لم تشفع للشعب الأردنيّ المظاهرات ضدّ اتفاقية الغاز التي تمّ التوقيع عليها مع ، فالعلاقات بين تل أبيب وعمّان، كما تؤكّد أخر المُستجدّات، ماضية في التحسّن، وتحديدًا في المجال التجاريّ، علمًا أنّ التعاون والتنسيق في المجال الأمنيّ بات سرًا معلومًا للجميع، وباعترافٍ متبادلٍ من الطرفين.

 

اللافت، أوْ بالأحرى عدم اللافت، أنّ الدولة العبريّة تقوم بتجييش إعلامها المُتطوّع أصلاً لصالح الأجندة الصهيونيّة، لنشر الأخبار عن توطّد العلاقات مع الدول العربيّة، وفي هذا السياق مع ، ربمّا لإرباك صنّاع القرار هناك، ربمّا لتأليب الرأي العاّم ضدّ الحكومة، وربمّا أيضًا لتؤكّد المؤكّد: التطبيع مع الدول العربيّة في تحسّنٍ مستمرٍ، في الوقت الذي تقوم فيه العديد من الدول الغربيّة بمعاقبة هذه الدولة المارقة بامتياز، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى الإعلان عن أنّ العزلة الدوليّة باتت تُشكّل تهديدًا إستراتيجيًا عليها. فهل الدول العربيّة المُصنفّة إسرائيليًا بالمعتدلة، أصبحت طوق النجاة من اتسّاع رقعة المقاطعة؟ الأيّام كفيلة بالإجابة.

 

في هذا السياق، كشفت صحيفة (غلوبس) الإسرائيليّة، المُختصّة بالشأن الاقتصاديّ، كشفت النقاب عن أنّ إسرائيل والأردن بدأتا بإقامة منطقة اقتصاديّة حرّة للصناعة وللأعمال على الحدود بين الجانبين في شمال غور الأردن. وبحسب المصادر في تل أبيب، فإنّ الخطة بدأ تنفيذها بتمويل رئيسيٍّ من الجانب الإسرائيليّ، وتُتيح للمصانع الإسرائيليّة وسم منتجاتها على أنّها أردنيّة وليس إسرائيليّة، ما يمنحها الفرصة لتصدير مُنتجاتها  إلى الدول العربيّة ودولٍ أخرى لا تصل إليها الصناعات الإسرائيليّة حتى الآن.

 

مُراسل الصحيفة، قام بزيارة إلى منطقة الأشغال لإقامة المنطقة الاقتصادية المشتركة بمرافقة مسؤولين حكوميين إسرائيليين، وعاين بداية الأعمال الابتدائية لإقامة جسر بطول 352 متراً شمال الغور عند التقاء نهر الأردن ووادي شوباش، وذلك في مقدمة رئيسية لإقامة المنطقة الاقتصادية الحرة بين الجانبين.

 

ولفت في سياق تقريره، إلى أنّه بحسب الخطة، سيتّم إقامة المنطقة على طرفي الجسر، وسيُطلق عليها اسم “مقاطعة مشتركة”، وذلك على مساحة 700 دونم في الجانب الأردنيّ حيث ستُشاد عليها المصانع، و245 دونمًا في الجانب الإسرائيليّ حيث ستقام مكاتب الدعم اللوجيستيّ وأماكن نقل البضائع وجباية الضرائب وغيرها.

 

إضافةً إلى ما ذُكر آنفًا، قالت الصحيفة الاقتصاديّة إنّ إسرائيل ستقوم بتمويل كلّ أعمال البنية التحتية للمنطقة الاقتصادية المشتركة بمبلغ يصل إلى 50 مليون دولار، فيما تقدَّر تكلفة بناء الجسر وحده بـ15 مليونًا. وأردفت المصادر الإسرائيليّة الرسميّة قائلةً، بحسب الصحيفة الاقتصاديّة، إنّه المنطقة الاقتصادية لن تكون تابعةً لأيٍّ من الدولتين، وبإمكان الإسرائيليين والأردنيين الدخول إليها من دون استخدام جوازات سفر.

 

وذكّرت المصادر أنّ مشروع إقامة منطقة حرة بين الأردن وإسرائيل تمّت إثارته لدى توقيع معاهدة التسوية بين الجانبين عام 1994، المعروفة باتفاق وادي عربة، لكنّ التوقيع على المشروع تأجل حتى العام 1998، ومنذ ذلك الوقت، مرّ بإجراءات قانونية وتشريعية إسرائيلية، إلى أن تقرر أخيرًا بعد المصادقات النهائية عليه البدء في تنفيذه.

 

وإذا كانت الأفضلية الاقتصاديّة، كما تشير الصحيفة، مشتركة للجانبين، فإنّ التفاصيل تُبيّن اكتفاء الأردن بإمكانية تشغيل نحو عشرة آلاف عامل، فيما تشدد الصحيفة على أنّ ذلك سيكون محلّ ترحيب من عمان ربطًا بالبطالة المتفشيّة جدًا في الأردن. يُشار إلى أنّه بحسب دائرة الإحصاءات العامّة في الأردن وصلت نسبة البطالة في الربع الأوّل من العام 2016 إلى 15.8 بالمائة. ولكن على الرغم من المزاعم الإسرائيليّة حول مساهمة المشروع في حلٍّ جزئيّ لمشكلة البطالة والفقر في المملكة،  فإنّ الواقع يؤكّد على أنّ الأفضلية هي أكثر في مصلحة تل أبيب، إذْ بإمكان المصانع الإسرائيليّة الاستفادة من التكلفة المنخفضة لرواتب العمال الأردنيين، مقارنة بالأجور المرتفعة للعمال الإسرائيليين.

 

وأشارت “غلوبس″ إلى أنّه تقرر في الخطة: تشغيل ثلاثة آلاف عامل إسرائيليّ، وتنقّل حر للبضائع ورجال الأعمال والمواد الخام، مع منح المصانع الإسرائيليّة رزمةً من التسهيلات، منها الإعفاء الضريبيّ.

 

ومن بين الفوائد الاقتصادية الإسرائيليّة أفضلية المكان لإقامة المنطقة الاقتصادية المشتركة ووقوعها بالقرب من الطريق المؤدي إلى ميناء حيفا، التي تربط إسرائيل بأوروبا وبالغرب، وأيضًا باتجاه عمّان ومدينة إربد الأردنية، الأمر الذي يسمح بنقل البضائع بسهولة إلى خليج العقبة، ومنه باتجاه آسيا.

 

والأفضلية الأكثر جدوى لإسرائيل هي إمكانية أنْ تخرج المنتجات من المصانع الإسرائيليّة مع وسمها وفق ما تريد: بين “صنع في إسرائيل” وبين “صنع في الأردن”، وكذلك إمكانية وسمها بـ”صنع في بوابة الأردن”، الأمر الذي يتيح للمملكة الهاشميّة، كما أكّدت الصحيفة، إخفاء التعاون مع إسرائيل، وبالمُقابل يمنح المصانع الإسرائيلية الفرصة لتصدير المُنتجات إلى دولٍ لا تستورد حتى الآن منها، على حدّ قول المصادر الرسميّة في تل أبيب.

 

وكان لافتًا للغاية العنوان الذي اختاره موقع (المصدر) الإسرائيليّ، المُقرّب جدًا من وزارة الخارجيّة في تل أبيب، للتقرير عن المنطقة الاقتصاديّة: “شبه سري.. انطلاق تشييد منطقة تجارة حرّة إسرائيليّة-أردنيّة مشتركة”.