بالتاكيد هي ليست معركة عسكرية غير انها لاتقل ضراوة عن المعارك التي خاضها الكورد طوال سنين نضالهم . بدات فصول هذه المعركة بشكل فعلي عقب الخطوات الجريئة التي اقدمت عليها الاحزاب الكوردستانية مؤخرا , وادارتها بشكل رائع منذ بدايتها الى نهاية الجولة الاولى منها … تصعيد مفاجيء وغير مسبوق لملفي كركوك والاستفتاء.. ومن ثم اللجوء الى التهدئة بزيارة وفد كوردستاني الى بغداد للتباحث مع الاطراف السياسية العراقية , قاطعين بذلك الطريق امام تدخلات القوى الاقليمية في الازمة , ومحافظين على المكاسب السياسية من تلك الخطوات في عدم التنازل عنها وجعلها واقع حال . وقد مارس الطرف الكوردي لعبة توزيع الادوار بشكل رائع بين الحزبين ( الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني) تجاه كل من ايران وتركيا , بارسال اشارات اطمئنان اليهما من جهة والتاكيد على انه شان داخلي عراقي من جهة اخرى .

ورغم نجاح الجولة الاولى من المعركة الا ان امام اقليم كوردستان الكثير من الجولات التي تحتم على الاحزاب الكوردية التعامل بالكثير من الحكمة مع فصولها وبتنسيق كامل بينها . فخطوط النار في هذه المعركة كثيرة ومتعددة تتخللها مفخخات سياسية لابد من تفكيكها , ومن بين هذه الخطوط :

التهديدات الايرانية والتركية .

الكونفدرالية كخيار قائم .

حساسية ملف كركوك .

التهديدات الايرانية والتركية

رغم مراهنة الكثير من الاطراف السياسية العراقية على الموقفين التركي والايراني في وقوفهما ضد استقلال كوردستان , الا ان دراسة واقعية للمتغيرات السياسية التي طرات على المنطقة والعالم , وتقييم وضع الدولتين منها تثبت وبشكل لا يقبل الشك بان هناك مبالغة في تقييم ردود افعالهما المتوقعة .

فنتيجة المواقف المتصلبة للادارة الامريكية الجديدة تجاه ايران , فان طهران لاتتمتع اليوم بمساحة كافية للمراوغة والتاثير كما كان سابقا , وعليها ان تفكر كثيرا قبل الاقدام على خطوة قد تثير حفيظة امريكا خاصة اذا كانت الخطوة مدعومة باستفتاء شعبي . وان كانت ايران لا تزال تتحرك في سوريا كصدى للمواقف الروسية وعلى هوامشها , فان غياب الدور الروسي في العراق يحرمها حتى من ذلك الهامش , وهذا يسري ايضا على الاحزاب الشيعية او المليشيات الشيعية المتحالفة مع ايران , وما التصريح  الخجول للمتحدث باسم الخارجية الايرانية حيال ملفي كركوك والاستفتاء مؤخرا , والصمت الذي لازم الاحزاب الشيعية ومليشياتها الا دليل على ما نقول . لذلك فمن المتوقع ان يكون الاعتراض الايراني سياسيا يتمحور في محاولة التقليل من تداعيات استقلال كوردستان عليها والاعتماد على ردود الافعال التركية ان وجدت , ولن يخرج الرد الايراني عن تحريك بعض الاحزاب الكوردية المتحالفة معها لاثارة الوضع السياسي الداخلي للاقليم  .

اما المراهنة على الموقف التركي في ايقاف الطموح الكوردي فهناك الكثير من الاسباب التي تجعلنا نعتقد بان لن يكون بامكانها الذهاب بعيدا في معارضتها , ومن بين هذه الاسباب : –

التقارير الصادرة من داخل الناتو (التي تعتبر تركيا القوة العسكرية الثانية فيه) والتي تشير الى ضعف القدرات العسكرية للجيس التركي بعد ان تم اعتقال واقالة الكثير من الضباط الاكفاء عقب الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا , واستندت هذه التقارير على الاداء المتواضع للجيش التركي في عملية درع الفرات في كوردستان سوريا . لذلك فمن المستبعد ان تتدخل تركيا عسكريا لمنع استقلال اقليم كوردستان . علاوة على ان الجيش التركي مستنفر منذ عقود في حرب طويلة انهكته مع حزب العمال الكوردستاني , ومستنفر منذ خمس سنوات لمراقبة الاوضاع على حدودها مع كوردستان سوريا , لذلك فان فتح جبهة ثالثة مع كوردستان العراق ستكون مغامرة عسكرية لا اتصور ان القادة الترك قادرين على خوضها.

وقوف تركيا ضد استقلال كوردستان سيظهرها عدوة للشعب الكوردي في اي مكان وليس كما تدعي بانها ضد توجهات حزب العمال الكوردستاني فقط , مما سيحرجها سياسيا امام المجتمع الدولي ويضعها وجها لوجه مع الشارع الكوردي داخل تركيا .

اذا اخذنا الجانب الاقتصادي بنظر الاعتبار فان وقوف تركيا ضد استقلال كوردستان سيضر بالعلاقات الاقتصادية بين الطرفين , بوجود اكثر من الف شركة تركية في الاقليم ووجود اتفاقات طاقة مغرية لتركيا . ولا ننسى هنا بان التفكير في غلق الحدود بينهما لن يؤثرعلى كوردستان فقط كما كان في الماضي بل ان ضررها سيكون اكبر على تركيا باعتبار ان كوردستان العراق الان هو المنفذ البري الوحيد لتركيا على الجزء الاسيوي من العالم العربي .

ان الرفض التركي المعلن لاستقلال كوردستان سيكون سببا لخلق جبهة كوردية شاملة ضدها في اجزاء كوردستان الثلاث ( في تركيا وسوريا والعراق)  لن يكون من السهل على تركيا مواجهتها .

لذلك فالاعتقاد بان تتخذ تركيا اجراءات حازمة تجاه استقلال كوردستان هو اعتقاد غير صحيح , وابعد ما ستصل اليه تركيا هو الضغط على المجتمع الدولي لعدم الاعتراف بالدولة الكوردية من خلال علاقاتها الخارجية .

الكونفدرالية كخيار قائم .

في فترات سابقة كنا نسمع بين الحين والاخر حديثا عن ضرورة اعادة نمط العلاقة بين كوردستان والعراق والتحول من النظام الفدرالي الى النظام الكونفدرالي , وكان هذا الطرح حينها ضربا من الخيال , لانه ليس بالامكان تحويل علاقة فدرالية بين دولة واقليم الى علاقة كونفدرالية من دون الدخول في حاله قطيعة كاملة مع الدولة يتوقف خلالها العمل بالدستور الذي ينظم نمط العلاقة الفدرالية تلك , وبعد ان تتخلص من وطاءة البنود الدستورية وتتحرر منها تستطيع الدعوة الى وضع كونفدرالي . . وبشكل عام فان الاحداث قد تجاوزت الحديث عن اي كونفدرالية بين العراق وكوردستان , الا في حالة واحدة وهي اذا ما نجحت الدول الاقليمية في منع المجتمع الدولي من الاعتراف بدولة كوردستان وتاكد للساسة الكورد بان ثمن الذهاب الى الاستقلال بعد الاستفتاء سيكون باهضا , حينها فقط يمكن التفكير بالذهاب الى علاقة كونفدرالية بين العراق وكوردستان على اسس جديدة تحافظ من خلالها على المصالح الكوردية في الدولة الجديدة .

حساسية ملف كركوك .

لا يخفى حساسية موضوع كركوك ليس فقط بالنسبة لجهات خارج اقليم كوردستان وانما حتى داخل البيت الكوردستاني , خاصة مع وجود مؤشرات تدل على رغبة جناح معين داخل حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني في الاستحواذ على تلك المدينة بدعم ايراني واطراف شيعية عراقية , مما سيجهض حلم الكورد في بناء كيان سياسي مستقر لهم . لذلك فان هذه المحاولات توجب على الاحزاب الكوردية البدء ومنذ الان بالتباحث حول مصير مدينة كركوك ووضعها , وذلك باعطاءها وضعا خاصا (كاقليم مستقل مثلا) بالاتفاق والتوافق مع جهات داخلية وخارجية تمنع اي طرف كوردي من الاستحواذ على المدينة والاستغناء عن حاجتها الى كوردستان في خرائط مد انابيب الطاقة وتسويقها , وليس من الصعب تحقيق هذا الهدف خاصة اذا ما اجادت الاحزاب الكوردستانية التحرك على تناقضات دول المنطقة لمصلحة كوردستان. , وهذا موضوع طويل وحساس قد لا تستوعبه فقرة في مقال ويمكن التفصيل فيه في مقالة اخرى  .