حاوره: عبد الحليم الجريري () برهان بسيّس هو إعلامي تونسي وموظّف سابق بوكالة الإتصال الخارجي التي اختصّت لسنوات في تنظيم الإشهار العمومي كما كانت تعمل على تلميع صورة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين ابن علي.

عرف عن برهان بسيّس بلاغته وقدرته على المحاججة والمقارعة الكلاميّة، ما جعل النظام النوفمبري يتبنّاه إعلاميّا ويستعمله في ضرب خصومه من السياسيين والحقوقيين، وكانت له عديد الطلعات الإعلاميّة منها طلعات كثيرة على قناة الجزيرة جعلت منه في نظر شريحة هامّة من التونسيّين خادم نظام ابن علي الأوّل.

ومع عودته إلى تصدّر المشهد الإعلامي التونسي بعد الثّورة -إن إدارة للمنابر أو حضورا فيها-، حرّك برهان بسيّس لغطا كبيرا في أوساط المجتمع المدني الذي استهجن ظهوره من جديد، وظلّ البعض يعتبره امتدادا للمنظومة القديمة فيما يعتبره البعض الآخر مواطنا تونسيّا من حقّه النشاط والتحرّك بالطريقة التي يرتئيها.

وأثار ذكر اسمه مؤخّرا في تقرير منظّمة أنا يقظ العديد من الإنتقادات والتأويلات رغم أنّه لم يردّ عليها لا بالتلميح ولا بالتصريح، لكنّه قبل الحديث في هذا الموضوع مع صحيفتنا “وطن” كما قبل التطرّق إلى محاور أخرى كان أهمّها تفنيده لخبر تعرّضه لضغوطات من رئاسة الحكومة على خلفيّة ترجيحه لأنّ الذي اغتال الشهيد محمّد الزواري هو الموساد الإسرائيلي، كما قال إنّ بعض المواقع القريبة من حركة النهضة “قفزت” على تصريحه بأنّ “راشد الغنوشي هو أكثر إنسان يعمل لتونس” لتهلّل وتكبّر بأنّ هذه الشهادة لفائدته، مؤكّدا أنّه كان يقصد أنّ راشد الغنّوشي هو أكثر إنسان يعمل الآن بشكل مهني في تونس ومن المأكّد أنّه فاعل رئيسي في الساحة السياسية التونسيّة مضيفا أنّه يملك من مفاتيح الفعل السياسي الكثير.

وعرّج بسيّس على موضوع ذكر الإعلامي المتواصل لإسمه في برنامج الإتجاه المعاكس معلّقا على ذلك بأنه يشكره لما يقدّمه له من خدمة بصفة غير مباشرة، وفي ما يلي نصّ الحوار كاملا:

-منظّمة “أنا يقظ” (i watch) التونسيّة اتهمتك رسميّا بإهدار المال العام عبر اعتمادها على تقرير لجنة المرحوم “عبد الفتّاح عمر” الذي تحدّث عن حصولك على اموال من وكالة الاتصال الخارجي مقابل تلميع صورة ابن علي، ما ردّك؟؟

–أوّلا هي لم تعتمد شيئا جديدا، بل أعادت نشر ما ورد في تقرير عبد الفتّاح عمر، وأعادت نشر ما نشره السيّد المرزوقي في “الكتاب الأسود” عن تقرير المرحوم عبد الفتّاح عمر، وتقرير عبد الفتاح عمر أصلا اعتمد على الوثائق التي وجدها في قصر قرطاج وأعاد تركيبها وهي قضيّة موجودة لدى المحاكم التونسيّة وأعتقد جازما أنّني لا أتحمّل فيها تهمة إهدار المال العام، بل كان عملا أدّيناه وأثبتنا أنّنا أدّيناه أمام الجميع وتقاضينا لقاءه أجرا في إطار عمل إعلامي مع قناة لبنانيّة كما ورد في التقرير الذي أعدّته “أنا يقظ”، ونحن الآن ندفع لأجله ثمنا بحرماننا من السّفر منذ خمس سنوات، وهو ما يدلّ على أنّه لا يوجد إفلات بل يوجد تتبّع ويوجد تجاوز، وهذا التجاوز بصدد إنتاج نفس المنظومة القديمة التي يظنّ البعض أنّهم ناضلوا ضدّها. 

-وما رأيك في التحقيقات والملفات التي تكشفها منظمة “أنا يقظ” ككلّ ؟؟

–هم شباب يحاولون العمل، وطبعا لديهم الكثير من النوايا الطيّبة كما لديهم شيء من التسرّع الذي قد يلامون عليه، فقد ذهبوا إلى ندوة دوليّة في عاصمة من عواصم العالم، أندونيسيا على ما أظنّ، وشهّروا بأحد رجال الأعمال وقدّموه في صورة شبيهة بالصورة التي قدّمها الأمريكان عن أركان النظام العراقي، وهذا على ما أرى عيب وفيه الكثير من التهوّر، لكن لا مشكل، فقد انخرطوا على ما يبدو في الموضة الجديدة التي أتت بعد 2011، وأتمنّى أن يبتعدوا عن مناطق الشبهات وعن الإرتباط بخلفيّة سياسيّة معيّنة حتّى تكون مقاومتهم للفساد مقاومة شاملة غير مسيّسة.

-وهل هم مسيّسون؟

–نعم أعتقد ذلك، فوراءهم على ما يبدو خلفيّة سياسيّة.

-ما هي هذه الخلفيّة؟

–لا أعرف ولكن هنالك قضايا سياسيّة تغاضوا عنها، فسليم بن حميدان وزير أملاك الدّولة السابق مورّط في قضيّة ووجّهت له تهمة وفق الفصل 96 بأنّه ورّط الدّولة التونسيّة في مليارات ومنظّمة “أنا يقظ” لم تتحدّث عنها البتّة، مع أنّها أكبر بكثير من ال250 ألف دينار التي أخذها برهان بسيّس طيلة سنوات تعاونه مع وكالة الإتّصال الخارجي والتي هي بين قوسين مبالغ مضحكة وعاديّة وطبيعيّة يتقاضاها أي إعلامي يتعامل مع تلفزيون أجنبي ولا مقارنة بينها وبين ما يتقاضاه البعض اليوم من خلال تعامله مع السفارات الأجنبيّة.

-لو تكشف لنا عن الضغوطات التي تعرضت لها من رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية بعد تصريحاتك بخصوص تورط الموساد في جريمة اغتيال المهندس الشهيد محمد الزواري؟

–لا لم أتعرّض لضغوطات، بل بالعكس قمنا بواجبنا الإعلامي وتفاعلت معنا السّاحة الإعلاميّة والسياسيّة بشكل إيجابي، ما حدث هو تسريب وقع من أحد المواقع الإعلاميّة بأنّه سيقع الإستماع إليّ من طرف السلطات ولكنه تسريب ذو حسابات جانبيّة على ما أعتقد.

-ولكن من أين لك بالتأكيد على أنّ الذين قاموا باغتيال الزواري تابعين للموساد، فأنت رجّحت أيضا أنهم هربوا من البحر.

–أنا رجّحت فرضيّة الخروج التي أكدتها الجهات الرّسميّة، كما أنّ الذي أطلق النّار مستحيل أن يكون موجودا في تونس حينها، لأنّ القاتل سيفكّر قبل كلّ شيء في تأمين خروجه بعد العمليّة.

-قلت إنّ راشد الغنّوشي هو أكثر إنسان بصدد خدمة تونس، هل كان هذا هو رأيك فيه منذ البداية؟؟

— بالنسبة لي، أنا لا أطلق أحكام قيمة، هذا التصريح لي على موجات إحدى الإذاعات التونسيّة أخذته بعض المواقع القريبة من حركة النهضة لتهلّل وتكبّر بأنّ هذه الشهادة لفائدة راشد الغنّوشي، طبعا هي لها أن تفعل ذلك، ولكنني لم أقل إن راشد الغنوشي هو أكثر إنسان يخدم تونس بل قلت إنّه أكثر إنسان يعمل الآن بشكل مهني في تونس ومن المأكّد أنّه فاعل رئيسي في الساحة السياسية التونسيّة وهو يملك من مفاتيح الفعل السياسي الكثير، وما يشدّني حقّا في هذا التّصعيد الذي يقوم به البعض ضدّ الغنّوشي وضدّ من يشكره هو أنّه تصعيد منافق، لأنّ جلّ هؤلاء يجلسون إليه وينتظرون اللحظة التي يشير فيها إليهم ليزكيهم ويمنحهم السلطة ليذهبوا إليه جريا إلى مونبليزير.

أمّا “هل يعمل الغنّوشي لتونس” أو لموريطانيا أو لمشروع الإخوان المسلمين أو لغيره فهذا سيأكّده التاريخ. 

-قلت إنّ هنالك من السياسيين من انتظر وصول ترامپ الى السلطة للاطاحة بالاسلاميين، هل تتجرّأ على ذكر اسماء معيّنة؟

–كنت أقصد النخبة المؤثّرة في الرّأي العامّ، وهي أطراف عديدة من المعادين للنهضة ومن الذين يرون أن الربيع العربي أتى بالإسلاميين للسلطة، وعليه عندما ينهار أن يرجعهم من حيث أتوا، يعني إلى المنافي أو السّجون.

أنا بالنسبة لي، أن تختلف مع النهضة فهذا مشروع بل أحيانا واجب، ولكن أن تتمنّى لهم الرّجوع إلى السجون والمنافي وهم بشر ومواطنون تونسيّون مثلي فهذا ما أعتبره خطّا أحمر، وكفى ما ارتكبناه من أخطاء في السّابق من خلال تشريع تصفية الخصوم الساسيين عبر آلة السجن والنفي.

-هنالك من قال إنّك اردت ان تقول شيئا لبن علي عندما نعتّ زوجته بالسيدة الأولى في حديثك الأخير مع أخيها بلحسن الطرابلسي، ما رأيك؟

–أنا أستعمل المصطلحات التي تنطبق على أصحابها، فليلى بن علي كانت سيّدة أولى وهذا ما لا يمكن للتاريخ أن يفسخه، وأنا عندما سألت بلحسن الطرابلسي وقلت له لفظ “السيدة الأولى” فأنا قصدت السيدة الأولى أيّام رئاسة زوجها لتونس والجميع يعرف هذا ولست مجنونا لأعتبرها سيدة تونس الأولى الآن.

-سلوى الشرفي انتقدت قناتكم لانها استضافت بلحسن الطرابلسي، فقلت إنّك لا تحترمها لأنّ خطابها هابط، أليس لها الحقّ في نقد قناتكم؟

–من حقّها أن تنقد لكن ليس بهذه الطّريقة، ليس بأن تسمّي العمل الإعلامي عمل ميليشيات وبأن تقول عن استضافة بلحسن الطرابلسي إنّها جريمة في حقّ الإعلام والديمقراطيّة والإنسانيّة، أنا أرى بأنّ هذا المستوى هو مستوى هابط في النّقد، لأنّه لا أحد إلى الآن قيّم هذا العمل مهنيّا ولا أبدى رأيه في كيفيّة محاورتنا لضيفنا، ولا عرّج على تقنياتنا التي اعتمدناها في هذا الحوار.

أنا أعرف أنّه على كلّ إنسان مختصّ في الإتصال ويدرّس في معهد الصحافة مثل سلوى الشّرفي أن يحكم على استضافتنا لبلحسن الطرابلسي بهذا المنطق وليس بمنطقه الأيديولوجي.

-وهل حكمت سلوى الشرفي على حواركم بمنطقها الأيديولوجي؟

–بل أكثر من ذلك، لقد كانت تمارس التصيّد الشخصي ضدّ بلحسن الطرابلسي، ومثل هؤلاء مولعون للأسف بمقارعة طواحين الهواء، مثل من يعتقد مثلا أنّ الناس يكفّرونهم وهم في الحقيقة يبحثون عن أي كلمة ليقولوا هذا الشخص أو ذاك يكفّرنا.   

-ما هو تقييمك لأداء رئيس الجمهوريّة؟

–أداؤه وفق المتوقّع.

-وما الذي كنت تتوقعه منه؟

–يعني له حدود في مستوى الممارسة السياسيّة محكومة بطبيعة النظام السياسي وطبيعة صلاحياته.

-ترى أنّه يحترم الدستور؟

— من شركائه في المنظومة السياسية هنالك الكثير من حرّاس الدستور وعلى رأسهم حركة النهضة التي كانت العمود الفقري للدستور المصاغ في 2013.

-ولكنه لم يقدّم ملفّه الطبي إلى الهيئة الدستوريّة إلى الآن.

— لا أعتقد ذلك وإلا فكيف ترشّح للإنتخابات؟

-برهان الذي قال خلال أول ظهور اعلامي له بعد 14 يناير “كان تشوفوني في الاعلام اطلقوا عليّ النار” عاد اليوم إلى الإعلام وبقوة، لماذا لم تفِ بتعهّدك؟

–عادي لأنني كنت أعتقد أن الساحة قد صفّت إرثا سياسيّا قديما بأكمله، وتحت هذا الضّغط قلت ذلك الكلام، لكن في ما بعد تبيّن لي أنّ هؤلاء الذين جاؤوا ليسوا أحسن منّا، فقد توقّعت في 2011 بعد ما ذهب ما سمّي بالعصابة التي خرّبت البلاد وحوّلتها إلى دمار أنّه ستأتي الملائكة للبناء ولكنها فشلت في البناء فقلنا إنّه ليس من المعقول أن نترك البلاد للدمار، ثمّ ليس لي عقدة في هذا التعهّد، وإذا أردت سوف أحصي لك ما تعهّد به في التاريخ ثمّ نقض، وانظر إلى الذين تعهّدوا بكتابة الدستور في سنة فظلّوا ثلاث سنوات.

وألخّص لك لأقول إنني إعلاميّ أمارس السياسة وسأعاود الرجوع إلى السياسة دائما، وهنالك حكمة تعلّمناها تقول إنّ الحياة تقاس بنبض القلب، ونبض القلب ليس مستقرّا في وتيرته، وعندما يستقرّ فإنّ الإنسان يعتبر قد مات، وهذا هو موقفي كإنسان، متغيّر دائما. 

-هل مازلت تعتبر أنّ ما حصل لبن علي مؤامرة؟

–أوّلا لم أستعمل كلمة مؤامرة، ما حصل في تونس كغيره من بلدان الربيع العربي هو تركيب معقّد بين عوامل داخليّة وعوامل خارجيّة، أنت كمحلّل موضوعي جئت من كوكب آخر لتعاين ما حصل في العالم العربي بداية من 2011، سوف تتأكّد أنّ لقاء ما بين تغيّر في معطيات دوليّة على مستوى قرار سياسيّ دوليّ من القوى العظمى التقى مع حاجات ضروريّة للتغيير من داخل هذه المجتمعات لكي ينتج الثورة.

-يعني تحمّل النظام جزءا من المسؤوليّة؟

-طبعا، وحتّى في ذروة وجودي داخل النّظام لم أكن أقول إنّ النظام بصدد بناء نموذج مثالي لا ترقى إليه الأخطاء أو التجاوزات أو النقائص، بالعكس تماما، فأنا –وليس هذا ادعاء- كنت دائما من أنصار التوجّه الإصلاحي من داخل النظام، وكنت أعتقد بإمكانيّة انجاز الإصلاحات من داخل المنظومة، كما كنت أعتقد أن نموذج ما يسميه النّظام بالتعددية السياسية نموذجا قاصرا وكان يمكن أن ينفتح على منظومة سياسية أشمل، بما فيها الإسلاميين أيضا، وأذكّرك بمقولة راشد الغنّوشي الذي ذكر أنّه لو استوعب نظام ابن علي الإسلاميين لما كانت هنالك ثورة، لأنّه يدرك جيّدا أن هذا التحوّل الذي حدث في البلاد كان هدفه الرئيسي هو فتح المجال لحياة سياسيّة ليبيراليّة فقط، والعدالة الإجتماعيّة كانت محض شعار.

-قلت إن نظام ابن علي كان نظاما وطنيّا، نريد أن نعرف كيف؟

–أوّلا مفهوم الوطنية اليوم تغيّر، فما معنى وطني في إطار اقتصاد تابع؟ ما معنى وطني في إطار خيارات اقتصاديّة وماليّة مرتبطة كلّها برغبة المانحين؟ يعني هنا صارت قضيّة الوطنيّة متقلّصة خارج إطار مفهوم الفروسيّة لتصبح مسألة سيادة، يعني أن تؤمن بأنك لديك حساسيّة تجاه سيادة الدّولة، وابن علي بشهادة من عملوا معه وشهادة حتّى خصومه الموضوعيين والنزيهين يقدّرون أنّه كان رجلا سياديّا، لمصلحة نظامه أو لمصلحة مجموعته أو عائلته فهذه قضيّة أخرى، لكن في علاقة بتونس وفي علاقة بالتدخّل  في الشأن التونسي فإنّه كان ينبّه أركان نظامه على أنّ أي اقتراب للسفارات هو خطّ أحمر في إطار رعاية ما سمّي بسيادة الدّولة.

-ولكن ما رأيك في قمعه لمظاهرة سنة 2006 كانت رافضة لقدوم شارون إلى تونس؟

–عندها لم يأت شارون بل أتى وفد إسرائيلي للمشاركة في قمّة المعلومات، وكانت منظّمة التحرير الفلسطينيّة موافقة على ذلك، وقد كانت شريكة مع نظام ابن علي في عديد القرارات والتوجهات ويعلم الجميع أنّ تونس عندها كانت حاضنة للقضية الفلسطينية كما لم تتدخّل في القرار الوطني الفلسطيني، كانت هنالك ظروف دوليّة معيّنة وإكراهات معيّنة مارسها النّظام والنظام كانت له علاقاته أيضا مع الإسرائيليين التي لم يخفها كما لم تخفها أنظمة ما بعد 2011، واسرائيل ظلّت دوما الحاضر الغائب في السياسة التونسيّة.

-لماذا تتهمك فئة كبيرة من التونسيين بأنك مازلت تخدم النظام السابق؟؟

–كيف ذلك؟ النظام السابق لم يعد موجودا، وأنا أعبّر عن أفكاري بحرّية، النظام السابق أخطأ وارتكب عديد التجاوزات.

-ولكن لا نراك تتحدّث إلا على محاسنه.

–لأنّه كلّ ما يثار معي نقاش يكون موضوعه الماضي، والدليل أسئلتك معي الآن، أنا ابن حاضر ومستقبل ولكنني لا أسأل إلا على الماضي فأجيب عنه

-طيّب، أنت كنت تعلم وأنت المثقّف بشهادة الجميع، أنّ نظام بن علي كان نظاما بوليسيّا وقمعيّا وصفّى معارضيه بطرق وحشيّة، لماذا يا تُرى سمحت لنفسك بخدمتهِ؟

–ما هي هذه الطّرق؟ هل صنع مقابر جماعيّة مثلا؟ وأجبني على سؤالي: هل يوجد الآن من يدافع عن النظام الجزائري؟ هل يوجد من يدافع عن نظام الملك في ؟ هل يوجد من يدافع عن نظام الولايات المتحدة الأمريكيّة؟ في مثلا هنالك الإعلام والأفلام والوثائقيات التي تدافع عن النظام الأمريكي رغم الجرائم التي قامت بها هذه الدّولة في حقّ شعوب العالم.

النظام التونسي لم يكن نظاما فاشيّا، لكنّه واجه خصومه وكانت وتيرة القمع مرتفعة في التسعينات وأنا شخصيّا لم أكن موجودا عندها، إنخفضت هذه الوتيرة لتصبح مشكلته مع بعض الحقوقيين، وكان حكمه مؤسسا على فكرة “القليل من الحرّيات والكثير من الضبط الإجتماعي”، وأنا كنت مقتنعا بهذه النظريّة.

-إذن أنت اليوم مقتنع بقليل من الحرّيات وكثير من الضبط الإجتماعي؟

–الموضوع ليس موضوع دغمائيات، والأسئلة يجب أن تطرح دوما، وأنا أقول إنّه على مثقّف ما بعد 2011 أن يطرح على نفسه السؤال التالي: هل حقّا أن مناخ الحرّية يخلق الإبداع والتحكّم السيّس في رأس المال؟ جاءت التجربة الآن، تجربة الحرّية أقصد، وأنا أعذرها لأنها مازالت تحبو، ولكن مقدماتها تؤكّد سقوط هذا الإكليشيه وهذا الميكانيك الذي ليس موجودا إلا في عقول أصحابه، وهذا ليس موضوع تبييض أو ما شابه، إنما هو نقاش فلسفي فكري، فالصين اليوم تقدّم نموذجا في صناعة التنمية وفق نظام سلطوي لأنّها لا تعتقد في نجاح التقدم والإزدهار إلا عن طريق نظام مركزي وسلطوي.

-ولكن هل تقدّمت دولة كأمريكا مثلا بكثير من الضبط الإجتماعي وقليل من الحرّيات؟

–لا يمكن المقارنة.

-انتهاج بن علي لسياسة “كثير من الضبط الإجتماعي وقليل من الحريات” ألم ينتج ثورة في الأخير؟

–الثورة لم تحدث إلا لأنه تقابلت على النظام تأخّرات في الإصلاحات ورغبة خارجيّة في أن تكون أنت المخبر، الثورة لماذا لم تصنع في البحرين وصنعت في تونس؟ لأنّ تونس أريد لها أن تكون مخبرا، صحيح أن هنالك شروطا داخليّة لكن علينا أن نقرّ أيضا أن هنالك تغيّر رياح خارجيّة دوليّة، وتونس، هذه الدولة المتجانسة إثنيّا واجتماعيّا أريد لها أن تكون مخبرا، والذين خرجوا في الثورة خرجوا لأنّهم كانوا يحسّون بالحيف وهذا الإحساس أبدي ولن يتغيّر.   

-باختصار وبصراحة، هل أنت اليوم مع التقليل في الحريات والتكثير في الضبط الإجتماعي؟

–في سياق ديمقراطي متدرّج نعم.

-كيف ذلك؟

–أنا الآن مثلا أؤمن بالدولة المركزيّة في تونس، دولة تمارس السلطويّة في إطار القانون.

-ألا تجد تضاربا في مصطلحي السلطويّة والقانون؟

— بالعكس، فمفهوم دولة القانون هو مفهوم سلطوي قبل أن يكون مفهوم ليبيرالي لحرّيات مفتوحة، تجربتنا اليوم بمعناها السوسيولوجي تحتاج أكثر من أي شيء إلى هذا المفهوم، أي مفهوم السلطويّة المركزيّة، إذ ماذا حصل بعد 2011؟ عقدة تجاه نظام رئاسوي تمّ ربطه بالإرث الإستبدادي، فضربنا المركزيّة باسم ضرب الإستبداد وهذا خطأ في تقديري لأن مجتمعنا مازال محتاجا لدولة مركزيّة تمارس شيئا من السلطويّة على المجتمع في إطار القانون لأننا مازلنا نحتاج إلى سلطة الدّولة، والحرّية التي عاينتها منذ 2011 هي حرّية رديفة للفوضى، وأنا لا أفهم ما معنى أن ينشط المجتمع المدني دون رقابة الدّولة، مثل رقابة عمل الجمعيات وتمويلاتها، هنالك فرق بين سلطوية ما قبل 2011 التي تمارس خارج إطار القانون وسلطوية ما بعد 2011 التي أطمح إليها والتي أريد منها أن تكون في كنف القانون، وأودّ مثلا أن أسأل في هذا المقام، من أين تأتي منظمة أنا يقظ بتمويلاتها؟ ما معنى أن جهة أجنبيّة مثل ما يسمّى بالopen society تموّل هذا التنظيم؟ اليوم تمارس علينا سلطة رقابة باسم مكافحة الفساد، لأي أجندات تموّل هذه الأطراف الخارجيّة جمعياتنا؟ أنا أعتقد أن هذا يتناقض مع بناء ديمقراطيّة ناجحة، وما يترسّخ الآن بهذه الصيغة هو ديمقراطيّة مخترقة ومتصابية وهشّة ولن يكون لها مستقبل.

- لو تصارحنا، هل تتحسّر على عهد ابن علي؟

–أنا لا أتحسّر على الماضي، بل بالعكس أنا وضعيّتي أحسن الآن وصرت أكثر نفوذا لأنّه لم يكن هنالك نفوذ في السابق.

-أحسن بسبب “التقليل من الحريّات” أم العكس؟؟

–لا هي أحسن بسبب الليبيراليّة التي لا تخدم إلا الأذكياء.

-وهل تعتبر نفسك من الأذكياء الذين خدمتهم الليبيرالية؟

–أحاول أن أكون ذكيّا.

-اذا وجدت ابن علي مترشّحا لانتخابات رئاسية قادمة، هل تنتخبه؟

–بن علي لا يمكن أن يعود  وحتى لو عاد لن أنتخبه لأنه كان صالحا في مرحلته فقط.

-الإعلامي فيصل القاسم ذكر اسمك في كلّ حلقات برنامجه الاتجاه المعاكس التي تتحدّث عن ، وكان دائما يعتبرك وجها اعلاميّا عمل على اجهاض الثورة وأعاد التوازن للمنظومة القديمة، ما رأيك؟

–ما شاء الله، يعني صرت دولة داخل الدّولة؟ لا أعتقد أنني أمتلك هذه الإمكانيّات الخارقة حتّى أكون في وجه مسار ثوري وأساهم في رجوع نظام قديم، وأقول لفيصل القاسم بارك الله فيك وواصل في ذلك، وأظنّ أنّه كإعلامي يعلم أنّ أحسن شيء في الإعلام هو التكلّم عن شخص ما مسبّة أو شكرا، لذلك أقول له واصل في التكلّم عنّي بالسباب أو الشّكر، كما أزعم أنّه لم يستوعب إلى الآن قاعدة أنّك إذا أردت أن تهزم شخصا فإنّه عليك بأن تتجاهله، ويبدو أنّه مريض بشيء إسمه برهان بسيّس وأنا أشكره وليواصل ذكري دائما، كما أنني أتعاطف معه لأنّه يعيش الغربة ولا يمكنه العودة إلى وطنه لأنّه اختار أن يلعب ذلك الدّور من الدّوحة، أمّا نحن فالحمد لله بقينا في هذه الأرض.

-تتحدّث عن دور، أي دور تقصد؟

–الدور القطري، فقطر صرفت مليارات الدولارات لإسقاط نظام بشّار الأسد، وصرفت مليارات الدولارات على تسفير آلاف الشباب من مختلف أماكن العالم ليقاتلوا في ، بنت أيضا مستشفيات في غزّة ودفعت عديد المرات أجور الغزّاويين، ساندت تونس في انتقالها الديمقراطي، ولكنّها أيضا فتحت أرضها لقاعدة العيديد الأمريكية، كما أنها أكبر دولة عربية لها علاقات بالجانب الإسرائيلي وهي لا تخفي ذلك وتعتبره جزءا من عملها، كلّ هذا هو مجموعة من المتناقضات عليك أن تفكّها أنت وحدك.

-هل انت مقتنع الى الآن أنّ نظام بشار الأسد تعرّضَ الى مؤامرة؟

–هي ليست مؤامرة، بل هنالك حكومات ودول وأطراف وجهات ومراكز نفوذ عالمية ودولية وإقليمية تآمرت على نظام بشّار الأسد، بل أرادت إسقاطه وحوّلت سوريا إلى أرض حرب كونيّة، بغضّ النظر عن موقفي من هذا النّظام.

-ولكن لماذا لا تنجح المؤامرات إلّا على أمثال بشار الأسد؟ لماذا لم تنجح مثلا ضدّ هوغو شافيز أو لولا دا سيلفا؟

–لأنّه لم تكن هنالك إرادة دوليّة لإسقاطهما كما هو الحال مع نظام الأسد.

-هل أنت مع بقاء هذا النظام على رأس الدولة السوريّة؟

–وهل تظنني مع ذهابه ودخول ميليشيات جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشّام إلى دمشق وإعلان دولة الخلافة منها؟ أين هو البديل الليبيرالي في سوريا؟ هيثم منّاع مثلا؟ حتّى هيثم منّاع توأم روح المنصف المرزوقي يعتبر اليوم أنّه توجد مؤامرة كونيّة على سوريا ليس فقط لإسقاط بشّار الأسد، بل لإسقاط سوريا أيضا. 

-ونحن نتحدّث في السياسة الدّولية، ما رأيك في الحركة التي قام بها ضدّ محمّد مرسي؟ هنالك من يعتبرها تصحيحا للمسار الثوري وهنالك من يعتبرها انقلابا كامل الاركان.

–مرسي اصطاد الإخوان المسلمين في إطار صراع سلطة، والإخوان لم يستطيعوا المحافظة على السّلطة وارتكبوا أخطاء قاتلة تجنّبها نظراؤه في تونس واستفادوا كثيرا منها.

نظام مرسي تمسّك بما يسمّى شرعيّة الصّندوق رغم أنّها كانت شرعيّة هشّة ولم يتوجّه نحو إدماج خصومه في السلطة وتشريكهم فيها.

-فجاء السيسي لتصحيح المسار الثوري؟

–ليس تصحيحا، السيسي جاء لكي يزيحهم عن السلطة، والسلطة إذا لم تكن أنت فسأكون أنا.

كانت ديمقراطيّة زمن الإخوان -بالمفهوم الليبيرالي- أكثر بكثير ممّا هي عليه الآن في ظلّ حكم السيسي، فمرسي لم يقمع حرّيات ولم يضع أي خصم سياسي في السّجن وكان ديمقراطيّا لكنّ ديمقراطيته مشت على تماس الفوضى، هل كانت قادرة على أن تمشي أكثر في مسار هذا النوع من الديمقراطيّة؟ يبدو أن جزءا من الرّأي العام المصري كان يقول لا، لذلك فإنّه دعا السيسي إلى التدخّل لكي يوقف هذه الديمقراطية التي كانت تمشي على شفا الفوضى، ويعيد سلطويّة أوقفت كلّ مظاهر الديمقراطيّة بما فيها الحرّيات ولبّى مطلب جزء من الرأي العام المصري بإيقاف الفوضى.

ونحن في تونس علينا أن ندرس هذه الحالة المصرية جيّدا لكي نتجنّب حدوثها عندنا، وقوّة نموذجنا التونسي تكمن في أن الجديد اقتنع بعدم امكانيّة إلغاء القديم وأننا اليوم نسير في هرمونيا بين المنظومة القديمة والمنظومة الجديدة.

-ولكن وأنت أعدتنا إلى تونس، القيادي في نداء تونس رضا بلحاج طلب من السفارة الإماراتية منح حزبه أموالا لكي يقضوا على النهضة سياسيّا، أين هذه الهرمونيا التي تتحدّث عنها؟

–هذه تسريبات لا أعتقد بصحّتها، وأظنّ أنّها جاءت من منظومة من الصّحف الإخوانيّة أو القريبة من الإخوان، وقد أطلقتها صحيفة العربي الجديد القريبة من الإسلاميين والناطقة باسمهم في إطار الحروب الإعلامية اليومية البسيطة والمتمثّلة في التشويه المتبادل، لأن الإمارات لا تحتاج إلى محضر جلسة للقاء رضاء بلحاج في مقرّ قنصلّيتها، وأرجو انطلاقا من هذه الحادثة أن نرتفع في صراعاتنا السياسيّة عن تشويه بعضنا البعض بهذه الطّرق.

-نهايةً، هل تعيش حياة عاديّة؟ ألا تتعرّض الى مضايقات من الناس في الشارع مثلا؟ ألا تأتيك تهديدات بالقتل ؟

–لا مطلقا، أنا أعيش حياة طبيعيّة وأتجوّل في كلّ شوارع العاصمة وأجلس في أي مكان في إطار الإعتقاد الواثق برضاء الوالدين، فهنالك من يحبّ برهان بسيّس وهنالك من يكرهه وأعتقد أن هذه المسألة تتجاوز الحبّ والكره وهذا عاديّ ومنطقي جدّا، كما أقول إنّ يدي ممدودة للجميع وأنا أقبل الإنتقاد الراقي الذي لا يخرج عن الأطر الأخلاقيّة وأنا من أشدّ المولعين بالمعارك الرّاقية.