 عاما يعاني منذ سنوات من التعب المزمن والربو، وأزمة قلبية تحتاج الآن لعملية جراحية- حسب قول الاب- بينما قال محمد ” لا أستطيع أن أركض أو أعمل بجد لأنني أشعر بالتعب الشديد “.

 

وطبقا للطرابلسي، فإن تقرير ابنه الطبي يقول إن هناك صلة قوية بين الربو الذي تسببه من هذا المكب وأزمته القلبية.

 

والوضع الراهن في برج شاكر دليلا واضحا على وجود قنبلة موقوتة سامة تهدد بالانفجار في جميع أنحاء تونس، لا سيما وأنه تم تدمير أكثر من نصف معدات النفايات في أعمال الشغب خلال ثورة الياسمين عام 2011، ويقول النقاد إنه خلال فترة ما بعد الثورة، وعبر قرار إضفاء الطابع المركزي على إدارة النفايات أدى إلى تفاقم المشكلة التي كانت ملحة بالفعل بدلا من المساعدة في حلها.

 

ووضعت السلطات خططا فائضة لتوسيع مكب النفايات في برج شاكر، مما جعلها تبعد 25 مترا عن بعض بيوت القرويين. وكمية القمامة التي يتم إلقائها عدة مرات في اليوم الواحد زادت من الأزمة.

 

قضية محمد ليست الوحيدة، حيث قال الطرابلسي: تم تشخيص إصابة أحد السكان بسرطان الرئة بعد العمل في المكب منذ ما يقرب من عقد من الزمان، وآخر بترت ساقه بعد استخدام حقنة ملوثة.

 

ويقول السكان المحليون الآخرون إنهم تأثروا أيضا بمكب النفايات، وتوضح سيميال وهي امرأة في الثلاثينيات من العمر أن جروح وطفح جلدي يوجد في ساقيها، وقد أخبرها أطباؤها أنه ناجم عن المكب.

 

سنوات ضائعة

وقالت سوس بيا، وهي مجموعة توعية بيئية تونسية، تمول بشكل رئيسي من قبل مشروع للتنمية والاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية الأمريكية والحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا، إنها الوكالة الوحيدة التي تراقب تأثير المكب على القرية.

 

وقال مسؤول في وزارة البيئة طلب عدم الكشف عن هويته إنه لم يكن على علم بأي دراسة طبية حكومية حول كيفية تأثير النفايات على السكان.

 

وقال منير مدجوب، وزير الدولة السابق للبيئة، إن ما يقرب من 60 في المئة من معدات القمامة التابعة للسلطات البلدية قد أحرقت أو دمرت خلال الثورة.

 

وفي مواجهة الاستياء من زيادة القمامة في الشوارع والحقول والشواطئ، لجأت وزارة البيئة إلى السياسات المركزية، قائلة إن البلديات المحلية تفتقر إلى القدرة التقنية لإدارة جمع النفايات بشكل فعال. ولكن وفقا لمورشيد غاربوج، مهندس البيئة ورئيس سوس بيا، النفايات جعلت الأمور أكثر سوءا. وقال: قبل الثورة لم نستطع التحدث والآن يمكننا التحدث، ولكن لا شيء يتغير على أي حال.

 

ولم يكن التمويل الحكومي الذي تقدمه لبرج شاكر ممكنا إلا بفضل قروض البنك الدولي التي دعمت تنظيف المكب لمدة عقدين على الأقل. ويعتزم البنك الدخول في شراكة مع الوكالة الوطنية التونسية لإدارة النفايات، وتمويل مشروع إزالة الغازات للتخلص من السموم، وتم تنظيف بعض المناطق، ولكن تنظيف بقية المكب تأخر بسبب الاضطرابات الثورية.

 

وقال منير الفرشيشي، مستشار البنك الدولي للنفايات البيئية في تونس: بعد ثورة 2011، شهدت جميع المشاريع تأخيرات طويلة وتلاشت الميزانية.

 

وتم إحياء المشروع في عام 2014، عندما قدم البنك قرضا بقيمة 22 مليون دولار لتوسيع المكب، ومن خلال إقراض الأموال، فإن البنك لديه رأي حول ما يتم استخدامه من المال، بما في ذلك توسيع برج شاكر، ولكن ردود الفعل على كيفية عمل المكب في الغالب تأتي من المؤسسات الحكومية.

 

وذكرت المختبرات التى أجراها سوس بيا أن الخطط التى تمت الموافقة عليها تنتهك الخطوط التوجيهية التونسية لمستويات كبريتيد الهيدروجين بنسبة تصل إلى 800 فى المائة.

 

وقال بيان صادر عن وزارة البيئة إنه بينما أن الوزارة تعترف بمشاكل القدرات في مكب النفايات في برج شاكر وتبحث عن موقع جديد في المستقبل، فإنها لن تفعل ذلك إلا بعد التوسع.

 

كما قامت الشركات الأوروبية بإدارة موقع برج شاكر، بما في ذلك شركة بيززورنو الفرنسية، التي تركت العمل بعد انتهاء عقدها في عام 2011. وانتقدت اللجنة الوطنية للتحقيق في الفساد والاختلاس، زين العابدين بن علي الرئيس التونسي المخلوع.

 

وتكشف الإشارة التي توجد الآن خارج مطمر برج شاكر أنه يدار الآن من قبل شركة إيطالية تونسية تدعى إكوتي، وهي شراكة بين شركة سيكوباد التونسية وشركة ديكو الإيطالية، التي رفضت الرد على طلب التعليق.

 

وقال الفرشيشي، متحدثا باسم البنك الدولي، إن مكب برج شاكر سيغلق في عام 2019، على الرغم من أنه لم يصدر بعد أي بيان رسمي من البنك الدولي أو الحكومة التونسية تؤكد ذلك.

 

وعندما سئل عن سبب توسع المكب، على الرغم من تأثيره على سكان بلدة برج شاكر، قال: إن مسؤولية إدارة المكب تقع على عاتق الوكالة الوطنية لإدارة النفايات.

 

لا يوجد حافز للإصلاح

ويعمل في المكب نحو 80 عاملا يتلقون الحد الأدنى للأجور الشهرية من قبل الحكومة. ويتم محاسبة المقاولين وسائقي الشاحنات الذين يصلون إلى الموقع كل يوم على أساس مقدار النفايات التي يسلمونها.

 

وقال غابورج إن نظام الدفع هذا هو أحد العقبات الرئيسية أمام إعادة التدوير الفعال والواسع النطاق، ففي ظل النظام الحالي، سيشهد هذا النظام انخفاضا في كمية النفايات التي يتم تسليمها إلى المواقع، وخفض أجور المقاولين والسائقين.