عرفت جلال وجمال متحف اللوفر من الأستاذ توفيق الحكيم –رحمه الله- حين قص علينا زياراته المتكررة لمتحف اللوفر في الآحاد على مدار سنتين وقد اشتهر الحكيم بالحرص أي البخل والتقتير حين كان يسكن في شارع بلبور- الذي لا أثر له اليوم- نعم حكى ذلك في “زهرة العمر” “وتحت شمس الفكر” “وعهد الشيطان” كنت حينها شابا فتيا ومن زمورة في منتصف الثمانينات طفت اللوفر بخيالي السارح مع سرد الحكيم البديع ثم أتاحت لي الأقدار زيارته لكن هذا الأحد أردت اغتنام الفرصة فالدخول مجاني من جهة واستضافة اللوفر للوحات عمالقة الرسم الهولنديين في القرن السابع عشر من جهة أخرى خاصة “فيرمير” ولوحته البديعة” بائعة الحليب”، وصلت إلى اللوفر صباحا والمطر يهطل والريح تعصف ،وقفت في طابور طويل من مختلف الجنسيات أحضرت معي الغداء وشحاطة لألبسها بدلا من الحذاء لكنني نسيت المطرية وفي الطابور الطويل كان إلى جانبي شاب صيني مع والديه سألته أن يحميني من المطر بمطريته فلبى الطلب بابتسامة:

– هل قدمت من الصين؟

– لا أنا مقيم في شتوتغارت مع والدي وجئت سائحا مع أهلي إلى باريس

– من حسن حظنا أن الدخول اليوم بالمجان ، ومن حسن الحظ المضاعف أننا سنقف وجها لوجه مع لوحات فيرمر

سمعني كهل ربما يكون إيطاليا مع زوجته أتحدث فاتجه بالكلام إلي:

– سيدي هل تعرف ذاك الرسام الإيطالي الذي كان يرسم الوجوه بالفاكهة الموسمية وأين يمكننا أن نجد لوحاته؟فأجبته إنني قرأت شيئا من ذلك لكنني نسيت أين قرأت ذلك ولا أين يمكن رؤية لوحاته، شكرني واتجه إلى الحديث مع زوجته ،.وانصرفت أنا إلى التامل في وجوه الخلق واختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم يجمعهم قاسم مشترك واحد حب الفنون والصبر على الطوابير والفرح النقي البرئ بمواجهة منحوتة لفيدياس أو لوحة لمايكل أنجلو أو رافائيل.

ومن حين لحين كنت أنظر في الطابور الطويل المتعدد الجنسيات، الكل يشترك في خصيصة واحدة حب الفن وتقدير العبقرية والإبداع على اختلاف الألوان والألسنة والأجناس، وحين دخلنا إلى اللوفر عبر الهرم الزجاجي تنفست الصعداء وأسرعت الخطى لأحجز دوري للمرور بالمعرض الهولندي ورؤية لوحة بائعة الحليب وأشرقت الحظوظ بنور سعدها بتمكني من ذلك رغم الزحام وكثرة الزوار وقد كانوا بالآلاف ضم المعرض الهولندي لوحات بيتير دو هوش(1629/1684)،وجيرارد دو(1613/1675) وجابريال ميتسيو(1636/1684) وأعظمهم على الإطلاق يوهانس فيرمير(1632/1675) ولوحته الرائعة”بائعة الحليب” التي رسمها بين سنتي(1658/1659) وتلاعب فيها بالضوء لإبراز التركيز والسكينة في محيا الفتاة الهولندية أردت التقاط صورة اقترب مني المراقب وأعلمني أن ذلك ممنوع كما أعلم غيري لأن المعرض ليس ملكا للوفر،شكرته وخرجت من المعرض الهولندي إلى الجناح الإغريقي وتمثال “فينوس دانون” بدون ذراعين أشهر تمثال عالمي وقف وقفة مبهور خاشع في محراب الفن أمام منحوتات عمالقة الإغريق ثم انعطفت إلى جناح التصوير مرورا بالجوكندا ولوحات دولاكرا وماتيس ورافائيل وغيرهم الكل يستمتع ،الكل يتأمل في سكينة في هدوء لاصخب ولا ضوضاء ، تغديت في ناحية نزعت الحذاء ولبست الشحاطة واتجهت إلى الجناح الفرعوني درة اللوفر تاريخ حافل يصيبك بالذهول وحبسة في اللسان: أوراق البردي ،التوابيت، آلات قياس الزمن، آلات الصيد، الطعام،أدوات الزينة،……… لقد فك شامبليون رموزاللغة الهيروغليفية ففك طلاسم الحضارة الفرعونية ومكننا من معرفة دقائق حياة المصريين القدماء ، وأجمل مشهد لي كان وقوفي أمام تمثال “الكاتب المصري” أشهر تمثال في اللوفر، وأنا أتجه إلى حضارة الرافدين تعرفت على كهل فرنسي عامل باللوفر أصر على مرافقتي باتجاه أشهر منحوتة عالمية وأقدمها “شريعة حمورابي يالخط المسماري”، تحدثنا طويلا عن عظمة الحضارات القديمة خاصة حضارة وادي الرافدين وأخذنا صورة معا أمام الشريعة بخطها المسماري ونصحني بالعودة يوم الأربعاء لأن اللوفر لا يغلق أبوابه إلا في العاشرة مع إضاءة خاصة تعطي لونا مميزا للمعروضات ووعدته بذلك.

من حين لآخر كنت أستريح لقد قال لي الكهل الفرنسي الذي نسيت اسمه من هول وعظمة ماشاهدت أن ذرع اللوفر لرؤية كل معروضاته يعادل تسع كيلومترات، وتذكرت مقولة توفيق الحكيم أن اللوفر لا يزار في يوم بل في شهور وسنوات صدق والله.

حين اقتربت الساعة من السادسة كنت أستعد للخروج من القصر الملكي “البالي روايال” تحت زخات قليلة للمطر وأنا أردد في نفسي قصيدة السياب العظيمة من أنشودة المطر:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ

وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر …

وكركر الأطفالُ في عرائش الكروم ،

ودغدغت صمت العصافير على الشجر

أنشودةُ المطر …

مطر ……….

مطر……….

مطر………..

ولكن ما رأيته طيلة اليوم أسكرني بنشوة الفن وجلال الإبداع وسيماء العبقرية، رأيت التاريخ في مساره الفني والاجتماعي والثقافي والديني عبر معروضات اللوفر من حضارة الإغريق والرومان ووادي النيل ووادي الرافدين وبلاد فارس والحضارة الإسلامية وفن عصر النهضة والرسم الكلاسيكي تشممت عبق الماضي وأريج الأمس البعيد ووقفت على بدائع صنع الإنسان قلت في نفسي “إن العالم مستعد لخسارة قارة بأكملها ولا يقبل بخسارة اللوفر”

وانتشيت طويلا إن العالم وهو يدخل اللوفر يرى عظمة الحضارة السامية في نسختها البابلية والفرعونية والحضارة الإسلامية ويدرك أن الامة العربية أمة عظيمة شامخة البنيان عريقة الجذور، زاهية الأمس وأصابني حزن لما آل إليه حالنا اليوم لقد خرجنا من متن التاريخ إلى حاشيته ، خاصمنا الأبجدية التي أعطيناها للعالم عبر جزيرة “أرواد الفينيقية” وصرنا أمة لا تقرأ وأطفأنا المشعل الذي حمله أجدادنا العظام، فأناروا به البحر الأبيض وبحر الظلمات وأقصى المحيط الهندي واللوفر يحكي بلسان المنحوات والوثائق والتحف عظمة الحضارة السامية التي غمزها إرنست رينان طويلا، مقرا بعبقرية اليونان وتبعية الحضارة السامية للإغريق..

وأنا أمشي في شارع “ريفولي ” تحت زخات المطر تذكرت مقولة لأنيس منصور وقد كان رحالة وفنانا وصحفيا وأديبا ذواقة عن باريس “باريس مرآة تعكس ما بداخلك” أي كل شخص يجد فيها حقيقة ذاته فمحب العلم يجد العلم ومحب الفن يرى الفن والمنحرف لا يرى في باريس إلى مظاهر الانحراف والشذوذ…………

في محطة الميترو في شاتليه كان الختام مسكا فرقة تعزف عزفا كلاسيكيا رائعا مبهجا يبحر بك في سماء التامل ،الهيام، السحر، البحران النشوة استمعت إليها قليلا ثم حييتها وركبت الميترو وأنا أرى التعددية اللغوية والعرقية والثقافية تلوت في نفسي قوله تعالى:”يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”