/وطن/شمس الدين النقاز” أثار قرار وزير الداخلية التونسية الهادي مجدوب، بمنع صدور صحيفة بنسختيها الورقية والإلكترونية وسحب 10 ألاف عدد من المطبعة والتنبيه على صاحبها بعدم طباعة الصحيفة مستقبلا، أثار حالة من الخوف في أوساط الإعلاميين والحقوقيين ورجال القانون، الذين عبّر عدد منهم عن خوفهم من عودة “الدولة العميقة” في التحكم في المشهد الإعلامي والسياسي في بتعلّة حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد منذ عام ونصف.

 

وعلى خلفية هذا القرار غير المسبوق في تونس بعد 14 يناير، قال مدير صحيفة “الثورة نيوز” محمد ناعم الحاج منصور إن القرار ينبئ بعودة الدكتاتورية على خلفيّة ما اعتبره تجاوزا للسلطة من قبل وزير الداخلية.

 

ورأى منصور في تصريح لصحيفة “وطن” أن قانون الطوارئ لا ينص على إيقاف إصدار أي جريدة أو أي وسيلة إعلام وإنما ينص على مراقبتها وهناك فرق بين المراقبة والصنصرة، مشيرا إلى أن الغلق يطبّق على دور السينما وليس على الصحف.

 

وأضاف “هناك تجاوز للسلطة ووزير الداخلية لم يتخذ وحده القرار وإنما بالتنسيق مع الحكومة”، مؤكّدا أن صحيفته “الاستقصائية” أقلقت كثيرا من الفاسدين لأنها كشفت عن حقائق عديدة، خاصة وأن اتجاههم “بالتخصص في الصحافة الاستقصائية دفعهم إلى رفضن الإشهار حتى وإن كان إعلانات شغل رافعين بذلك شعار قارئ كريم ولا مستشهر لئيم”.

 

وعن وقوفهم في صف حزب نداء تونس قبل الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2014، ثم مهاجمته بعدها وهل كان سببا في اتخاذ قرار منع صدور الصحيفة، لم ينكر الحاج منصور أن تكون صحيفته قد قامت بمساندة النداء حتى أنها كتبت مقالا بعنوان “النداء أم الفناء”، زاعما أن ذلك القرار تم اتخاذه بسبب تغوّل حركة النهضة.

 

وتابع “ساندنا النداء لخلق التوازن وفي الرئاسية ساندنا الباجي قائد السبسي في الطور الثاني ولكننا ندمنا على ذلك وقامت على إثر ذلك الثورة نيوز بمراجعات وبدأت في تحسين المحتوى الذي تقدمه”.

 

بن نتيشة وخلف الله يتحكّمان في المشهد الإعلامي

واتهم ناعم الحاج منصور أطرافا معينة على رأسها مالك صحيفة “آخر خبر” وآمر الحرس الوطني لطفي براهم ورئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب ونور الدين بن نتيشة المستشار الأول للرئيس التونسي ورجل الأعمال كمال اللطيف ونجل الرئيس حافظ قائد السبسي، بالضغط على وزير الداخلية الهادي مجدوب لإصدار قرار منع صدور الصحيفة، وذلك بهدف تصفية وسائل الإعلام المعارضة والسيطرة على الإعلام وإبراز رجالهم وضرب معارضيهم.

 

وعن نفوذ مالك صحيفة “آخر خبر” وموقع “آخر خبر أونلاين”، قال “منصور” لـ”وطن” إن “المشهد الإعلامي يسيطر عليه شخصين اثنين هما ورؤوف خلف الله حتى أن الأخير وصل به الأمر للاتصال بصحفية لديها صحيفة أسبوعية لتحذيرها وتهديدها بضرورة عدم نشر صحيفتها في نفس اليوم الذي تصدر فيه صحيفته آخر خبر”، وفق تعبيره.

 

وحول وقوفه إلى جانب رجل الأعمال كمال اللطيف ثم معارضته ومهاجمته، أوضح مدير الثورة نيوز أن وقوفه إلى جانب كمال اللطيف في قضيته المعروفة بالتآمر على أمن الدولة لم تكن خوفا عليه وإنما خوفا على “الآخرين الذين ظلموهم”، فليس كل من اتصل به يجب توريطه خاصة وأن لا أحد يقدر على عدم إجابة كمال اللطيف خوفا منه، وذلك رغم قناعته بأنه مورط.

 

وأكد منصور أن نواب المؤتمر الذين سبق وهاجمهم عبر أعمدة صحيفته على غرار عماد الدايمي وسامية ومحمد عبو وسمير بن عمر وقفوا إلى جانبه وعبّروا عن رفضهم لقرار وزير الداخلية.

 

وختم مدير صحيفة الثورة نيوز حديثه لـ”وطن” مؤكدا أن القانون سيأخذ مجراه وأنهم سيتوجهون إلى القضاء الإداري لإيقاف قرار وزير الداخلية الذي وصفه بالجائر.

 

نقابة الصحفيين التونسيين تحذّر

من جهتها أصدرت نقابة الصحفيين التونسيين بيانا رفضت فيه استخدام وزارة الداخلية لحالة الطوارئ لإرهاب الصحفيين والسطو على صلاحيات القضاء.

 

وأفادت نقابة الصحفيين في بيان لها السبت، بأنه سبق لها إدانة التناول الإعلامي لصحيفة الثورة نيوز للشأن العام، والتجاوزات المهنية والأخلاقية التي تأتيها من ثلب وشتم وابتزاز وهتك للأعراض والمعطيات الشخصيّة، وتوظيفها لغرض تشكيل مجموعات ضغط وابتزاز للأشخاص والمؤسسات تتشكل من بعض المسؤولين في مؤسسات الدولة.

 

و اعتبرت أن  هذا الإجراء يأتي في سياق سياسي يتصف بمحاولات السطو على مؤسسات الإعلام العمومي لتحويلها إلى أبواق دعاية لأحزاب التحالف الحكومي ورسكلة رموز البروبغندا في عهد الديكتاتورية للتحكم في المشهد الإعلامي ومفاصل الدولة في سعي لإفشال التجربة الديمقراطية والعودة إلى زمن الاستبداد و تهميش الهيئات الدستورية والسطو على مهامها وفي مقدمتها الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري.

 

وطالبت نقابة الصحفيين التونسيين وزير الداخلية الهادي مجدوب بإيقاف القرار التعسفي المذكور كما دعته إلى متابعة الصحيفة المذكورة في القضاء المدني في إطار محاكمة عادلة تستجيب للمعايير الدولية في الصدد، كما أهابت بكل وسائل الإعلام للتقيد الصارم بأخلاقيات المهنة حتى لا توفّر الحجج والمبررات لاتخاذ إجراءات تعسفية في حقّ حرية الصحافة ستكون لها تبعات خطيرة على المهنة وعلى المسار الانتقالي.

 

وفي شهر أكتوبر الماضي أصدر قاضي التحقيق العسكري بطاقة إيداع في السجن ضد ناعم الحاج منصور صاحب صحيفة “الثورة نيوز” على خلفية اتهامه بـ”تحقير الجيش الوطني والمس من كرامته والمساومة إضافة إلى تهمة بتكوين وفاق مفسدين”، قبل أن يفرج عنه في شهر مارس الماضي، بعد قضاء 5 أشهر داخل السجن.

 

“تمّ إخضاع الإعلام للسلطة القائمة”

وفي سياق متّصل، قال معز الحاج منصور مستشار تحرير صحيفة “الثورة نيوز” إن الأخيرة دخلت في صراع ضد السلطة السياسية القائمة على خلفية رفضها الالتحاق بالقطيع الإعلامي الذي تم إخضاعه للسلطة القائمة، وهو ما دفع ثمنه مالكها الذي تعرّض إلى محاكمة عسكرية وقضّى 5 أشهر داخل السجن بعد أحكام قضائية على خلفية مقالات بخصوص صفقات تسلح.

 

واعتبر الحاج منصور في تصريحات لـ”وطن” أن الإجراء الأخير الذي تم بمقتضاه سحب 10 ألاف نسخة والتنبيه على مالك المطبعة بالامتناع عن طباعة الصحيفة مستقبلا هو أول إجراء يتخذ بعد  14 يناير 2011، مشيرا إلى أن منع أي رأي من الآراء بغض النظر عن الموقف من الثورة نيوز وبقطع النظر عن الخط التحريري للجريدة الذي يختلف معه في جزء منه، لا يمكن أن يكون تعلّة ومبررا لاستعادة سياسات تذكرنا بسياسات البوليس السياسي في عهد النظام البائد الذي كانت مهمّته مصادرة كل المناشير وكل النشريات والصحف والمواقف المعارضة وهنا تكمن الخطورة، لأن ما يجري على الثورة نيوز يمكن أن يطبق في المستقبل على صحف أخرى، وفق تصوّره.

 

وأوضح مستشار تحرير الصحيفة المثيرة للجدل في تونس، أن التحاقه باستشارة التحرير بعد دخول صاحبها (شقيقه) إلى السجن بحكم قرار القضاء العسكري، ساهم في تحول الصحيفة إلى حديقة يكتب فيها الجميع بدليل أن العدد الذي تمت مصادرته كتب فيه سليم دولة أحد قامات الكتابة في تونس والناشط ماهر زيد، مضيفا أنها جمعت اليساري والإسلامي بفضل التحاق 10 من الأساتذة المختلفين بهيئة التحرير حيث يدلي كل بدلوه حتى أنك تجد في نفس الصفحة من يدافع عن المرزوقي ومن يدافع عن الباجي قائد السبسي.

 

“لوبي كمال اللطيف يقود الصراع ضد الثورة نيوز”

وعن الجهات التي تقف خلف قرار وزير الداخلية بمنع صدور الصحيفة بنسختيها الورقية والإلكترونية، أكد معز الحاج منصور أن هناك داخل قصر قرطاج لوبي يقوده كل من المستشار الأول للرئيس التونسي نور الدين بن نتيشة ومالك صحيفة “آخر خبر” رؤوف خلف الله، يدير بنفس الطريقة وبنفس الآليات وبنفس السياسات التعاطي مع الإعلام بما يشبه الدور الذي كان يقوم به عبد الوهاب عبد الله الوزير المستشار لدى بن علي والناطق الرسمي الأسبق باسم رئاسة الجمهورية.

 

واستدرك الحاج منصور قائلا “أما بخصوص كمال اللطيف فإن صاحب الجريدة كان قد صرح عبر محاميه بأن لوبي كمال اللطيف هو الذي يدير الصراع ضد جريدة الثورة نيوز في حين كان شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد موجودا داخل هذا الصراع لأن الجريدة كتبت حول عديد الملفات المتعلّقة به.

 

وكشف الحاج منصور  لـ”وطن” عن أن حافظ قائد السبسي نجل الرئيس التونسي أقلقته التسريبات الصوتية التي نشرتها الثورة نيوز مكتوبة حرفيّا، حيث هناك اتصالات ثابتة من قيادات في حزب نداء تونس وعلى رأسهم رئيس الكتلة البرلمانية سفيان طوبال، بصاحب الجريدة طلبوا منه أن يكف عن نشر هذه التسريبات، ولكن رفضه جعل وزير الداخلية يطبق التعليمات التي وردت عليه من القصر، حسب تعبيره.