خرج من البيت عازما على أن يحقق شيئا جديدا، شيئا مثيرا غير مألوف، يترك أثرا بعيدا في نفوس الآخرين، فهو دائم التحويل والتغيير.

لم يجد بدًّأ من أن يكون مختلفا عن الأمس.

هو كذلك! لا يستطيع أن يقيم في محطة واحدة، ولا يقوى على العيش تحت مظلة واحدة أو مبدأ محدد معيّن، بل تأخذه الهواجس والظنون أن ثمّة شيئا مخيفا سوف ينقض عليه محاولا أن يديل ما بناه عبر أشطان الزمن الذي يلاحقه أنّى ذهب وتولّى.

إنه دائم التخوّف والتوجّس، فلا تراه إلا متقلّبًا على جنبيه، فلا يثبت على جانب، ولا يبقى على ثوابت.

كانت نظريته منسجمة مع نظرية ديك الجن الدمشقيّ القائلة:

نَقِّلْ فؤادَكَ حيثُ شئتَ فَلَنْ تَرى

ما إنْ أحِنُّ إلى خَرابٍ مُقْفِرٍ

مـِقَـتـي لـِمَـنْـزِلـِيَ الّذي استحـدثـْتـُهُ

كهوى جـديدٍ أو كَوَصْـلٍ مُـقْبـِلِ

دَرَسَـتْ مَـعـالـِمُـهُ كـَأَنْ لَـمْ يـُؤْهَـلِ

أمّـا الّذي وَلّـَى فَـلَـيسَ بـِمـَنـْزِلـِي

فرغم أنه كان يجهله كل الجهل، ولا يعرف عنه شيئا، ولم يسمع عن أخباره التي ملأت الآفاق، إلا أنّه كان على وفاق تام معه.

سبحان الله! كيف تلتقي هذه النفوس رغم المسافات الزمنية السحيقة التي تفصل بينها!.

الساعة لمّا تبلغ السادسة صباحا، وعبده دسوقي يقلّب أفكاره يمينا وشمالا، علّه يجد منفذا وحلا لتلك الهواجس التي تلاحقه وتهدد مركزه.

الغبار الآتي من بعيد أصبح يلافح خدّيه، مبقيا على رسوم تعكس ما يشعر به. إنه غبار من نوع جديد لم يألفه من قبل، ولم يحسب له حسابا.

كم يكره تلك الهواجس الممتلئة بهذا الغبار!، وكم يحاول جاهدا مستميتا أن يحتويها !، إلا أنها على عكس ما كان قد ظن في بداية الأمر، فهي دائمة الانتشار والنفوذ.

إنه يستطيع أن يتغلّب على كل شيء رغم كل شيء، فهو قادر على كل خصومه، قابض على زمام الأمور، يصبح رادعا إياهم، حاملا لواء التلوين والتمكين، والتفرد والتجرّد، والقبض والبسط، والفناء والبقاء، والجمع والتفرقة، والتجلّي والاستتار، والغيبة والشهود، والمحاضرة والمكاشفة والمشاهدة، مستعينا بألاعيبه ومقاماته وأحواله التي لا حصرّ لها.

نظر في المرآة فرأى صورته التي يمقتها، فأخذته الرهبة والرعب في آن واحد.

واختلس النظر إلى نفسه في المرآة مرة ثانية محاولا أن يهرب من نفسه.

حاول مجاهدا أن يتحاشى النظر في المرآة؛ إلّا أنّ المرآة كانت تنظر إليه. 

ولكن، كيف له أن يهرب من نفسه ليجد نفسه في قاع نفسه!

إنه يكره الكثير من الناس، فيراهم يتألّبون ضده أينما ذهب، وجاءت المرآة لتجتمع مع الآخرين، لتكون خصما جديدا، وعدوا لدودا يتألب عليه.

وأصبحت المرآة منذ اليوم خصما يجب أن يحذره، وعدوّا لا بدّ وأن يقاتله، وأن يتغلّب عليه.

كسر المرآة، ومشى بضع خطوات متثاقلة، حتى ظنّ أن خطواته تخونه كما خانه الآخرون.

الشمس ترسل بعض اللهيب الحار قاذفة نورها، مبددة ما تراكم من سواد الليل، محتلّة الأفق القريب والبعيد، جاعلة الهواء مرّا والخريف رماديا.

إنه يكره اللون الرمادي، ويمقت مرارة الهواء.

ويمضي عبده دسوقي مسرعا، حاشدا كل قواه من أجل العبور، وتخطي كل مرآة يراها.

وخيّل إليه أنَّ الشارع الذي يسير فيه أصبح من أعدائه الذين يتوجّب عليه أن يحذرهم، وأن يتقّيهم، فهذا الشارع أصبح مليئا بالمرايا التي يكرهها.

المرايا في كل زاوية تنظر إليه وتلاحقه، ويحاول عبده دسوقي أن ينسل من بين دهاليز الشوارع، علّه يهرب من هذه المرايا، أو لعلّها تتركه لوحده، إلا أنّها كانت تتسارع معه كلما تسارع خطوه، وتقفز كلما رأته يقفز، وتأبى أن تفارقه حيثما ولّى وجهه.

ويمضي عبده دسوقي مسرعا هاربا من هذه المرايا التي أصبحت تطوقه من كل جانب، ويشتد الحصار عليه، ويقترب الخناق منه، حتى أصبح من المستحيل أن يهرب من هذه المرايا …… 

أين الحجارة؟ قالها عبده دسوقي وهو يهرول بخطواته الطويلة، واضعا رأسه الثقيلة بين كتفيه.

الشارع المليء بالمرايا أصبح غاصًّا بهشيم الزجاج. فكلما رأى مرآة صفعها بحجر من أحجاره التي جمّعها من كل ركن من أركان هذه الأرض، حتّى خيّل إليه أنه قد أصبح طفلا من أطفال الحجارة.

الحجارة كلّها نفدت، ولكنّ المرايا ما زالت تلاحقه، وتلهث متتبعة خطواته المتسارعة، وتضيّق الخناق عليه أنّى ذهب.

الحصار يشتد شيئا فشيئا، والعرق آخذٌ بالتصبب من على وجنتيه، حتى رأى نفسه يعوم وسط بحيرة من العرق الكريه. 

أين المفر ؟! قالها عبده دسوقي وهو يخفي دموعه التي يحاول صابرا أن يئدها، وأن يخفيها عن الآخرين، قاذفا آخر حجر بقي في جعبته، زافرا زفرة تستسلم العواصف أمامها، وتُـذْعِـنُ الريح صاغرة قبالتها.

كم حاول، وكم يحاول أن يرى نفسه في المرآة على صورة يرضاها، إلا أنّ المرايا خانته، ولم تصدقه كما صدّقه الآخرون.

لقد جّنَّ عبده دسوقي ……. 

قالها أحد النّاظرين إليه، والعالمين بأمره.