سؤالان عن المكان والزمان يبرزان في الواجهة بالنظر إلى سياق الخبر وما وراءه.. ” قرر فتح جبهة جديدة بالأردن، في سياق محاولاته لتأسيس ما يراها “خلافة إسلامية”.

 

ففي إصدار مرئي تخطت مدته ثلث ساعة، وبعنوان “أبشروا بما يسيئكم”.. أَذِن التنظيم لعناصره بأن يوجهوا نيران أسلحتهم وفوهات بنادقهم صوب ، في إعلان باستهداف النظام بمؤسساته الأمنية والعسكرية.

 

ممارسات تنظيم “الدولة” وفتحه جبهة قتال جديدة يراها المناهضون له جنونًا وإرهابًا بينما يعتبرها التنظيم جنةً ونعيمًا، إلا أنَّ ما يلفت الانتباه أنَّ التنظيم فتح هذه الجبهة في وقتٍ يضيق فيها الخناق، ففي خسر التنظيم مناطق كثيرة كانت في قبضته وباتت الموصل -معقله الرئيسي- قاب قوسين أو أدنى من سيطرة العراقيين عليها، كما في حيث يتصاعد الحديث عن بدء عملية لـ”التحالف الدولي” لتحرير الرقة “معقل التنظيم”. وفق تقرير نشره موقع “ ” واعادت “وطن” نشره.

 

المعركة اﻷصلية.. ليست الموصل وليست الرقة

فتح الجبهة الجديدة جعل الحديث يذهب إلى منحى آخر، فحلَّل محللون أنَّ المعركة الرئيسية للتنظيم لم تعد الرقة أو الموصل، بل هي بادية الشام، وهي ما تسمى اصطلاحًا أيضًا “البادية السورية أو صحراء السماوة”، وتقع جنوب شرق سوريا وتضم شرق الأردن وغرب العراق وشمال .

 

التهديد بشن عمليات عنيفة في الأردن لا ينفصل عن طبيعة التنظيم في دول أخرى ينتشر فيها “سوريا والعراق وليبيا وسيناء بمصر”، فيختار التنظيم المستدعي لمركبات الخوف في حضوره، ضربات في اتجاهات متضادة، لا يفهم مداه البعيد أو القريب – كما يقول خبراء.

 

التنظيم في إصدار تهديده إلى الأردن ذكر أنَّ المملكة الأردنية لها دور وصفه بـ”البارز” في تنفيذ ما أسماها “المشروعات الصليبية وخدمة اليهود وحراستهم”، بل ذهب إلى القول إنَّهم كانوا سببًا في ارتكاب المجازر والجرائم ضد الفلسطينيين مما عجز اليهود عن تحقيقه، حسب زعمه.

 

ظهر عناصر التنظيم غير ملثمين، معلنين أسماءهم، في مشهد غير معتاد، غير أنَّ خبراء اعتبروه يحمل تصعيدًا في التهديد لضرب الأمن الأردني.

 

أردنيون.. دواعش

أظهر الإصدار أربعة من مقاتلي التنظيم “أردنيين”، وهم ينحرون أربعة سوريين قالوا إنَّهم من الصحوات الذين تدربوا في الأردن لقتال التنظيم، فيما أقدم خامس على نحر عنصر في المعارضة السورية بزعم تلقيه تدريبًا في الأردن.

 

العشائر الأردنية – كما قال التنظيم – تبرأت من ذويهم الذين نفَّذوا هجوم الكرك قبل نحو عام، كما أعلن التنظيم تفاصيل هذا الهجوم الذي أسقط قتلى وجرحى في صفوف الأمن الأردني.

 

إصدار التهديد ردَّت عليه العشائر بعد ظهور أقارب لهم فيه، فأكَّدوا أنَّ الأمر لا يخيفهم، وأنَّ تهديد المملكة عادة قديمة للتنظيم.

 

العشائر أصدرت بيانات رافضة للتهديدات، مؤكدة عزمها على التضحية من أجل استقرار الوطن، وحذَّروا من المساس بأمن الأردن واستقراره، قائلين: “هذه خطوط حمراء يُمنع تجاوزها من أي كان، ونفديها بأرواحنا فقد كنا ولا زلنا وسنبقى المدافعين الأقوياء عن ذلك”.

 

تقرير أمريكي.. عدد صادم

التهديد “الداعشي” تزامن مع تقريرٍ صدر عن الكونجرس الأمريكي حول عدد الأردنيين في صفوف تنظيم “الدولة”، حيث كشف أنَّ العدد يقدَّر بـ4 آلاف مقاتل، إلا أنَّها السلطات الأردنية تتحدث عن أرقام أقل من ذلك لكنَّها لم تعلن عن عدد بعينه.

 

“الرقم الأمريكي الجديد” أهَّل الأردن للجلوس في موقع المرتبة الثانية بعد تونس بالنسبة لأكثر البلدان العربية استقطابًا لصالح بنية هذا التنظيم.

 

وبعيدًا عن كون الأردن ليس ضمن الدول التي شهدت ربيعًا عربيًّا، فإنَّ التنظيم يبدو هديةً من السماء في الدول التي توصف أنظمتها بـ”الديكتاتورية” لمن يحاجج بالقول “هل هذا هو البديل عن أنظمة الاستبداد”، وهو ما يدفع الكثيرون للحديث عن اختراقات أو ربما صناعة استخباراتية.

 

محللون اعتبروا أنَّ هذا التهديد يأتي للرد على إعدام سلطات المملكة متهمين في قضايا إرهاب، وهو ما حدث فعلًا في مطلع مارس الماضي، حين أعدمت السلطات 15 أردنيًّا وصفتهم بـ”الإرهابيين والمجرمين” لإدانتهم في تنفيذ هجمات، في أول مرة يتم فيها إعدام هذا العدد من المحكومين منذ سنوات طويلة.

 

الكساسبة والريشاوي.. إعدام

لم يكن تهديد التنظيم ضد المملكة الهاشمية هو الحلقة الأولى في المواجهة، فغروب شمس الـ29 من يناير 2015 كان موعد انتهاء المهلة التي منحها تنظيم “الدولة” أمام سلطات المملكة للإفراج عن الطيار معاذ الكساسبة، مقابل إطلاق سراح السجينة العراقية ساجدة الريشاوي التي كان قد صدر لها حكمٌ بإعدامها لتورطها في تفجير فندق في عمان عام 2005.

 

الحكومة الأردنية بينما انتظرت إثباتًا بأن طيارها لا يزال على قيد الحياة، إلا أنَّ مقطع فيديو بثه التنظيم – آنذاك – أظهر إعدام الكساسبة حرقًا في مطلع فبراير 2015، فرَّدت المملكة بتنفيذ حكم الإعدام في الريشاوي في اليوم التالي.

 

لم تكتفِ السلطات بإعدام الريشاوي، لكن مقاتلات أردنية شنَّت غارات في الداخل السوري استهدفت مواقع لتنظيم “الدولة” في مدينة الرقة -المعقل الرئيسي للتنظيم في سوريا.

 

كان حرق الكساسبة وإعدام الريشاوي مؤشرًا عما اعتبره محللون انتقالًا للأردن إلى مربع جديد ضد تنظيم “الدولة”، فمن مشاركة عسكرية محدودة ضمن التحالف الدولي إلى مواجهة مفتوحة وحرب بلا هوادة كما قال العاهل .

 

تطور في المواجهة

الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية محمد أبو رمان قال إنَّ الصراع بين الأردن والتنظيم اتخذ في بداية أطواره شكلًا غير مباشر، لافتًا إلى أنَّ التنظيم لم يكن يعلن عن عملياته في المملكة، غير أنَّ الفترة الأخيرة شهدت تطورًا ونقطة تحول بين الجانبين.

 

وأضاف أنَّ المواجهة بين الطرفين باتت على أعتاب مرحلة الجديدة، معتبرًا أنَّ هذا التهديد “الداعشي” يحمل محورين، الأول إقليمي يشمل الحرب التي تشن ضد تنظيم “الدولة”.

 

وتابع: “التنظيم يذهب من الموصل والرقة في اتجاه بادية الشام، ويقترب أكثر من الحدود الأردنية وهذا ما يقلق سلطات المملكة، وهناك قراءة رسمية أردنية بأنَّ المعركة الحاسمة لتنظيم الدولة لن تكون في الموصل أو الرقة لكن في بادية الشام بالقرب من حدود المملكة”.

 

أبو رمان تحدَّث عن ظهور تماس جغرافي مباشر بين المملكة والتنظيم، ما يؤشر إلى تطور في العمليات العسكرية المتبادلة.

 

الشق الثاني من المواجهة يقول أبو رمان يتعلق بالوضع داخليًّا، حيث أشار إلى أنَّه أكثر قلقًا بالنسبة للملكة، مرجعًا ذلك إلى وجود عدد كبير من المقاتلين في المملكة، حيث أعلن الكونجرس الأمريكي في وقت سابق عن وجود أربعة آلاف مسلح، غير أنَّ السلطات الأردنية تقلِّل من هذا العدد.

 

السلطات الأردنية رأى أبو رمان أنَّها ستستفيد من الإصدار “الداعشي” أكثر مما ستتضرر، وفسَّر ذلك بقوله إنَّ المزاج الاجتماعي في المملكة ضد هذا التفكير، لا سيَّما أهالي أعضاء التنظيم الذين ظهروا يهدِّدون المملكة.

 

التنظيم.. يهدِّد ويتوعد

أستاذ الدراسات الأمنية ومكافحة الإرهاب عارف الخطاب حلَّل إصدار التنظيم، فقال إنَّ عناصر التنظيم ظهروا غير ملثمين وبأسمائهم الحقيقية، ما اعتبره نوعًا من التحدي للسلطات الأردنية وأجهزتها الأمنية.

 

وأضاف أنَّ التنظيم حاول استثارة واستمالة العناصر المتعاطفة معه في الأردن، مشيرًا إلى أنَّ التنظيم يتعرض إلى ضغوط القتال التي يواجهها في أصعدة مختلفة، وهو ما جعَّله يصعِّد ضد المملكة، لا سيَّما في ظل دورها الكبير في محاربة الإرهاب.

 

اقتصاديًّا، أشار الخطاب إلى أنَّ الأزمة التي تتعرض لها المملكة تساهم في زيادة نسبة الإقبال على التجنيد في التنظيم، وقال: “نسبة البطالة كبيرة في أوساط الشباب، والفئة المستهدفة للتجنيد من قبل مثل هذه التنظيمات تكون غالبًا في العشرينات من العمر”.

 

المصدر: مصر العربية