حاوره عبدالحليم الجريري – ( – وطن)

مرصد الحُقوق والحُرّيات بتونس هو جمعيّة تونسية غير حكوميّة تنشط منذ نوفمبر 2013 .

صدر الإعلان عنه بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 25 أوت 2014، ويضمّ عددا من المحامين والصحافيّين والنشطاء في الساحة الحقوقيّة، كما يهتم برصد الإنتهاكات المسلطة على حقوق الأفراد والمؤسسات والتصدي للاعتداءات التي تستهدف الفردية والعامة ويعمل على نشر ثقافة حقوق الإنسان.

ويعمل من أجل تحقيق جملة من الأهداف الأساسيّة، منها الدفاع عن والحريات الفردية والجماعية داخل تونس وخارجها، والتصدي لكافة أشكال الانتهاكات والتجاوزات، والعمل على نشر الوعي بحقوق الإنسان وحرياته، وتعزيز احترامها مع المساهمة في إرساء مبادئ التعايش السلمي وقيمه ومناهضة التمييز بكافة أشكاله وتوفير الإحاطة والمساعدة القانونية لضحايا الانتهاكات والعمل على رد الاعتبار لهم لكي تكون له مكانة عليا في البلاد وريادة في تحقيق مستقبل تسوده الحرية والكرامة وتُكرّسُ فيه قيم العدالة وفق بيان تأسيسه.

ومن القيم الأساسيّة التي يقوم عليها مرصد الحقوق والحرّيات هي الإستعداد الكامل لتقديم الوقت والجهد المطلوب لتحقيق الأهداف وتنفيذ المهام بكل مهنية وجودة وعدم التعاطي مع القضايا من منطلق نفعي أو شخصي والإهتمام بالأبعاد الإنسانية مع ضحايا الانتهاكات، كما يتأكّد من دقة المعلومات والأخبار التي يتم نشرها وتداولها، ولا يُوظَّف عمله لخدمة أي أغراض شخصية أو سياسية ويقوم بدوره من خلال تتبع التجاوزات والانتهاكات أمام القضاء الداخلي والدولي والتصدي لظاهرة الإفلات من العقاب وإشعار الجهات المسؤولة والمعنية بمختلف التجاوزات والانتهاكات المرصودة قصد إيجاد الحلول المناسبة لها.

صحيفة “وطن” إلتقت برئيس المرصد السيّد في حوار شامل حول كلّ ما يتعلّق بالشأن الحقوقي، قال لها فيه إنّ تشكيل الهيئة الوطنيّة لمناهضة مرّ بمخاض عسير جدّا بعد سنوات عديدة من المكافحة حتى داخل مجلس النوّاب نفسه، واليوم هنالك قوى تشدّ إلى خلف، وهذا يتبلور من خلال منع الهيئة من ممارسة عملها من خلال التعدي على دورها، ودعا في ذات السياق الدّولة إلى محاسبة كلّ من يعرقل عمل الهيئات الدستورية أو الهيئات القانونيّة.

أنور بالحاج علي

أنور بالحاج علي

وأضاف السيّد الحاج علي أنّ محاولات إرساء أمن جمهوري في تونس محتشمة جدّا، لكنّه يرى في نفس الوقت أنّ إصلاح منظومة العدالة ومنظومة المجلّة الجزائيّة بالتنقيح الأخير الذي أصبح يسمح للمحامي بالحضور لدى باحث البداية، يرى أنّ هذا القرار “جريء وثوري”، لكن محتواه منقوص وأفرغ من كلّ الغايات التي رسمت له وهي أساسا بأن يخرج جهاز الضابطة العدليّة سواء في الشرطة أو الحرس عن وزارة الداخلية ويصبح تابعا لوزارة العدل وتحت إشراف مباشر ومادي للنيابة العموميّة، وفي ما يلي نصّ الحوار كاملا:

-ما هو موقفكم كمرصد للحقوق والحريات من أحداث القمع الأخيرة التي طالت الطلبة في تونس؟

–أكيد أنّكم تابعتم البيان الذي أصدره مرصدنا، نحن بالطبع نندّد بشدّة بكلّ أساليب القمع التي ينتهجها البوليس التونسي لفض الإحتجاجات السلميّة التي هي حقّ مكرّس بالدستور، وأعتقد أنّه لا يمكن لنا أن نسمح بالعودة إلى المربّع الأوّل حيث كان يضطهد الناس وتقمع الحرّيات، ويعتدى خاصّة على من يمثّلون نخبة البلاد في المستقبل ألا وهم طلبة الحقوق.

-هل ترى في استخدام العنف بطريقة وحشية ضد الطلبة العزل إنذارا بعودة المنظومة الأمنية القديمة إلى سالف عهدها؟

–في الحقيقة فإنّ هذه الممارسات البوليسيّة لا تشمل هذه المحطّة فقط، بل تشمل محطات كثيرة أخرى أثبتت للأسف أنّ البعض مازال يحنّ إلى الماضي، وأعتقد أنّ الآليات التي تعوّد بها الموظّف التونسي في ممارسته لعمله إذا لم تطوّر وفق المنظومة الجديدة للبلاد فإنّه سيجد الفرصة لممارسة ما كان يمارسه سابقا.

-وزير الداخلية الهادي مجدوب أكد أن أعوان لم يستخدموا العنف خلال تفريق الوقفات الاحتجاجية للطلبة، هل ترى في تصريحه مغالطة للرأي العام أم مغالطة له من قبل الحاشية المحيطة به؟

–الناس الذين “غلّطوهم” هربوا السعوديّة، هي نفس السياسة التي تعوّدنا بها، فتقريبا وزراء الداخلية على اختلاف أشخاصهم يتعمّدون الإنكار دائما، ثمّ بعد ذلك إذا كان هنالك ضغط عبر أدلّة وبراهين يتراجعون إلى تسمية ما حدث “بالممارسات الفرديّة” التي لا تنمّ عن السياسة الأمنية للدولة وهكذا، أنا أعتقد أنّه على وزارة الداخليّة قبل أن تسارع إلى النفي أن تفتح بحثا جدّيا في موضوع الإعتداء على الطلبة ثمّ بعد ذلك تصدر بياناتها، وإلا فمن الذي ضرب هؤلاء الطلبة ومن اعتدى على الطالب الذي ابتلع لسانه وشارف على الموت ومن الذي تسبب في كلّ تلك الكدمات على وجه الطالب الذي رأيناه منتفخ العين ومن الذي كسر ساقي الطالبة نهى؟ 

-هل فشلت تونس في إرساء نظام أمني جمهوري بعد 6 سنوات من الثورة أم أنها مازالت تحاول ذلك؟

–للأمانة نحن لا ننكر المحاولات، لكنني أعتقد أنّها محتشمة جدّا، رغم أنني أعتبر ما يسمّى بإصلاح منظومة العدالة ومنظومة المجلّة الجزائيّة بالتنقيح الأخير -الذي أصبح يسمح للمحامي بالحضور لدى باحث البداية- خطوة جريئة وقانونا ثوريّا، لكنّني أرى في نفس الوقت أنّ هذا القانون أفرغ من كلّ الغايات التي رسمت له وهي أساسا أن يخرج جهاز الضابطة العدليّة سواء في الشرطة أو الحرس عن وزارة الداخلية ويصبح تابعا لوزارة العدل وتحت إشراف مباشر ومادي للنيابة العموميّة، فإذا أصبح هنالك ما يسمّى بالشرطة القضائية كما في الدّول المتقدّمة التي تحترم نفسها فهذا بالتأكيد سيحسّن في الأداء ويكثّف في الرقابة من النيابة العموميّة وبالتالي سيجنّبنا العودة إلى الممارسات القديمة ويقينا من الوسائل الجديدة التي صارت تستعمل للتعذيب ولا تترك آثارا مثل التعرية والتهديد بالإعتداء الجنسي وغيرهما من الوسائل التي لا يمكن حتّى للطب الشرعي إثباتها.

-ما هو تفسيركم لتصاعد وتيرة الاحتقان في تونس؟

–هو حراك طبيعي نتيجة وعود زائفة أعطتها الفئات السياسية لأناس ينظرون إليهم كناخبين وكأصوات يريدون كسبها، فنسبة البطالة زادت ونسبة النمو انخفضت وأصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل زاد، طريقة التكوين أصلا بما يسمّى تصليح التعليم أضرّت كثيرا بمستوى التكوين وأسرعت بتخريج الطلبة ما زاد في عدد العاطلين منهم وكلّنا نعرف أنّ الكمّ يقتل الكيف.

-هل توافق القائلين إن هناك ثورة ثانية تطبخ على نار هادئة في البلاد؟

–نعم لأنّ هذا الكلام له ما يسنده، فبالفعل هنالك حراك كبير يحصل في الجنوب التونسي وفي بعض مناطق الشمال الغربي، وأعتقد أنه إذا لم يكن هناك إعادة للثقة في مؤسسات الدّولة فإنّ ثورة أخرى يمكن أن تحدث وستكون أكثر دمويّة وفوضى من الأولى.

-ما هو موقفكم من منع الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب من ممارسة وظيفتها؟

–نحن منذ البداية، ومنذ أسست هذه الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب وانتخب أعضاؤها أصدرنا مساندتنا لها كمرصد في اتجاه أن تكفل لها فعلا الإستقلاليّة التّامة وأن يعطى لها من الأموال ما يكفي لأن تقوم بعملها، لأننا في العهد البائد اكتفينا بسياسة الديكور والماكياج والتلميع والتزيين.

-حسب رأيك، لماذا تمّ تشكيل هذه الهيئة ثم منعها من العمل؟

–تشكيلها في الحقيقة مرّ بمخاض عسير جدّا وشكّلت بعد سنوات عديدة من المكافحة حتى داخل مجلس النوّاب نفسه، واليوم هنالك قوى تشدّ إلى خلف، فما معنى أن تمنع هيئة وطنية من ممارسة عملها؟ نحن نشجب هذا بشدّة وندعو الدّولة إلى محاسبة كلّ من يعرقل عمل الهيئات الدستورية أو الهيئات القانونيّة.

-من يتحمّل مسؤولية هذه التعطيلات والعراقيل التي تتعرّض لها هذه الهيئة القانونية المنتخب أعضاؤها من قبل البرلمان؟

–كما قلت لك هي قوى الشدّ إلى وراء وطبعا هي مسؤوليّة السّاسة وعلى رأسهم وزارة الداخلية لأنها هي التي تدير الحدود من الجانب التابع للمطار، وبالتالي فإنّنا نحمّل المسؤولية مباشرة لوزير الداخليّة والضباط السامين في وزارة الداخلية الذين منعوها من تأدية وظيفتها.

-بالحديث عن التعذيب، هل مازالت الجهات الأمنية والسجنية في تونس، تواصل التعذيب؟

–طبعا مازال ممارسا والآن يمارس في السجن كما يمارس في غير السجن على متهمي الحق العام ومتهمي الإرهاب، وللأسف سمعنا أصواتا بعض ممّا يدّعون أنهم حقوقيون يبررون التعذيب في قضايا الإرهاب، وتبريرهم إن لم يكن صراحة فهو عبر السكوت، وبالنسبة لنا كمرصد للحقوق والحريات فإننا نشجب التعذيب في كلّ أنواع القضايا، سرقة أو قتل أو إرهاب لأنّه لا شيء يبرّر التعذيب.

-ولكن هنالك قضايا تهدد الأمن القومي ومنها الإرهاب، هكذا يقول البعض حتّى من الحقوقيين، ما رأيك؟

–تبرير التعذيب في قضايا الأمن القومي أمر خطير جدّا وأعتقد أنّه على من يدّعي أنّه حقوقيّ ويبرّر التعذيب أن يخلع هذا اللباس وأن يبيّن لنا وجهه الحقيقي، لأنّ التعذيب أدّى بنا إلى كوارث، ولدينا قضيّة باردو غير البعيدة، حيث عذّب الموقوفون فيها بشكل شنيع وأحيلوا على القضاء ليثبت القضاء بعد ذلك أنهم أبرياء وحفظت في حقّهم التهم، وأكثر من ذلك وأخطر منه أنه ثبت أنّ عمليّة سوسة التي ارتكبت بعد أشهر من عمليّة باردو في صيف 2015 نفّذها نفس الذين خططوا لعمليّة باردو، ولو كان باحث البداية بحث في الإتجاه الصحيح دون وبإعمال الوسائل العلمية وبذكاء لكان أمكن ربّما تفادي عمليّة سوسة التي أودت بضحايا أكثر وأكبر من حادثة باردو، لذلك أعتقد أنّ هذا التبرير ليس سويّا والإنسان الذي يبرره هو إنسان قصير نظر أو ربّما لا يرى مطلقا لأننا نستطيع بالتعذيب أن نجبر بريئا على إلصاق التهمة به والإعتراف بشيء لم يقترفه. 

-من هم أبرز المتضرّرين من التعذيب وما هي الأساليب التي يتم استخدامها؟

–التعذيب من حيث التنوّع لا يستثني أحدا، يعني هنالك تعذيب في قضايا مخدّرات وقضايا سرقة خاصّة عندما يكون المتضرر من السرقة صاحب مكانة اجتماعيّة، الإحصاء الثاني الذي خرجنا به هو أنّ أكثر حالات التعذيب وقعت في قضايا الإرهاب لأنّ باحث البداية للأسف دائما ما يتغطّى بجبّة “الإفراط في الوطنيّة” ويتذرع بعدم الحديث عن حقوق الإنسان وأمن البلاد مستهدف، للأسف نحن عدنا إلى الأساليب القديمة وأنا أتحدّث معك في بعض طرق التعذيب كطريقة التعليق التي مورست في قضيّة باردو بشدّة وطريقة التعرية تماما من اللباس وطريقة الصّعق بالكهرباء والطريقة القديمة الجديدة وهي الإيهام بالإغراق والإغراق في البراميل الممتلئة بالروث وبالبقايا البشريّة وهذا الأسلوب مورس حتّى على فتاة لم يتجاوز عمرها العشرون سنة. 

-إلى أين وصلت القضايا المرفوعة في حق الأمنيين المورّطين بالتعذيب ؟

–من أكثر القضايا شهرة والتي فتح ضدّها تحقيق هي قضيّة باردو المعروفة لما حملته من آثار وتبعات وخاصّة حالة أحد منوّبيّ الذي نجم عن تعذيبه سقوط وقتيّ يقدّر بـ25%، بل إنّ الطبيب الفاحص المختصّ في الطّب الشرعي قدّر أنّ الشفاء النهائي له لن يحصل إلا بعد ستة أشهر، يعني وكأنّ هذا الشخص قد صدمته شاحنة كبيرة أو تعرّض للسقوط من الطابق السادس أو السابع، القضية مازالت جارية عند أحد السادة قضاة التحقيق، وللأسف تمّ إبعاد المورّطين فيها فقط من الفرقة المختصّة في أبحاث جرائم الإرهاب وتمّ توزيع عدد منهم على بعض المناطق البعيدة عن العاصمة ولكن إلى الآن هم بحالة سراح لأنّ وزارة الداخليّة كما تعرف تمارس ضغوطات ليفلت هؤلاء من العقاب.

-هل تعتقد أن الإفلات من العقاب أصبح سياسة ممنهجة للدولة ؟

–سياسة الإفلات من العقاب هي سياسة موجودة منذ العهدين السابقين، وأنت تعلم أنّ هذين النظامين مصنفان كنظامي بوليس وبالتالي فإنّ البوليس له المكانة والصّوت الأعلى، وطبعا في بعض القضايا المعيّنة تجد أنّ هناك لوبيات وحماية تسلّط على بعض الجهات طبعا حتّى لا تصل إليها يد القضاء، ومع قضاء مرتعش لا يحسّ بالحماية لن نشهد إيقافات في ملفّات حسّاسة من هذا القبيل.

-هل عادت سياسة الإيقاف بناء على المظهر إلى سالف عهدها؟

–أعطيك بعض الإحصائيات وأبتعد بك قليلا عن التعذيب، أعطيك إحصائيات حسب مرصدنا في سياق الإجراء الحدودي s17، تقريبا تقديرات المرصد تقول إنّ ما بين الـ100 ألف و200 ألف تونسي إن لم يكن أكثر يخضعون إلى هذا الإجراء الحدودي.

-وزير الداخلية يقول إن العدد هو 5000 شخص فقط.

–هذا ليس صحيحا لأنّه عندما سئل في مجلس النواب قال إنّه لا يستطيع تقدير العدد وتهرّب من الإجابة بقوله “إنّ العدد لا يمكن حصره لأنّه متغيّر ونحن نعتمد على صلاحيات وزارة الدّاخليّة”، وأعتقد أن وزارة الداخلية ما لم ترفع السريّة عن هذه الشيفرات التي تضعها أمام الناس فلا يمكننا تصديق أي رقم يقولونه لنا.

من جهة أخرى أرى أن المنع من السفر لا يكون إلا بقرار قضائي لذلك فإنّ هذا القرار هو تعدّ صارخ على القانون.

-بعض المصادر أكدت وقوف أجهزة الاستخبارات الأمريكية وراء تطبيق تونس للإجراء الحدودي المعروف بـ S17، ما هو تعليقك؟

–ليست لدينا معطيات ثابتة لهذا الطّرح ولا نستطيع الجزم به، لكن الثابت لديّ أن القطب الأمني فيه تدخّل أمريكي ورأيت بأمّ عيني سيارات السفارة الأمريكيّة تدخل مبناه وهو دليل على تدخّلهم.

-ما هو تعليقك على هذه المقولة التي يتم ترديدها “الأمن يشد والقضاء يسيّب”؟

–هذه مقولة النقابات الأمنية التي يعلم الجميع أنّ بعضها له أجندات سياسيّة ويعمل لفائدة هذا الطّرف أو ذاك، وبعض المنتمين لهذه النقابات يقبع حاليّا في السجن لأنّ القضاء أثبت ابتزازهم للمواطنين وانتهاج حتى أسلوب التنصّت الهاتفي عليهم وهو غير قانونيّ، كما رأينا منهم أيضا محاولات للإيقاع بالسلطة القضائيّة عبر استعمال فتيات وتسجيلات وفيديوهات لتوريط قضاة، هذه النقايات للأسف تريد أن تكون المستنطقة والمستجوبة والموقفة، وتريد أن تعود إلى ما كان عليه النظام البوليسي في السابق، أي أن تجمع كلّ السّلط بيدها، وربما لم يرق لها استقلال بعض القضاة الذين يريدون القيام بواجبهم في إطار القانون دون تعسّف أو عدم مجاراة هذا الصّيد بالكركارة -كما أسميته- لأبناء ما يسمّى بالصحوة الإسلامية أو المنتمين إلى بعض التيارات الإسلاميّة، وبدأت الحملات تشمل ليس فقط ما يسمّى بأنصار الشريعة المنحلّ أو بعض ما يسمونهم هم “بالسلفيّين الجهاديّين” بل بدأت تشمل حتى البعض من أنصار حركة النهضة وهي حركة سياسية معترف بها، وبدأت تشمل أيضا حزب التحرير المرخّص له وغيرهما، فهذه المقولة هي مقولة باحثي البداية ومجموعاتهم التي يريدون من خلالها كما قلت الضغط على القضاء.

-هل هناك علاقة بين القطب الأمني الذي تمّ إنشاؤه في ديسمبر 2014 والمخابرات الأمريكية؟

–هذا ثابت، وتونس لا تنكر التمويل الأمريكي، ونحن كمرصد للحقوق والحريات سنة 2014 أصدرنا بيانا يشجب ويندّد بإنشاء هذا القطب الذي اعتبرناه محكمة استثنائية خارجة عن القانون باعتبار أنه لا شيء في المجلّة الجزائيّة يسمح بوجود هذا القطب، وأنّ محاكمة المتهمين لا بدّ أن تتمّ على قدم المساواة حيث يحاكم الجميع من أجل القتل والإغتصاب والسرقة وغيرها من الجرائم، وبالتالي ليس هناك مبرر لجعل محاكمات المتشددين تتمّ في أماكن خاصّة.

-هل يوجد أمريكان يعملون وينسّقون مع الجانب التونسي داخل القطب الأمني؟

–الإشكال مازال إلى الآن متمثّلا في الخلط بين القطب القضائي والأمني في نفس الوقت، بل إنّ القطب القضائي موجود في الأسفل في الطابق الأرضي والقطب الأمني يحتلّ الطابق الأوّل والثاني وهذا خطير لأنّ الأصل أنّ القاضي حرّ ومستقلّ حسب الدستور القديم والجديد ولا يمارس وظيفته وعليه رقيب سوى القانون والضّمير، لكن للأسف عندما تجد أمنيّا مختصّا في الإستعلامات أو غيرها موجودا فوق القطب القضائي فهذا نعتبره ضغطا مكثّفا على القضاة وخاصّة السادة قضاة التحقيق.

-إلى أين وصلت التحرّكات الدولية التي قمتم بها من أجل التعريف بالإجراء S17؟

–ننتظر  مناقشة التقرير الدّوري الشامل في الأمم المتّحدة في جونيف في بداية الشهر المقبل كي نستطيع ملاحظة الأثر الذي تركته التقارير التي رفعها مرصدنا أو مختلف جمعيات المجتمع المدني الأخرى، وقد تفاعل مجلس النوّاب معنا بعد التقارير التي رفعناها إلى السادة النوّاب وفيها عيّنات لبعض ضحايا هذا الإجراء، أيضا التقينا ببعض المقررين المختصين من الأمم المتحدة ومنهم المقرر الخاص بمراقبة حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب والذي تفاعل جيّدا مع كلّ التشكّيات والإنتهاكات التي وثّقناها ورفعناها. 

-بعض المصادر أكدت لنا أن وزارة الداخلية أصبحت تمتنع عن الرد على مراسلات المحكمة الإدارية بخصوص القضايا المرفوعة من قبل متضرّرين من هذا الإجراء، فما تعليقك على هذا؟

–الثابت هو أنّ وزارة الداخليّة لا تردّ على تشكّيات يرفعها المواطنون بنسبة 99،99%، لكن ربّما في بعض القضايا التي ترفع والتي تعتبر قليلة وليست بنفس العدد نجد ردّا من وزارة الداخلية وهي تجيب لأنّه ليس في صالحها ألّا تجيب باعتبار أنّ المحكمة الإدارية إذا امتنعت الإدارة عن الردّ تعتبر ذلك عدم تبرير لذلك الإجراء وتذهب في إلغائه لفائدة المشتكي.

-هل تعتقد بتورط أجهزة داخل الدولة في صناعة الإرهاب؟

–حسب ما بلغ مرصد الحقوق والحرّيات من تشكّيات وخاصّة في بعض القضايا الكبرى من مداهمات وهرسلة يوميّة لبعض الأشخاص، أعتقد أنّ هذا هو الذي يصنع الإرهاب لأنّه عندما تحصل الهرسلة اليوميّة والتضييق والمنع من العمل والمداهمات غير المبرّرة ليلا في وقت متأخر فإنّ هذا يدفع بالشباب نحو الإرهاب، ونحن طبعا لا نبرّر ردود الفعل التي يذهب إليها البعض، ومرصدنا أقام ندوة عنونها بـ “هل نقاوم الإرهاب أم نصنعه”، ناقشت الأسباب المباشرة التي تقف وراء تفريخ الإرهابيين.

-هذا اعتقاد نظري وأنا سألتك هل هنالك كيانات ماديّة يعني شخوص متورّطون في صناعة الإرهاب؟

–أعتقد أن ما يحدث من عمليّات إرهابيّة يمسّ البلاد بصفة مباشرة وخاصّة منها الحادثتين أو الثلاث أحداث الإرهابية الأخيرة، وإن لم يكن هنالك تواطئ أمني فهناك تخاذل وعدم يقظة، ثمّ وفي ردّة الفعل على هذا الفشل الأمني هناك استغلال لهذه العمليات من أجل تمرير أجندات معيّنة، وانظر إلى الذين ضغطوا من أجل تمرير قانون الإرهاب في أوت 2015 بعد هجمتي سوسة وباردو.   

-هل تعتقد أن القضاء أصبح مكبّلا وخاضعا لإملاءات السلطة اليوم من خلال سكوته على مثل هذه الجرائم الخطيرة؟

–لن أكون متشائما ولن أقول إنّ القضاء قضاء واحد، فهنالك قضاة مستقلّون وهنالك قضاة يحاولون أن يكونوا مستقلّين وهنالك قضاة للأسف تركيبتهم وتكوينهم وشخصيتهم لا تسمح تماما بأن يكونوا كذلك، وأعتقد أن إصلاح منظومة القضاء ومنظومة العدالة برمّتها يمرّ عبر إيجاد آليات لتكثير عدد القضاة والتركيز على تكوينهم أكثر وإيجاد ما يسمّى بالإختصاص، لأنّك اليوم تجد قاضيا ينظر في كلّ القضايا وهذا لا يوفّر الأرضية لتكون الأحكام ناجعة بما يكفي.

-ما رأيك في ما كشفته تقارير إعلامية عن وقوف آمر الحرس لطفي براهم وراء أحداث المنيهلة ؟

–أنا أنوب في قضيّة المنيهلة وللأمانة فإنه حسب المعطيات الموجودة في الملفّ هناك عديد الإخلالات وأصلا يبدو أنّه هنالك خلاف وقع بين الرئيس السابق للوحدة الوطنيّة للأبحاث في جرائم الإرهاب (الذي تمّ عزله سابقا وتمّ إرساله الآن إلى القطب الأمني وهو السيّد عمّار الفالح) وبين آمر الحرس الوطني لطفي براهم وهناك كلام عن أنّ الإختراق الذي تمّ لاستدراج المشتبه بهم وجمعهم في المنازل كان بتخطيط من آمر الحرس الوطني وهناك من يتّهمه بأنّه يوالي شقّا معيّنا في أجهزة الدّولة والأحزاب ويشتغل لصالح أجندة معيّنة، وهذا الكلام قيل وليس لنا عليه إثباتات ماديّة، والثابت لدينا في هذا الملفّ أنّ هنالك إخلالات إجرائيّة واضحة، كما هنالك من يذهب إلى أن هذه الجريمة مستثارة.