بينما يحاول والوفد المرافق له الذي يضم ما يزيد على 1000 شخص اجتذاب المستثمرين في والصين هذا الأسبوع، فإنَّهم يواجهون مهمةً صعبة: إقناع هذين البلدين، وكلاهما من كبار المشترين للنفط السعودي، بأنَّ المملكة هي أيضاً اختيارٌ حكيم لوضع أموالهما فيه.

 

وتشهد جولة الملك سلمان الآسيوية الممتدة لشهر بعض محطاتها الأكثر أهميةً هذا الأسبوع، إذ سيمر عبر طوكيو إلى بكين من أجل جذب الاستثمار الأجنبي في كل المجالات، بما في ذلك مشروعات النقل، والطرح الأولي العام لشركة النفط العربية المملوكة للدولة، أرامكو، حسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

 

وتتزامن رحلة الملك مع زيارةٍ هذا الأسبوع لنجله، الأمير ، ولي السعودي، إلى الولايات المتحدة، حيث من المُتوقَّع أن يلتقي الرئيس الأميركي ، إلى جانب كبار رجال الأعمال لمتابعة المحادثات حول الإدراج المُحتمل لأرامكو في بورصات الولايات المتحدة.

 

وتُعَد عملية تلمُّس مدى الاهتمام بعملية الطرح الأولي العام لشركة أرامكو، الذي من المُتوقَّع أن يكون الأكبر في العالم، ومن المتوقَّع كذلك أن سيجمع 100 مليار دولار بحلول عام 2018، أحد المحاور التي تُركِّز عليها الجولة التي يقوم بها الملك سلمان.

 

ومن أجل إنجاح هذه العملية، يفترض أن تستفيد أرامكو من مليارات الدولارات من المستثمرين مثل صناديق التمويل الصينية المدعومة من الدولة وشركات النفط العالمية الصينية الآخذة في التنامي.

 

ويقول أشخاص مُطَّلِعون على الجولة إنَّ السعوديين رتَّبوا مقابلاتٍ لإطلاع الداعمين المُحتمَلين على آخر المعلومات، حسب وول ستريت جورنال.

 

هونغ كونغ وطوكيو

وقال أشخاصٌ مُطَّلِعون على الجولة إنَّه من المُحتمل كذلك أن تعرض بورصتا كلٍ من هونغ كونغ وطوكيو سوقيهما أمام الوفد السعودي باعتبارها أسواقاً يمكن إدراج الشركة بهما، إذ إنَّ الحجم الهائل لعملية الطرح العام الأولي يعني أنَّه على الأرجح سيجري طرح الأسهم أمام الجمهور في بورصاتٍ متعددة. وقالت كلتا البورصتين أنَّهما تسعيان إلى إدراجٍ محتمل لشركة أرامكو.

 

ويسعى السعوديون أيضاً إلى تأمين الاستثمارات لخطةٍ طموحة، هي رؤية 2030، من أجل تقليص اعتماد المملكة على النفط في المدى البعيد، وهو المسعى الذي أصبح أكثر إلحاحاً في ظل بقاء الأسعار القياسية متدنية عند مستوى 50 دولاراً للبرميل. وتستلزم تلك الخطة جذب الاهتمام الأجنبي لقطاعاتٍ مثل التشييد، والنقل، والخدمات المالية.

 

وفي اليابان، حيث يُقيم الآن أكثر من ألف مسؤول سعودي في فنادق طوكيو الفاخرة، يُخطِّط الجانبان لمناقشة مناطق اقتصادية خاصة في السعودية، مع إعفاءاتٍ ضريبية وقيودٍ أقل.

 

تويوتا

وقال مسؤولون يابانيون إنَّ الشركات والمؤسسات المملوكة للدولة ستدرس نحو 30 مشروعاً، بما في ذلك إمكانية إقامة منشأة إنتاج من قِبَل شركة تويوتا للسيارات.

 

وتتمثَّل إحدى الإشارات على مسعى السعودية لتنويع اقتصادها في صندوق استثمار تكنولوجي بقيمة 100 مليار دولار قالت مجموعة سوفت بنك اليابانية إنَّه قيد الإنشاء بمساهمة قد تصل إلى 45 مليار دولار من أحد صناديق الثروة السيادية السعودية.

 

ومع ذلك، قال مسؤول تجاري ياباني إنَّ الاهتمام الاستثماري من جانب اليابان، التي تُعَد السعودية أكبر مورِّدي النفط لها، يبقى مُتركِّزاً بصورة تامة تقريباً على الوقود.

 

وقد تكون الصين، أكبر سوق للنفط السعودي المُصدَّر، شريكاً استثمارياً أكثر أهميةً لاستمالته. وتعني الاحتياطات السعودية الضخمة أنَّ صادراتها إلى الصين ستواصل على الأرجح نموها على مدار سنواتٍ مقبلة في ظل تراجع الإنتاج المحلي في الصين.

 

وفي الوقت نفسه، تقع الشركات الصينية تحت ضغطٍ من بكين لتسعى وراء المزيد من الأعمال التجارية في الخارج في ظل تباطؤ اقتصاد البلاد.

 

وبحسب أحد الأشخاص المُطَّلعين على المسألة، من المُرجَّح أن يزور المسؤولون التنفيذيون لشركة أرامكو صندوق طريق الحرير الصيني، الذي يستثمر في البنية التحتية والمشروعات الأخرى، هذا الأسبوع، بعد لقاءٍ مشابه جرى في يناير/كانون الثاني 2017.

وبحسب مسؤولٍ حكومي مُطَّلِعٍ على المسألة، قد يعقد مسؤولو أرامكو كذلك مباحثات مع البنك الصناعي والتجاري الصيني، وشركة رأس المال الدولي الصينية.

 

ويقول أشخاصٌ على درايةٍ بطريقة تفكير الحكومة الصينية إنَّها تتعامل مع الطرح الأولي العام لشركة أرامكو بحذر.

 

ويعكس هذا الحذر مجموعةً من المخاوف، بدءاً من تدفُّقات رأس المال التي تسبَّبت بالفعل في تراجع الاحتياطات الصينية من العملة الأجنبية، وصولاً إلى التردُّد بشأن الانجرار إلى المستنقعات السياسة في الشرق الأوسط.

 

وقال باحثون صينيون وأشخاص قريبون من صناعة النفط الصينية إنَّ الصين يتوجَّب عليها كذلك أن توازن بين أي ٍ سعودية جديدة وبين رغبتها في الحفاظ على علاقاتٍ جيدة مع إيران.

 

ويُمثِّل كلا البلدين (السعودية وإيران) مصدرين كبيرين للنفط الأجنبي إلى الصين، وهما يتنافسان على النفوذ في الشرق الأوسط.

 

وفي الوقت نفسه، كما قال أولئك الأشخاص، تشعر الصين بالقلق من أن يُنظَر إليها على أنَّها تتنافس مع الولايات المتحدة في المنطقة المُضطَّربة.

 

وقال أحد الأشخاص المُطَّلِعين على العملية إنَّ المشاركة الصينية في الطرح الأولي لأرامكو ستعتمد بصورةٍ كبيرة على الدعم من القادة السياسيين في بكين.

 

وقال هذا الشخص إنَّ “إشراك الحكومة هو أهم شيء” في هذه المرحلة من عملية الطرح العام الأولي.

 

لا نريد سياسة

وقال زا داوجيونغ، الأستاذ بجامعة بكين، والذي تابع عملية الطرح الأولي العام، إنَّ القادة الصينيين يجب أن يُوضِحوا للسعودية وباقي المنطقة أنَّ لديها القليل فقط من الاهتمام بالتنافسات الجيوسياسية أو الدينية في الشرق الأوسط. وهذا مهم بشكل أكبر في ظل تركيز الولايات المتحدة على الموضوعات الداخلية تحت حكم الرئيس دونالد ترامب.

 

وقال زا: “إذا لم نُوضِّح الأمر بأنفسنا، فإنَّنا نخاطر بأن تتحكَّم بنا الأطراف المختلفة”.

 

وفي مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي، قال وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، إنَّ الصين ملتزمة بعلاقاتٍ قوية مع كلٍ من السعودية وإيران.

 

وقال مصدران على دراية بالأمر إنَّ الحكومة السعودية تأمل أيضاً لتأمين طلب مستدام على النفط السعودي الخام.

 

منافسة مع روسيا

وسيبدأ الملك سلمان زيارة الصين الأربعاء، 15 مارس/آذار الجاري، حيث يواجه السعوديون في هذه الدولة منافسةً متزايدة من روسيا ودول أخرى.

وشكَّل الخام السعودي نحو 13% من إجمالي واردات الصين عام 2016، مقارنةً بنحو 20% قبل 5 سنوات. وبقيت واردات الصين من الخام السعودي عند مستوياتٍ مستقرة العام الماضي، 2016، في حين تضاعفت وارداتها الإجمالية.

 

ومن أجل دعم الصادرات إلى الصين، يتطلَّع الوفد السعودي إلى وضع اللمسات الأخيرة على صفقة أسهم مقابل إمدادات لإقامة مصفاة تصل طاقتها إلى نحو 260 ألف برميل يومياً في مقاطعة يونان الصينية، وهو الأمر الذي وقَّعت شركة أرامكو اتفاقاً مبدئياً بشأنه في 2011.

 

وتُخطِّط شركة أرامكو السعودية لرفع طاقتها التكريرية إلى 8-10 ملايين برميل يومياً من نحو 5.4 مليون برميل حالياً. وستوفِّر صفقة مقاطعة يونان الصينية (مصفاة النفط) لأرامكو فرصةً من أجل الحفاظ على مستوردي نفطها الخام في خِضم منافسة شرسة من روسيا والمُورِّدين الآخرين في الشرق الأوسط.

 

المصدر: ترجمة وتحرير هافنتغون بوست عربي.