دفع آلاف الأطفال السوريين حياتهم ثمناً من جراء استخدام الأسلحة الكيماوية في الدائرة في منذ سنوات، وبعض هؤلاء الأطفال دفع الفاتورة قبل أن يولد بعد تعرض أمهاتهم لهذا النوع من الأسلحة المحرّمة دولياً، وبحسب مكتب توثيق الملف الكيماوي في فإن استخدام السلاح الكيماوي في الغوطتين الشرقية والغربية بدمشق أدى إلى سقوط أكثر من ستة آلاف شخص ما بين قتيل ومصاب غالبيتهم من النساء والأطفال.

 

“جوري العبيد” طفلة لم تتجاوز الأربعة أشهر من عمرها ولدت مشوّهة في قدمها اليسرى التي تكاد تبدو اليوم مساوية لجسدها الغض، وأصابع يديها من جرّاء استنشاق والدتها للغازات الكيماوية .

 

كانت “جوري” تسكن في حي عندما بدأت تنبعث في أجواء الحي روائح كريهة، وعندما فتحت والدتها نافذة منزلها لترى ما يحدث استنشقت الرائحة وكانت في الأسبوع الثاني من حملها فشعرت بدوار شديد كما يقول زوجها “فؤاد العبيد” لـ”وطن” مضيفاً: “عندما حانت ساعة الولادة لم أستطع الذهاب بها إلى المشافي بسبب القصف الشديد في كل مكان، وبسبب الحواجز العسكرية التي كانت تحيط بالحي، وبعد عسر شديد في الولادة بسبب الخوف الذي انتابني جاءت طفلتي “جوري”، ففوجئت بأن قدمها اليسرى ضخمة بشكل غير عادي” وأردف العبيد: “علمت حينها أن طفلتي ولدت مشوهة القدم، وثمة تشوّه بسيط في كلتا يديها، ويوضح والد جوري  كان الورم أول ولادتها بسيطاً، ولكنه استمر في التضخم حتى أصبحت قدمها وكأنها كتلة لحم لا أصابع لها”.

 

“سعيد الحسن” طفل في الثالثة عشرة من عمره كان يجلس مع أمه في منزلهما وفجأة حل شبح الموت الصامت فسقط مغشياً عليه لا يقوى على الحراك والتنفس وكذلك أمه التي أسعفت قبله، ولم يعد يعرف عنها شيئاً منذ مجزرة الكيماوي أهي حية أم ميتة “ويروي سعيد مأساته المزدوجة وهو يغالب البكاء: “ما حسيت إلا نَفَسي صار يضيق، ماعاد اقدر أتنفس زيادة” ويضيف : “صار صدري يوجعني ماعاد أعرف حالي وين صرت، ما حسيت حالي إلا بالمشفى الميداني” وبنبرة مؤثرة يؤكد  سعيد أنه أضاع  أمه منذ ذلك اليوم “ما عدت أعرف وينها”

 

لا تقتصر آثار الإصابة بالأسلحة الكيماوية على  وضع الأطفال الآني بل تمتد إلى المستقبل لتترك “عقابيل” عضوية ونفسية صعبة الشفاء فيما لو كُتبت الحياة للطفل المصاب كما يقول الدكتور “سري ناصر” أستاذ علم النفس في الجامعات الأردنية  مضيفاً إن “الأطفال هم أول من يدفعون الثمن في أي صراع من خلال التأثير العضوي والنفسي”

ويشير د. ناصر إلى أن “الأسلحة الكيماوية التي تستعمل في هذه الصراعات لها تأثير مميت خاصة على الأطفال” موضحاً أن “الكثير من الأطفال يتشوهون تشوهاً عضوياً وتشوهاً نفسياً لذلك يتأثرون تأثيراً كبيراً  في أي صراع يقوم بين فرقاء”  ويرى الدكتور “سري ناصر” أن “من الواجب أن يكون للأطفال حماية خاصة في هذه الظروف حتى لا يتأثروا بالأسلحة التي تستعمل وخاصة النووية التي تترك آثاراً عميقة لا تزول”.

 

و يؤكد د. ناصر أنه “من الصعب جداً علاج هؤلاء الأطفال عندما يكبرون لأن هذه الإصابة تصبح جزءاً من شخصيتهم إذا هم عاشوا لأن الكثير منهم يموتون وإذا عاشوا ترى يبقون متأثرين طوال حياتهم بهذه الأسلحة التي استعملت وأصيبوا بها”.

أوصت أم ابنها الذي ذهب ضحية الموت الصامت “بني اغسل أسنانك واذهب إلى سريرك فقد تأخر الوقت. ولا تشرب الكثير من الماء قبل النوم! وإذا سمعت هدير الطائرة انزل إلى القبو، وإذا شممت رائحة غير طبيعية اصعد إلى السطح، وإذا لم تجد الوقت كيف تفعل أي شيء، فاعلم أني أحبك كثيراً، لكن ليس باليد حيلة .