مع عبور جسر الملك فهد من ، تقع أصغر دول مجلس التعاون الخليجي، . وتمثّل الدولة حالة شاذّة بين نظيراتها في المجلس. حيث تفتقر لوفرة النفط والغاز لديها، وبنت تاريخيًا سمعتها وازدهارها كمركز مالي في المنطقة، وهي الدولة الوحيدة في المجلس التي لا يمثّل النفط عائداتها الرئيسية. وهي أيضًا الدولة الوحيدة في المجلس ذات الأغلبية الشيعية.

 

وعلى الرغم من هذه الفروق، تواجه البحرين العديد من نفس المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها دول المجلس. وعلى الرغم من أنّ الانهيار في أسعار النفط لم يمس اقتصاد البحرين بشكل مباشر، فقد أضرّ التباطؤ الاقتصادي الإقليمي الناتج القطاعات المالية والصناعات الحيوية. وتعتمد الصناعات الرئيسية في البلاد على الدفعات المالية القوية التي تحصل عليها من الدول الأكثر ثراءً مثل السعودية وقطر والإمارات، في سعيها العاجل لتنويع اقتصادها.

 

ومثل بقية دول المجلس، أصبحت الحكومة في المنامة مدركة للحاجة الملحة للإصلاح. وفي الواقع، كان للأسرة الحاكمة في البحرين، آل خليفة، السبق، عندما أطلقت حملة للإصلاح الاقتصادي والتحرّر في التسعينات. وحقّقت المبادرات تقدمًا على مرّ السنوات، وبخاصة في قطاع الخدمات، وإن كان بتكلفة باهظة على المنامة. ففي كل خطوة كان آل خليفة يحاولون الحفاظ على التوازن بين شرائح المجتمع المختلفة والإبقاء على مستويات عالية من الإنفاق الاجتماعي، بدعم من السعودية، لتجنّب الاضطرابات.

 

ومع محاولات المنامة المستمرة لإصلاح دعم المياه والطاقة وإعادة هيكلة القطاع المالي لأجل جذب المزيد من الاستثمارات من خارج دول المجلس، تصبح الفتنة الطائفية أكثر فأكثر مصدر قلق للحكومة. وبالنسبة للأسرة الحاكمة السنّية في البحرين، فإنّ الاضطرابات بين سكانها تمثّل تهديدًا وجوديًا، وهو ما ستحاول إيران بالتأكيد استغلاله.

 

تحليل

حتّى مع أنّ الشيعة هم الأغلبية في البحرين، حيث يمثّلون ما بين 60 إلى 70 بالمائة من سكان البلاد، فهم ليسوا قوّة متجانسة داخل المجتمع. وتضرب الانقسامات العرقية والطبقية والدينية مجتمع الشيعة البحريني، الأمر الذي يمنعهم من الاتّحاد وتشكيل قوّة موّحدة لمواجهة الحكومة. وتحبط هذه الخلافات أيضًا محاولات طهران لكسب النفوذ في الجزيرة الصغيرة.

 

وخرج الشيعة في البحرين لأول مرة إلى الشوارع في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، ملهمين بالاحتجاجات التي اشتعلت عبر العربي في إيران. لكن بعد الثورة الإيرانية عام 1979، خرج الشقاق بين الشيعة العرب، البحارنة، والشيعة الفارسيين إلى الضوء. ويجد البحارنة، الذين عاشوا في البحرين لقرون، أنفسهم في أسفل التسلسل الهرمي الاقتصادي والاجتماعي في البلاد. وعلى الجانب الآخر، هاجر الشيعة الفارسيون إلى البحرين خلال القرن الماضي واحتلّوا مواقع أكثر راحة في الطبقة الوسطى للبلاد. وعلى مر السنين، استغلّت الحكومة البحرينية هذا الانقسام لتبقي المجتمع الشيعي بعيدًا عن التوحّد ضدّها.

 

ذاكرة التغيير

ومع ذلك، لا تزال ذكرى الاحتجاجات الشيعية في الستينات والسبعينات ثقيلة على المنامة، والتي تعتبر نفوذ إيران في البلاد تهديدًا لحكمها. ويتمتع الشيعة العرب، كبش فداء الحكومة لقمع حركات الاحتجاج، بعلاقات أعمق مع الشيعة في السعودية، لكنّهم يبقون على صلة بإيران. وعلى سبيل المثال، فقد درس الشيخ الشيعي البارز «عيسى القاسم» في مدينة قم في إيران لعدة سنوات قبل العودة للبحرين كزعيم روحي أيديولوجي لحزب الوفاق المعارض المنحل الآن. علاوة على ذلك، فإنّ الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين، التي دبّرت انقلابًا ضدّ آل خليفة عام 1981، تلقّت الدعم من طهران. وعلى الرغم من أنّ الحفاظ على علاقات وثيقة بإيران لم يعد أولوية لدى الجماعات الشيعية البحرينية اليوم، يشكّل نفوذ طهران مع ذلك خطرًا على أمن البلاد.

 

وبعد احتجاجات الربيع العربي عام 2011، رفضت بعض حركات المعارضة الوليدة في البحرين المفاوضات مع الحكومة، الوسيلة التي فضّلتها المنامة لحلّ الصراع. وردًّا على ذلك، بدأت الحكومة اتّخاذ إجراءات صارمة ضد كل حركات المعارضة للسيطرة عليها، ولم تميّز بين حركات المعارضة السلمية والأخرى الأكثر عنفًا. وفي صيف عام 2016، أصدرت المنامة قرارًا تكتيكيًا، بالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي، بتجريد الشيخ «قاسم» من جنسيته، ووضعته تحت الإقامة الجبرية في منزله، وحلّت حزب الوفاق، ردًّا على موجة تظاهرات شيعية. وفي الآونة الأخيرة، أعلنت الحكومة في يوم 5 يناير/كانون الثاني أنّ أجهزتها الاستخباراتية قد تستأنف الاعتقالات المحلية، الأمر الذي كان قد توقّف بعد الربيع العربي.

 

وجدّدت الحكومة البحرينية محاولاتها لاحتواء حركات الضغط والاحتجاج وإقناعها بعدم جدوى الاحتجاج بعد الآن. وبعد كل شيء، فالولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة يتجنبان توجيه لوم قاسي لحكومة البحرين ضد وسائلها القمعية للمعارضة، حيث تسمح لهم الحكومة بحرّية استخدام قواعدها البحرية. وقد هدأت نبرة المطالبات الغربية للحكومات بالإصلاح الديمقراطي والتسامح نوعًا ما بعد الربيع العربي. والبحرين الآن أكثر اهتمامًا بالحفاظ على الدعم السعودي والإماراتي، وفي المقابل تسعى السعودية والإمارات للتأكد من امتلاك البحرين الأدوات اللازمة للسيطرة على الفتنة الطائفية.

 

الدور الإيراني

تعكس الأحداث الأخيرة استمرار الخطر الذي تمثّله إيران على الحكومة البحرينية. ففي الأعوام التي تلت الربيع العربي، صعّدت طهران من إمداداتها من المساعدات المالية والعسكرية للجماعات الشيعية في البحرين. وبدأت معدّات تكتيكية وأسلحة بالظهور بشكل متكرر في المجتمعات الشيعية في البلاد، واعترضت القوّات البحرينية في أكثر من مناسبة قوارب تحمل أسلحة ومعدّات عبر الخليج العربي. وإلى جانب الاحتجاجات اليومية في البحرين، تشجّع طهران الشيعة على الإطاحة بحكومة المنامة، ودفع الدعم المتنامي الذي تقدمه إيران للشيعة في البحرين آل خليفة لمحاولة القضاء على جماعات المعارضة، وقطع أي علاقات مع إيران. وتساعد السعودية والإمارات البحرين في الحد من أنواع العتاد الذي ترسله إيران إلى البحرين.

 

وفي الوقت نفسه، فإنّ الوضع الاقتصادي للبحرين سيتدهور، وستتسع الفجوة بين المجتمعات الشيعية العربية والفارسية، وسيزيد اعتماد المنامة ماليًا على باقي دول مجلس التعاون الخليجي. وعلى الرغم من المشاكل المالية المتصاعدة الخاصة بها، لن تدير السعودية أو ظهرها للبحرين وآل خليفة، حيث يمثّل سقوطها تشجيعًا للمعارضة الداخلية في كلا البلدين. وبالمثل، ستحاول طهران الاستمرار في بناء قنوات تواصل مع المجتمعات الشيعية في البحرين، الدولة الخليجية الأكثر قبولًا لنجاح خططها.

 

المصدر: ستراتفور ترجمة الخليج الجديد..