أجرى الكاتب الصحفى فهمى هويدى، مقارنة بين وضع الناشطة المفرج عنها مؤخرا آية حجازى، والقاضيان المتهمان بالكثير من الاتهامات لمشاركتهما فى وضع مشروع مكافحة التعذيب، لافتا إلى أن الرئيس الأمريكى استقبل “حجازى” فى أمريكا لتحسين صورته وأنه يدعم الحقوق الإنسانية ويقف خلف شعبه فى الداخل والخارج.

 

وأضاف “هويدي” فى مقاله بـ”الشروق”: الحقوقيون من أمثال نجاد البرعى غير مرضى عنهم وفتحهم ملف التعذيب غير مرحب به أما القاضيان فهما من دعاة استقلال القضاء الذين يتم التخلص منهم لأنهم بدورهم غير مرضى عنهم، مثل غيرهم من “المشبوهين” الذين اشتركوا فى ثورة 25 يناير.

 

والى نص المقال:

أيصح أن يعاقب اثنان من القضاة ــ حتى يتعرضا لاحتمال الفصل ــ لأنهما شاركا فى وضع مشروع لمكافحة التعذيب؟ السؤال من أغرب ما يمكن أن يطرح فى زماننا. لأننا نفهم أن يعاقب الذين يمارسون التعذيب. ولكننا لا نريد أن نصدق أن العقاب يمكن أن يكون من نصيب الذين يكافحونه.

 

وعلى أسوأ الفروض وأتعسها، فإن التعذيب إذا كان قد أصبح من الخطوط الحمراء و«الثوابت الوطنية»، فلماذا لا ندع الذين يكافحونه وشأنهم، بحيث يعدون المشروعات التى تعِنّ لهم، فى حين يستمر الوضع كما هو عليه، كما هو الحاصل مع المنظمات الحقوقية التى ما برحت تندد بالتعذيب ليل نهار، دون أن يؤثر ذلك على «ثوابت» الداخلية وممارساتها. أعنى لماذا لا نستجيب للدعوة إلى ستر البلوى، ونصر على فضح أنفسنا على الملأ، بحيث يشمت فينا كل من هب ودب.

 

قبل أن أستطرد، أذكر بأن فريق الرئيس الأمريكى انتهز فرصة إطلاق سراح المصرية الأمريكية آية حجازى واستقبال الرئيس لها فى ، وحوّل المسألة إلى فيلم دعائى لتحسين صورة الرئيس الأمريكى، وتقديمه بحسبانه الرجل الذى يدافع عن كرامة الأمريكيين فى الداخل والخارج. أما نحن فنتطوع بين الحين والآخر بإهداء وسائل الإعلام قصصا وأخبارا تشوه صورة البلد وتفضح نظامه. وفى الوقت ذاته نملأ الدنيا صياحا وغضبا لأن المنابر الإعلامية الأجنبية لا تذكر بخير.

 

لقد أعلن هذا الأسبوع أن مجلس الصلاحية بوزارة العدل انعقد للنظر فى أمر القاضيين الجليلين المستشار عاصم عبدالجبار نائب رئيس محكمة النقض والمستشار هشام رءوف الرئيس بمحكمة الاستئناف، بعد اتهامهما بالاشتراك فى وضع مشروع قانون لمكافحة التعذيب، ونسب إليهما أنهما «عملا مع جماعة غير شرعية يرأسها المحامى نجاد البرعى (الحقوقى المعروف)» لهذا الغرض، وكان رئيس مجلس القضاء الأعلى قد طلب من وزير العدل فى شهر إبريل من عام 2015 ندب قاض للتحقيق فى تعاون القاضيين مع الأستاذ البرعى لإنجاز المشروع. وهو من سبق أن وجهت إليه اتهامات بتأسيس جماعة غير مرخصة باسم المجموعة المتحدة بغرض التحريض على مقاومة السلطات العامة وممارسة نشاط حقوق الإنسان دون ترخيص. وتلقى تمويل من المركز الوطنى لمحاكم الدولة، وإذاعة أخبار كاذبة وتكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة.

 

من يتابع الموضوع، خصوصا بيان المجموعة المتحدة يدرك أنه من شقين، أحدهما يتعلق بنشاط المجموعة ومواقف واتصالات الأستاذ نجاد البرعى، الذى وجهت إليه الاتهامات السابق ذكرها. الشق الثانى ينصب على تعاون القاضيين مع المكتب فى إنجاز مشروع مكافحة التعذيب. والاتهامات الأولى تؤسس للشق الثانى، على اعتبار أنه من وجهة نظر الادعاء مكتب «مشبوه» اشترك القاضيان فى بعض أنشطته. بما يستوجب المساءلة والعقاب.

 

الأصل أن نأخذ مثل تلك الادعاءات على محمل الجد، إلا أن خبرتنا لا تشجعنا على ذلك. وقائمة الاتهامات الجسيمة التى وجهت إلى آية حجازى وجمعيتها (بلادى) وبرأتها المحكمة منها جميعا، دليل حى بين أيدينا يؤيد تلفيقها ويشككنا فى جديتها. وهو ما يدعونا إلى القول بأن ما هو منسوب إلى الأستاذ البرعى والقاضيين من اتهامات له أسباب أخرى غير تلك التى وردت فى الادعاءات. ويدعونا بالتالى إلى تصديق ما قيل عن أن الأمر فى جوهره لا يخرج عن كونه من قبيل التأديب وتصفية الحسابات، فالحقوقيون من أمثال نجاد البرعى غير مرضى عنهم وفتحهم ملف التعذيب غير مرحب به. أما القاضيان فهما من دعاة استقلال القضاء الذين يتم التخلص منهم لأنهم بدورهم غير مرضى عنهم، مثل غيرهم من «المشبوهين» الذين اشتركوا فى ثورة 25 يناير. وإذا ما صح ذلك فإنه مما يبعث على الأسى، ليس فقط لأنه من قبيل القمع الذى صار يمارس بحق كثيرين فى مصر، ولكن أيضا لأنه يفضحنا ويكشف عوراتنا أمام الأجانب.