- كتب شمس الدين النقاز”- على غرار التجاذبات السياسية والأيديولوجية التي تشهدها بعد 14 من يناير 2011، طفت على السطح من جديد حالة من التباين في مواقف الإعلام والصحفيين التونسيين مما يحدث في ، ففي حين يرى البعض أنها “ثورة شعبية ضد الدكتاتورية”، يشدّد آخرون على أنها “مؤامرة تستهدف المقاومة”.

 

ودائما ما يشتدّ الخلاف بين الصحفيين التونسيين على إثر تطورات الأحداث في سوريا لصالح أحد طرفي النزاع، على غرار موقفهم مما حدث مؤخرا في مدينة خان شيخون، والخلافات الدولية حول النظام للمدنيين باستخدام غاز السارين المحرم دوليا، إضافة إلى القصف الأمريكي على مطار الشعيرات العسكري في ريف حمص الجنوبي الشرقي.

 

“سوريا أصبحت محطة كبرى للصراع الدولي”

وفي هذا الإطار، يرى ناجح بن جدو الصحفي بـ”الشروق” التونسية إن “ما يحصل في سوريا يتجاوز في مفهومه الحقيقي مصطلح الأزمة أو الثورة بل يصح القول إن سوريا أصبحت محطة كبرى للصراع الدولي حيث تتصارع أكبر القوى الدولية من أجل مصالحها ولكل طرف أهدافه الحقيقية، وما نسجله في مجريات الأزمة السورية والذي سيبقى وصمة عار في التاريخ هو الدور العربي المرتبك في التعامل مع هذه الأزمة، والتدخلات الإقليمية التي تدعم بشكل مباشر بعض التنظيمات المتطرفة.”

 

ويضيف بن جدو في حديثه لـ”وطن” “أعتقد أن بعض الدعوات العربية والغربية للإطاحة بالرئيس السوري غير واقعية وستفتح المجال لتتحكم التنظيمات الإرهابية بالأراضي السورية، لهذا فقد أصبح من الضروري إرجاع العلاقات الدبلوماسية بين كل الدول العربية ودمشق في أقرب الآجال خدمة للأمن القومي العربي.”

وختم الصحفي التونسي حديثه بالقول “في نهاية المطاف سينتصر الصمود السوري في وجه كل التنظيمات المتطرفة وستعود سوريا أقوى بعد نهاية هذه الحرب التي تتعرض لها”.

 

من جهتها، اعتبرت نسرين حمداوي الصحفية بموقع “آخر خبر أونلاين” أن “الموقف من القضية السورية لا يمكن أن يتمثل في الاصطفاف وراء النظام أو محاربته لأننا ببساطة لم نعد نتحدث عن ثورة شعبية بعد سنة 2012 إثر تدخل جيوش غربية وتنظيمات إرهابية على الخط، لكن في كل الأحوال لا يمكن إنكار الدور المحوري الذي تلعبه القوى الكبرى في المنطقة وخاصة في سوريا بجعلها حلبة صراع بين المعسكرين الشرقي والغربي”.

 

وأكّدت حمداوي لـ”وطن” أنه إن كان هنالك ضحية في الأزمة السورية فهو الشعب الأعزل الذي وجد نفسه بين مطرقة دكتاتور ونظام شيه ملكي وسندان الإرهاب والمصالح الخليجية ومن وراءها القوى الأمريكية.

 

“نحن مع النظام لاستمرارية الدولة السورية”

يسري اللواتي الصحفي بموقع “حقائق أونلاين” شدّد على أن الصحفي والمتابع للشأن السوري يجب أن يكون موقفه من الحرب الدائرة في سوريا بعيدا عن أي ارتباط أيديولوجي شخصي بل يجب أن يُؤخذ بناء على معطيات ووقائع موضوعية وواقعية بحكم أن الصحفي لا يؤمن بالمسلمات التي تبثها مواقع القرار بل وجب عليه البحث والنبش عن مواطن الحقيقة.

 

وأضاف اللواتي لـ”وطن” أنه “على هذا الأساس، فإن تأييده للنظام السوري لم يكن ولن يكون في إطار التطبيل والتهليل للشخص بل لاستمرارية الدولة السورية في إطار نظام مواطني بدلا عن كل التنظيمات الإرهابية والمعارضة المرتبطة بدول تعتبر نفسها مدافعة عن الديمقراطية”.

 

وتابع “تحليل بسيط للواقع الاجتماعي والسياسي السوري منذ 5 سنوات سيفضي إلى سؤال محوري وهو كيف استطاع النظام الصمود لأكثر من 5 سنوات منذ اندلاع ما يعرف بالثورة ؟، هذه حسب بحثي اكتسبها من الدعم المواطني في مواجهة العصابات الإرهابية، فمن حق الدولة الحفاظ على استقرارها وأمنها في مواجهة أي خطر ارهابي” وفق تعبيره.

 

وأردف الصحفي التونسي قائلا “أنا أؤيد النظام لاعتبارات موضوعية كون الأرض السورية أصبحت مستباحة من جل العصابات التخريبية التي هجرت السوريين  فهل يكون النظام أشد قسوة من هؤلاء ؟، وإذا كان كذلك فلماذا لم نر الاحتجاجات سابقا، ولم يقول لي صديق سوري التقيت معه في عمان “كنا عايشين من قبل”.”

 

وفيما يخص الإعلام التونسي وتناوله لمجربات الأحداث في سوريا، قال اللواتي “أعتقد أن الإعلام التونسي استفاق من غيبوبة التواري والتماهي مع السائد خاصة الإعلام الخليجي، تقريبا قبل 2015 كانت جل الوسائل الاعلامية التونسية في حرب ضد نظام الرئيس بشار الأسد وهي حرب في غنى عنها حسب تقديري، ومن بعد سنة 2015 بدأت استفاقة غير متوقعة وطفيفة في مستوى التناول الإعلامي خاصة وأن عددا من وسائل الإعلام أبدت دعما ناعما للنظام بعد انكشاف مجريات اللعبة القذرة التي تشنها الدول الغربية والخليجية والعصابات الإرهابية في سوريا” حسب تقديره.

 

“النظام أنتج على مدى عقود فئات حاقدة عليه”

وفي سياق متّصل، قال كريم البوعلي مراسل وكالة الأناضول التركية بتونس، إن نظام بشار الأسد أنتج على مدى عقود فئات حاقدة عليه بسبب الاستبداد والظلم والكبت الذي عاناه المجتمع السوري للحريات.

 

وأضاف البوعلي في تصريح لـ”وطن” أن “الانتفاضة السورية ضد هذا النظام بدأت سلمية و عفوية إذ رفعت شعار “سلمية سلمية” في كل محافظات البلاد، لكن النظام شبه العسكري قمعها بالرصاص الحي واستعمل الدبابات و الطائرات لقصف أحياء كاملة بمجرد خروج مظاهرة منها كما قام بالاعتقال العشوائي للشباب بمجرد الاشتباه فيهم بالخروج في مسيرة أو كتابة شعار على جدار، وذلك لأن هذا النظام لم يتقبل فكرة أن يعارضه أشخاص أو أحزاب طيلة سنوات حكمه وبالتالي لم يسلم المتظاهرين من بطشه.

 

وتابع “الحرب المدمرة في هذا البلد العزيز على قلب كل عربي مسلم تسبب فيها النظام الذي لم يفكر في الإصلاح الديمقراطي أو فتح هوامش للحرية واستيعاب مناخ جديد في المنطقة، إلى أن تطور الأمر ليصبح حربا أهلية ثم حربا إقليمية استنجد فيها بإيران وحزب الله و و “مجاهدين شيعيين” و بالتالي في الطرف الآخر تكونت مجموعات متطرفة بدورها مثل “” وغيرها، وهو ما أدى إلى تشوه الوجه السلمي الحضاري للثورة التي بدأها الثوار السوريون.

 

وواصل كريم البوعلي حديثه لـ”وطن” بالقول “السوريون هم وحدهم المعنيون بالدفاع عن أنفسهم وأهاليهم، كما أن التدخل الأجنبي فتحه النظام الذي خير الحرب على القيام بإصلاحات ونشر الحرية و عوّض المسألة بالحديث عن “مؤامرة كونية وصهيونية وتكفيرية” في حين كان جوهر المسألة أن الاستبداد قد استفحل داخل سوريا فانفجرت الأوضاع الاجتماعية وهذا مآل طبيعي في كل الأنظمة الاستبدادية.”

وعن رأيه في تغطية وسائل الإعلام التونسية للحرب الدائرة في سوريا، أكّد البوعلي أن أغلب وسائل الإعلام منحازة لنظام بشار الأسد حتى أننا شاهدنا زيارات رسمية لوفود إعلامية مساندة له وما خفي كان أعظم، مشيرا إلى أنه في هذا الموقف لا يفهم كيف يقف صحفي مع نظام يقصف شعبه بالكيماوي وشتى أنواع الأسلحة التقليدية ويعذب وفق تقارير منظمات حقوقية مستقلة كتقرير منظمة العفو الدولية “أمنستي”، ويسجن الصحفيين ويستهدف حرية الإعلام في حين أن تغطية النزاعات تستوجب الحياد والموضوعية و أخلاقيات المهنة الصحفية تفرض الانحياز لمبادئ حقوق الإنسان وكرامة البشر، لذلك فإن الصحفي العاقل لا يمكن أن يقوم بالدعاية لنظام شرد الملايين ممن أصبحوا لاجئين، وقاد بلد حضارة وعلم وتاريخ للدمار والخراب من أجل رئيس مدى الحياة.

 

“كنت ولا أزال أساند التحركات الاحتجاجية للشعب السوري”

ويسؤالها عن موقفها من الحرب الدائرة في تونس، قالت الصحفية بقناة التاسعة ياسمين الحمروني “كوني صحفية ومن جيل الثورة التونسية، فإنني أؤمن بحق الشعوب في التوق للحرية والتحرر من الاستبداد وأتطلع إلى العيش في دولة تحترم حقوق الإنسان وتؤمن بالتعددية السياسية وبالحريات أهمها حرية الرأي والتعبير، فإني كنت ولا أزال أساند التحركات الاحتجاجية للشعب السوري وأقف تحية إجلال وتقدير لمعاناته وتهجيره وصموده”.

 

وشدّدت الحمروني في تصريح لـ”وطن” على أن الثورة السورية ولئن حادت عن مبادئها وتغيرت نسبيا بوصلة توجهاتها وانعدمت سلميتها، إلا أنها لازلت تساندها بعيدا عن طغيان النظام ومجازره ووحشية من يحمل السلاح معارضا له، كما أكدت أن تغطية وسائل الإعلام التونسية للأزمة السورية لم تكن موضوعية ولم ترتق لمستوى التحليل بل تقيدت بأحكام مسبقة واستماتت في السطحية التي لم تضف شيئا للمشاهد التونسي.

 

بدوره، اعتبر الإعلامي والكاتب التونسي الدكتور سمير ساسي، أن الحرب الدائرة في سوريا في جانب منها ظالمة  تشن على الشعب السوري التائق إلى حريته من مستبد مجرم ارتكب أبشع أنواع الانتهاكات التي تصنف ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، كما أنها في جانب آخر تجل واضح لتصادم مصالح الدول الكبرى في المنطقة سواء منها الاقتصادية أو الجيواستراتيجية.

 

وأكد ساسي لـ”وطن” أن الجانب الثالث لهذه الحرب هو ما يمكن أن نسميه بالجانب المشروع وهو الذي تخوضه المسلحة  للدفاع عن السوريين ضد همجية الميليشيات الأجنبية والطائفية خاصة العراقية والايرانية واللبنانية منها، والتي تستهدف  فرض خريطة طائفية جديدة تكون فيها الغلبة للشيعة على حساب السنة.

 

“عموم الإعلام التونسي منحاز لفائدة النظام”

وعن التغطية الإعلامية لوسائل إعلام بلاده، رأى الدكتور سمير ساسي أن تغطية وسائل الإعلام التونسية لهذه الحرب لا تبعد كثيرا عن تعاطيها مع قضايا الثورة عموما، والتي تتسم بمعاداة كل  مسار تحرري بما أن هذا الإعلام إلى حد الآن لم تصله الثورة، إضافة لارتهانه إلى لوبيات الفساد وأجندات السياسة الخارجية القديمة التي  خطّها وجوه النظام القديم، وهو عموما إعلام منحاز لفائدة النظام السوري بناء على أن العاملين فيه يتلقون دعما من جهات ممولة من هذا النظام.

 

وعند سؤاله عن موقفه من الحرب الدائرة في سوريا، قال الصحفي عبد الحليم الجريري “عندما يطرح عليّ مثل هذا السؤال أستحضر في ذهني بيت الشاعر “إذا تكاثرت الضباء على خراشٍ فما يدري خراش ما يصيد”، يعني من أين أبدأ؟ سوريا شعبا ووطنا دُمّرت بيد بشّار الأسد، الذي قالوا له أصلح فأبى ان يكون الا من المفسدين، وكأنّ البلاد وقف تابع له ولآبائه المجرمين. عندما أرى ما حلّ بـ70% من الجغرافيا السورية وما فُعل بـ20 مليون سوري على الأقل فقط لكي يبقى بشّار الهرّ في كرسي فرعون الذي يلازمه”.

 

وأردف الجريري لـ”وطن” أستذكر كيف خرجت فرقة ثائرة ضدّ نظام شكري القوّتلي في سوريا أواخر خمسينات القرن الماضي رغم أنّه جاء إلى الحكم بعد انتخابات ديمقراطية استثنائية في ذلك الوقت، أستذكر كيف رفض هذا الرجل الشريف أن يلقى الله -حسب تعبيره- وعلى رقبته دم سوري بريء واحد، وسلّم مفاتيح السلطة لجمال عبد الناصر مطالبا بتأسيس جمهورية عربية متحدة.

 

وتابع “بشّار الكيماوي حرق أكباد شعبه لأنّهم لم يعودوا يقبلونه موظّفا في خدمتهم رغم أنّ حكمه دبّر بليل ونهض السوريون ذات يوم من سنة ألفين على رئيس لم تجئ به إرادتهم بل إرادة زمرة هالكة من العلويّين الخبثاء الحاكمين في سوريا، من خلال انقلاب دستوريّ سمّوه زورا وبهتانا تعديلا دستوريّا، فنظام هذا الرجل أصلا ليس شرعيا وما بني على باطل فهو باطل، وهذا النظام يجب أن يكفّ عن قتل الأبرياء تحت أي مسمّى كان، ولا شرعيّة إلا لما تفصل فيه صناديق الاقتراع”.

 

وختم عبد الحليم الجريري حديثه لـ”وطن” بتوجيه رسالة إلى وسائل الإعلام التونسية قال فيها “هل رأيتم أولئك الـ11مليونا الذين أخرجوا من ديارهم؟ هل رأيتم أولئك الـ500 ألف الذين قتلوا تحت بيوتهم وبالبراميل والانشطاري والكيميائي؟ هل رأيتم الـ13 ألفا الذين ماتوا تحت التعذيب في صيدانيا؟ هل رأيتم الـ500 ألف بين مصاب وسجين؟؟؟ هل رأيتم كل هؤلاء؟ أولئك هم خصومكم يوم القيامة، كما أقول لكلّ من دعم الثورة ضدّ ابن علي ومبارك والنافق القذافي وعلي محمّد صالح ثمّ قال إنّ الثورة في سوريا مؤامرة، أقول له إنّ أكبر مؤامرة على سوريا هي بقاء بشّار الأسد في السلطة”.