تستجيب حكومات دول مجلس التعاون الخليجي لدعوات الإصلاح. وكانت أسعار النفط المنخفضة قد أحدثت هزّة لاقتصاداتها، حتّى الاقتصادات التي تنوّعت خارج إنتاج الطاقة. وتلوح تهديدات حدوث الاضطرابات في الأفق. وفي كل دولة من الدول الستة التي تشكّل المجلس، سيمثّل تنفيذ الإصلاح معركة صعبة. لكنّ بعض الحكومات الخليجية وشعوبها ستواجه أوقاتًا أسهل، مقارنةً بغيرها.

 

تحليل

بالنسبة لقادة والبحرين، وبشكلٍ أقل ، سيترتب على التغيير خيارات فورية وصعبة لتحديد أولويات السياسات ومن سيتحمّل العبء الأكبر من تخفيضات الإنفاق والدعم. وعلى العكس، تحظى الحكومات في والإمارات بسعة من الوقت في صالحها. وعلى الرغم من أنّ هاتين الدولتين تدركان أهمية الإصلاح، إلّا أنّ عدد سكانها الصغير، بالإضافة إلى الوضع المالي الممتاز والاحتياطيات العالية من الطاقة، هي أمور تجعلها في موقف أكثر راحة للقيام بالإصلاح.

 

والأكثر من ذلك، أنّ كلًا من قطر والإمارات قد حققتا بعض النجاح بالفعل في توجيه اقتصاداتها بعيدًا عن النفط. واستطاعت قطر تعزيز صندوق ثروتها السيادي عن طريق بعض الاستثمارات الدولية محفوفة المخاطر ولكنّها مربحة. وفي ، ضخّت الأسر الحاكمة الأموال في سبيل تطوير عدد من القطاعات التنافسية الاقتصادية. وبعد أنّ مهّدت الأرض لأي مبادرات إصلاحات مستقبلية، فإنّ هاتين الدولتين ستقابلان عددًا أقل من العراقيل في طريق الإصلاح مقارنةً بباقي دول المجلس.

 

لا مشاكل طائفية

على عكس السعودية والكويت والبحرين، لم تواجه قطر أو الإمارات تاريخيًا الكثير من المشاكل ، جزئيًا بسبب أنّ يمثّلون نحو 10 بالمائة من السكّان فقط. وحتّى مع ذلك، تمّ استيعاب في قطر والإمارات داخل نسيج الأغلبية السنّية في بلادهم، حيث شغلوا أدورًا بارزة في قطاع الأعمال والحكومة. كما أنّهم يتوزّعون في كل أنحاء البلاد بدلًا من التركّز في منطقة واحدة، كما يميل في السعودية.

 

ولاحتواء سكّانها الشيعة وتجنّب الاضطرابات، عملت الحكومة في كل من الدوحة وأبوظبي على قطع الطريق أمام رسائل التطرّف من الخارج وعبر الإنترنت. وفي الوقت نفسه، وضعت رقابة شديدة على العمالة الشيعية القادمة من دول مثل باكستان ولبنان والعراق لوأد أي أفكار خبيثة في مهدها. وأثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها بشكلٍ كبير ومدهش، نظرًا لأنّ قطر والإمارات لديهما أكبر نسبة من العمال الأجانب في سكانهما بين دول المجلس، تقدر بـ 90 بالمائة و88 بالمائة على التوالي.

 

ولدى الدوحة وأبوظبي علاقات مختلفة مع طهران عن كثير من دول المجلس. وعلى الرغم من كونهما دولتين سنّيتين، متحالفتين مع مشروع السعودية في المنطقة، إلّا أنّ كلا البلدين يتبنّى سياسة خارجية مستقلّة ويتعاون مع إيران في عدد من القطاعات. وعلى سبيل المثال، تتشارك قطر تشغيل حقل غاز الشمال أو حقل بارس الجنوبي مع إيران. وتعتمد الإمارات على التجارة مع إيران، وتمثّل لها نقطة عبور هامة لكثير من الواردات الإماراتية. وللحفاظ على تدفقات التجارة وسط العقوبات الثقيلة على طهران، أنشأت إمارة رأس الخيمة شبكات تهريب مع إيران. وساعدت هذه العلاقات، بالإضافة إلى عدد صغير من السكّان الفرس في البلاد، الدوحة وأبوظبي في الحدّ من الصراع مع طهران، في حين منحتهما أيضًا نظرة أكثر حيادية لجارتهما عبر الخليج.

 

عمان في الوسط

يعدّ موقف عمان تجاه إيران أكثر حيادية، بفضل ديموغرافيتها. فعلى الرغم من تمتّع عمان بأغلبية سنّية طفيفة، إلّا أنّ غالبية سكّانها يمارسون مذهب الإباضية من الإسلام، وهو مذهب يجمع بين تقاليد سنّية وشيعية. وقد أنقذ ذلك البلاد من الوقوع في نزاعات طائفية كالتي ضربت المنطقة بأسرها.

 

وتتمتّع عمان بالسياسة الخارجية الأكثر استقلالًا بين دول مجلس التعاون الخليجي. وفي بعض الأحيان، تسبّبت مقاومة عمان لرؤية السعودية في المجلس في إحداث احتكاكات مع ، مثلما حدث عندما استضافت مسقط المحادثات بين الولايات المتّحدة وإيران حول خطّة العمل المشتركة الشاملة عام 2015. لكنّ سمعة عمان كدولة تفاوضية، جعل لها مكانًا مناسبًا كوسيط بين دول المجلس وإيران. علاوة على ذلك، مع سيطرة عمان على جزء من المياه الاستراتيجية إقليميًا ودوليًا لمضيق هرمز، فحيادها يمثّل قيمة لدول المجلس وإيران على حدٍّ سواء.

 

وقد مكّن هذا الموقف الحكومة العمانية من الاستفادة الاقتصادية بالتعاون مع السعودية في مجال الأمن، بالإضافة إلى الحفاظ على علاقات تجارية وثيقة مع إيران. ولكن لا تزال عمان تواجه تحدّياتٍ اقتصادية مثل باقي دول المجلس. وإذا لم تنفّذ إصلاحات باتّجاه تنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط وتقليص الدعم والإنفاق العام، سيستمر عجز ميزانيتها في النمو. وحاولت عمان بالفعل تنويع اقتصادها لعقود لتعويض احتياطياتها النفطية الضعيفة نسبيًا. ومع ذلك، فهي تكافح لمواكبة القطاعات المالية الصاخبة والرواتب العالية للعمال الأجانب في كل مكان آخر من دول المجلس. ولكن مع ذلك، لا تزال عمان تحافظ على نفسها بعيدًا عن التوتّرات الطائفية.

 

وينقسم شيعة البلاد إلى ثلاث فئات، البحارنة وهم الشيعة العرب الذين هاجروا إليها من البحرين، والعجم الذين هاجروا إليها من فارس (إيران)، واللواتية وهم أقدم المجتمعات الشيعية في عمان ولديهم أصول جنوب آسيوية وعربية. وبغض النظر عن الإرث، فقد حجز الشيعة في عمان لأنفسهم مكانًا في المجتمع، على الرغم من أنّ اللواتية قد شغلوا معظم المواقع الكبرى في الحكومة والأعمال.

 

لكن قد يتغيّر كل ذلك بالموت الحتمي للسلطان «قابوس بن سعيد آل سعيد»، الذي يحكم عمان منذ عام 1970. وفي ذلك الوقت، فإنه قد وضع العديد من السياسات التي تشكّل البلاد اليوم. والآن، يتهدّد حكمه المستمر بالشيخوخة واعتلال الصحّة، وبعدم وجود خطّة واضحة للخلافة مما قد يعرّض إرثه للخطر. ومع التحوّل الظاهر في الأفق في عمان، تكثر المخاوف من أنّ مسقط قد تستغل الانقسامات الطائفية لإبقاء السيطرة على سكّانها، وخاصةً مع بدء التناقص في الإعانات والفرص التي تقدّمها الحكومة. وإذا قرّر الزعيم القادم كسر العادة وقرّر التحالف بشكلٍ أوثق مع السعودية أو إيران في أعقاب «قابوس»، قد تتحوّل هذه المخاوف إلى حقيقة.

 

مع استمرار التنافس بين الرياض وطهران في الشرق الأوسط، ستظل التوتّرات في المنطقة مرتفعة. وقد تلقي القوى الإقليمية التقليدية التي تعتمد على قوّتها، مثل والعراق وتركيا، بظلالها على التنافس بين الرياض وطهران، وبالتالي الحدّ من الفتنة الطائفية في الخليج. وفي الوقت نفسه، سيواصل زعماء دول مجلس التعاون الخليجي سعيهم لإعداد أنفسهم وبلادهم للدخول في عهدٍ جديد.

 

ترجمة وتحرير شادي خليفة – الخليج الجديد