كشفت تقارير إعلامية، أن الدول الغربية تضغط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس منذ بعض الوقت من أجل وضع حد لقيام السلطة الفلسطينية بصرف مبالغ مالية بشكل شهري تشمل عائلات الفلسطينيين المسجونين في السجون الإسرائيلية لأي جريمة، وقد تشمل أيضا أسر الذين قتلوا أثناء مهاجمة إسرائيليين أو مقاومة سيطرة على الأراضي الفلسطينية.

 

وكانت إسرائيل قد اشتكت علنا ومنذ فترة طويلة حول هذه المدفوعات ووسعت نقدها قبيل دفع محتمل لعملية سلام جديدة من قبل إدارة “”، واستخدامها كاختبار حول استعداد الفلسطينيين لتقديم تنازلات أكثر لإسرائيل تراها ضرورية لإجراء محادثات.

 

وآثار الرئيس الأميركي قضية هذه المدفوعات في اجتماعه مع عباس يوم الأربعاء في البيت الأبيض، وفقا للسكرتير الصحفي للبيت الأبيض “شون سبايسر”.

 

والمسألة أيضا تحت الدراسة من جانب مجموعة من النواب الجمهوريين الذين يتفقون مع وجهة النظر الإسرائيلية من أن النظام الفلسطيني يشجع الإرهاب.

 

قانون سلطة تايلور

ويحذو الأمل الإدارة الأمريكية والمشرعين الجمهوريين بأن تطال التغييرات هذه المدفوعات، التي تبدو في نظر الفلسطينيين كنوع من الرعاية الاجتماعية، يمكن أن تخفف من حدة التوتر مع إسرائيل بحيث يمكنها إعادة محادثات السلام المتوقفة منذ فترة طويلة.

 

وقال السناتور “توم كوتون” النائب الجمهوري من ولاية أركنسو: “إن هذا ليس برنامجا للرعاية الاجتماعية، وإذا كانت السلطة الفلسطينية تشعر حقاً بالقلق إزاء رفاه الإنسان الفلسطيني، فينبغي عليها أن تظهر مزيدا من الاهتمام بالأشخاص الأبرياء الذين قتلهم هؤلاء الإرهابيون”.

 

وقام السناتور “كوتون” وعدد من المشرعين الجمهوريين في آذار/مارس، بتقديم مشروع قانون من العام الماضي يحظر تقديم تمويل للسلطة الفلسطينية وحكومة الضفة الغربية التي يرأسها عباس، طالما أنها تقدم مثل هذه المدفوعات.

 

وأطلق على مشروع القانون اسم “قانون سلطة تايلور”، تيمناً باسم الأميركي الذي قتل على يد شخص فلسطيني في موجة طعن في تل أبيب في العام الماضي.

 

تعويض عن قيود الاحتلال

وقامت السلطة الفلسطينية في عام 2016 بدفع مبلغ 300 مليون دولار تقريبا لعشرات آلاف أسر السجناء أو الفلسطينيين الذين قتلتهم السلطات الإسرائيلية، وفقا للبيانات التي نشرتها الإدارة الفلسطينية وجمعها مركز للشؤون العامة.

 

ويصل هذا المبلغ إلى ما يقارب من 7% من ميزانية السلطة وما يقارب من 30% من المساعدات الأجنبية التي تتلقاها، على الرغم من أن السلطة تقول إن أياً من المساعدات الخارجية لا تستخدم للوفاء بهذه المدفوعات.

 

وما فتئت السلطة الفلسطينية تقوم بهذه المدفوعات منذ تشكيلها في التسعينات خلال عملية “أوسلو للسلام” التي تهدف إلى تحقيق حل الدولتين.

 

وقامت السلطة في 2014 بنقل إدارة المدفوعات إلى “منظمة التحرير الفلسطينية”، الهيئة التي تتفاوض في محادثات السلام مع إسرائيل، بعد أن تساءل المجتمع الدولي عما إذا كانت ستفضي إلى السلام.

 

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في تعليق له خلال هذا الأسبوع موجه إلى عباس: “كيف يمكنك التحدث عن السلام بينما تقوم في نفس الوقت بتمويل القتلة الذين قتلوا إسرائيليين؟”.

 

ويقول مسؤولون فلسطينيون، بأن التمويل هو استحقاق اجتماعي للتعويض عن قيود الاحتلال والقهر الذي يعيشه الفلسطينيون، وأنه يساعد على منع الأسر من المزيد من التطرف.

 

وتؤكد حكومة عباس أيضا، بأن العديد من هذه الوفيات كانت نتيجة لاستخدام إسرائيل المفرط للقوة.

 

وقال مسؤول في وزارة المالية في السلطة الفلسطينية: “إن السلطة الفلسطينية توفر المعونة المالية لعشرات آلاف أسر الفلسطينيين الذين يقبعون أو لا يزالوا يقبعون في السجون الإسرائيلية، وإلى الجرحى والمكلومين”.

 

ويقول الفلسطينيون، بأن أي محاولة لتخفيض المدفوعات للأسر يمكن أن تؤدي إلى رد فعل عنيف ضد السيد عباس المعتدل. حيث أن شعبيته في تراجع وقيادته تحت التهديد من قبل المنافسين، بمن فيهم مروان البرغوثي السجين الفلسطيني الذي يواجه أحكاماً متعددة بالسجن المؤبد في سجون إسرائيل لتورطه في قتل إسرائيليين.

 

شرعنة السلطة

حركة حماس، التي تقود الحكومة المنافسة في “قطاع غزة”، تسعى أيضاً إلى تقويض حكم الرئيس الفلسطيني، الذي يقوم بدوره على الضغط مالياً على الجماعة الإسلامية لإجبارها على التخلي عن سيطرتها على الأراضي الفلسطينية.

 

وقال أحد المسؤولين الغربيين: “إن هذه حالة مقلقة جداً لعباس”.

 

وقال “فارس قدورة” رئيس مجموعة دعم السجناء المستقلة، والتي تعرف باسم نادي “الأسير الفلسطيني”، بأن قطع التمويل سوف يأتي بنتائج عكسية. وتابع “إن قطع المعونات سيؤدي فقط إلى إنجاز واحد، وهو تفكيك السلطة، حيث لا شرعية لاستمرار السلطة بعد وقف التمويل”.

 

ووفقاً للمسؤول، فإن أمام عباس حلا واحدا، وهو إعادة هيكلة المدفوعات لتشابه مدفوعات الرعاية الاجتماعية، مثل إعانات العاطلين عن العمل، أو المعيل الوحيد والمعوقين. وسيكون السيد عباس قادراً على إظهار التزام الفلسطينيين بالسلام مع إسرائيل وضمان استمرار دعم الجهات الدولية المانحة.

 

شكوك

إن الظروف وراء المدفوعات إلى هذه الأسر، غالباً ما تكون محل خلاف. على سبيل المثال، يجادل والدا “الأسد” بأن حجارة ابنهما لم تكن تشكل أي خطر على الجنود عندما قاموا بقتله بالرصاص في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2015.

 

وتضيف العائلة، أنه عندما اقتحم الجنود الإسرائيليون، مخيم قلنديا للاجئين في الضفة الغربية، وفي عتمة الليل، سارع “ليث الأسد” إلى سقف المبنى للانضمام إلى آخرين لرشق الجنود بالحجارة.

 

وخلال المشاجرة أصابت رصاصة “ليث الأسد” البالغ من العمر 21 سنة في الصدر. وقام الوالد بجر ابنه الجريح من السطح، ولكنه توفي بعد وقت قصير.

 

وتقوم السلطة الفلسطينية الآن بدفع مبلغ 300 دولار لوالديه شهريا كتعويض.

 

وتعتبر السلطات العسكرية الإسرائيلية بأن رشق الحجارة يمكن أن يكون مميتاً، وأنه يجب أن تتخذ الاحتياطات اللازمة لحماية الجنود.

 

وكانت العملية التي حدثت ليلة وفاة السيد الأسد، قد وصفت من قبل الجيش الإسرائيلي “بالشغب العنيف” من القنابل الحارقة والطوب.

 

وكان الجيش قد جاء ليهدم منزل أحد الجيران الذي تم اعتقاله بتهمة إطلاق النار على طالب إسرائيلي.

 

ووفقاً للسلطات الإسرائيلية، فقد كان “داني جونين” البالغ من العمر 25 عاما قد قتل في الضفة الغربية قبل خمسة أشهر، عندما قام الفلسطيني “محمد أبو شاهين” بإيقاف السيد “جونين” لطرح سؤال قبل أن يقوم بإطلاق النار عليه. وتم الحكم على “أبو شاهين” في كانون الثاني/يناير بحكمين بالسجن المؤبد لجريمة القتل.

 

وكان “أمجد دار عدوان” خال الفلسطيني “ليث الأسد”، والبالغ من العمر 36 عاماً، قد اعتقل في العام الماضي واتهم بالتآمر على القتل.

 

وتعيش “إيمان دار عدوان”، زوجة خال “ليث الأسد” البالغة من العمر 33 عاماً بالقرب من عائلة “ليث” مع أطفالها الستة. وتدفع لها السلطة الفلسطينية تقريبا مبلغ 500 دولار شهريا، في حين أن زوجها ينتظر حكماً بالسجن، كما قالت في مقابلة معها.

 

ونفت “إيمان دار عدوان” تورط زوجها في إطلاق النار على السيد “جونين”. في حين قال الجيش الإسرائيلي بأنه يخضع حاليا للمحاكمة بتهمة توفير السلاح الذي استخدمه “أبو شاهين” في قتل “جونين”، إضافة إلى ستة من محاولات الاغتيال الأخرى.

 

وقالت “إيمان” بينما يجلس أطفالها لمشاهدة التلفزيون في غرفة المعيشة الرثة: “أنا حقاً لا أريدهم أن يوقفوا الراتب”.