تُطل على البدن كما تطل النافذة على الحديقة فتكشف أحوال النفس وتفضح خفاياها وتعكسها على صفحة الخارج ، و لذلك قيل في التراث ( الصبُّ تفضحه عيونُه) فهذه عين عاشقة أو فرحة وأخرى حزينة أو كسيرة  وهذه عين جريئة ، وتلك عين جامدة أو سارحة وما إلى ذلك من مسميات تتوافق مع تقلبات النفس البشرية .وقد حظيت أكثر من غيرها من جوارح الإنسان بمكانة خاصة في الموروث الشعبي العربي  مثل غيره من الموروثات ، وحمل هذا الجزء الهام من جسم الإنسان مدلولات رمزية كثيرة انعكست في المعتقد الشعبي السائد والمثل السائر والحكاية والخرافة، فالعين في التراث هي (مغرفة الكلام) وهي رمز والجشع ومرآة النفس ورمزاً للمناجاة في التراث الغنائي الشعبي منذ مئات السنين من خلال العبارة المعروفة التي يستهل بها المطربون غناءهم (يا ليل يا عين ) ،و (العين) كما جاء في معجم المنجد هي( الباصرة وتُطلق على الحدقة أو على مجموع الجفن وما فيه من الحدقة ، والكلمة مؤنثة ج أعين وعيون أعيان وأعينات وتصغيرها عييِّنة ) .

وقد ارتبطت العين في الذاكرة الشعبية بفكرة الحسد أكثر من أي شيء آخر  . ومن المعروف أن الاعتقاد  بالعين الحاسدة يرجع إلى عصور قديمة، وكان هذا الاعتقاد عالمياً ، أما اليوم فالذين يعتقدون به قلائل ؟، كذلك وردت في السجلات التاريخية المصرية والكلدانية واليونانية والفارسية إشارات تفيد بأن هذه الشعوب عرفت العين الشريرة وحاربت أذاها بشتى الوسائل والطرق .أما العرب فقد عرفوا الحسد وإصابة العين منذ عصر الجاهلية وحتى اليوم لهذا تفننوا في ابتداع الوسائل الواقية من الشرور والأذى التي تجلبها العين الحاسدة ،” فلا غرو إذن أن تكون العين مصدر قوة وأن تظل راسخة محمَّلة بالدلالات في ضمير الإنسان منذ القديم حتى اليوم “- كما تقول الباحثة نبيلة إبراهيم – في بعنوان ” ظاهرة الحسد  “.

 

!

من التعابير الشعبية العربية المرتبطة بالعين والحسد وبخاصة في قولهم ( رقيتك واسترقيتك من عين أمك وأبوك وأختك وأخوك ومن عين القوم اللي شافوك ومن عين اللي شافك وما صلى على النبي).

وفي الأوساط الشعبية نلاحظ وجود رسومات متعددة للعين المفردة أو للعينين معاً مطبوعة باللون الأزرق على ورق تُلصق على زجاج السيارات وقد تُكتب على الورقة عبارة مثل ( لا تسود ) أو( فيها عود ) أو( تبلى بالعمى ) وقد تُوضع للعين الحاسدة رموزاً زرقاء اللون على صدور الأطفال لوقايتهم من حسد العين ويرجع اختيار الناس للوَّن الأزرق إلى اعتقادهم أن العيون الحاسدة هي العيون الزرقاء ولذلك يجب أن تُستخدم أشياء زرقاء لرد أذاها .

ويتشاءم الناس في سورية من العيون الحولاء وينظرون إليها نظرة خاصة فيها الكثير من الريبة والخوف وكثير منهم يتشاءمون من صاحب العين الحولاء إذا رأوه في طريقهم ، ويذهب البعض إلى الاعتقاد بأن لقاء الأحول في أول النهار سيجعل الأمور تتعسر وتتعقد طوال اليوم، ولقاؤه في أول يوم من الأسبوع سيعقَّد الأمور طوال الأسبوع،.

ويرى الباحثان حسن الباش ومحمد توفيق السهلي في كتابهما ( المعتقدات الشعبية في التراث العربي ) ” أن العين من حيث شكلها وما يعتريها من ظواهر هي موضع اهتمام عدد من المعتقدات الشعبية ، فالعين إذا كانت صغيرة الحدق دلَّت على سوء دخيلة وخبث شمائل والعين المتوسطة في حجمها دليل فطنة وحسن خلق ومروءة ويعتقد العامة في المجتمع السوري أن عين المرء اليمنى إذا رفَّت تنَّبأ صاحبها بحدوث شر، ويقول من تلقائه ( الله يعطينا خيرها ) وإذا رفَّت العين اليسرى تنبأ بحدوث خير، و هذا يخالف  الاعتقاد  بضرورة التيمن في كل شيء التي حض عليها الإسلام .والعين الحمراء هي رمز للغضب ويُقال ( احمرَّت  عينه ) أي بدا فيها الشر والتمع، وبات يُخشى من أذاه وبطشه ، وربما كان احمرار العين أيضاً رمزاً للحزم والقوة فهم يقولون بالتعبير الشعبي ( فرجِّيه العين الحمرا ) أي أظهر له ما يدل على أنك جاد وحازم وتمتلك القدرة على إيقافه عند حدَّه وردعه . وقد تشكل العين في الموروث الشعبي  العربي رمزاً للجشع في بعض الحالات فيقال ( عينه فارغة ) أي أنه لا يقنع ولا يشبع أبداً مما قسم له ويقولون أيضاً ( بني آدم ما بيملي عينو إلا التراب ).

 

نص نصيص

من الخرافات الراسخة في عمق التفكير الشعبي قولهم للرجل القصير القامة ( نص نصيص ) وهو شخصية خرافية لبطل شعبي متخيل يفعل الأعاجيب والمعجزات على الرغم من أنه نصف رجل لا يملك على سبيل المثال سوى عين واحدة .ومن  الخرافات المرتبطة بالعين في التراث الشعبي مسألة الثأر حيث يُقال أن في عين كل رجل يُقتل ظلماً يوجد طفل يُولد في نفس لحظة الموت إلا أنه سرعان ما يموت هو الآخر لأن مسافة السقوط من عين الرجل إلى الأرض مسافة طويلة لا تتحملها بنيته الضئيلة ، وهذه الخرافة تذكرنا بفكرة الهامة التي كان  الجاهليون يعتقدون أنها تخرج من رأس القتيل في شكل هائم مرفرف يبتغي القصاص يظل يصرخ ويندب ” اسقوني اسقوني ” إلى  أن تُراق دماء مغتاليه فيُروى ويسكن  .

ربَّ عين أنُّم من لسان !

خزانة الأمثال الشعبية السورية غنية بالحديث عن العين في مختلف حالاتها الرمزية والواقعية ، فـــ (العين مغرفة الكلام ) والمغرفة ما يُغرف به الطعام دلالة على أن العين هي أفضل وسيلة للتعبير الإنساني لذلك قيل في الأمثال العربية (ربَّ عين أنُّم من لسان )  وقد تتحول العين إلى  ساتر يحجب كل ما عداه لذلك قالوا ( الحب أعمى ) وقال الشاعر العربي القديم بهذا المعنى :

 

عين المحب عن كل عيب كليلة      لكن عين البغض تُبدي المساوئا

 

وفي هذا السياق أيضاً درج المثل الطريف (القرد بعين أمو غزال ) ويقولون ( اللي بيشوفني بعين بشوفو بعينتين ) دلالة على الكبرياء والاعتزاز بالنفس و(المكتوب على الجبين لازم تشوفوا العين ) و ( حط إيدك على عينك مثل ما توجعك توجع غيرك)  و( أصفى من عين الديك ) يضرب في نقاوة الشيء  و ( على عينك يا تاجر ) أي بصراحة ودون خوف ويقال ( العين بصيرة واليد قصيرة) دلالة على عدم القدرة على المساعدة و(العين ما بتعلى على الحاجب) و (العين ما بتقاوم المخرز ) يضرب للضعيف أمام القوي .