خاص – عبدالحليم الجريري – - خمسٌ عجاف وحصادهنّ مرارة وسؤال، سؤال مفتوح بعنوان الثورة وعن حصادها وأهدافها التي لا يزال كثير منها مجرد شعارات ثورية تنشد طريقها الى التجسيد، سنوات خمس لا يتوان قسم من الشباب التونسي بوصفها بالعِجاف بعد أن تهاوت انتظاراتهم وآمالهم بالعدالة الإجتماعية والمساواة والكرامة إلى منحدر الواقع السياسيّ في البلاد.

 

حالة أفرزت أشبه ما يكون بحالة من الردّة “الثوريّة” بعد أن بدأت أصوات كثيرة ترتفع تحسّرا على زمن النظام البائد بدعوى أن الأوضاع الإجتماعية والأمنية كانت أفضل ممّا هي عليه الآن، ردّة تصطدم برفض قاطع من شباب الثورة الذين يعتبرون هذه الحالة مدعاةً لعودة أزلام النظام السابق، ليتكرّس بذلك واقع من الانقسام السياسي في البلاد ما بين المتمسّكين بآمال الثورة والقانطين منها.

 

الثورة.. منزلة ما بين المنزلتين

يسري اللواتي (23 سنة) هو شابّ من الذين تعلّقت آمالهم بالثورة لدى حدوثها، لكنّ رأيهُ فيها بدأ بالإهتزاز بعد برهةٍ، يقول: “للأمانة وحتى أكون صريحا معك، كنت في بداية الثورة ميّالا للإتجاه الثوري في تونس، مايعني أنني ساندت إسقاط النظام كما كان نهج أغلبية التونسيين وظل هذا الهدف قائما بداخلي الى حين هروب الطاغية الى .

 

لكن المسار السياسي والإجتماعي وحتى الحراك الثوري في تونس إنحرف بعدها عمّا كانت تتطلع اليه النخبة والشعب في تونس، لا يمكننا إنكار أنّ فئة من التونسيين يتندّمون اليوم على عهد تونس أيام بن علي، لكنني أظمّ صوتي لأصوات الذين يرون أن الدّول لاتقف على الأشخاص والأنظمة بل على تطلعات شعوبها وتشبّثها بالإصلاح والديمقراطية التشاركية.

 

شخصيا لا أعتبر أنّ ما حصل في تونس ثورة، لأن الثورة لها تداعياتها ورجع صداها الإيجابي على المجتمع والنخب السياسية، لكن ما حصل هو ثورة مؤقتة ربّما ثم تقلصت لتكشّف عن نفسها بأنها انتفاضة  شعبية لا قُيّاد فيها، ولذلك نرى توازنا قد بدأ يعود للمنظومة القديمة، لأنّ الذي حصل في تونس لو كان ثورة لكان استأصل شأفة النظام القديم وبدّلها برموز ثوريّة حرّضت على الثورة وصنعتها وقادتها نحو النجاح.

 

وبالنظر والتمحيص والتدقيق في ما يحصل حولنا في العالم العربي، بإمكاني أن أقول لك إنّ ما حدث للأنظمة العربية هو مؤامرة مكتملة الأركان، يمكنني إضافة الحديث عن الأوضاع الاجتماعية في تونس لأتمّ قناعتي بأن الحال كان أفضل عهد الدكتاتوريّة ممّا هو عليه الآن، خاصّة وأن أسمى أهداف هذه الإنتفاضة لم تتحقّق بل زادت انحدارا نحو دركٍ سحيق وقد تستغرق الظروف الاجتماعية والاقتصادية سنوات لكي تنجح في العودة الى ما كانت عليه”

 

ثورةٌ مباركة رغم الرياح والأنواء

مالك زغدودي (22 سنة)، طالب بمرحلة الماجستير قسم فلسفة الايتيقيا والجماليات، يرى أنّ الأهمّ من الشغل والقوت هو الحريّة، ويعبّر بحماسٍ: “كشاب تونسي لا يمكن لي أن أتحسر على أيام القمع والتكبيل للحرّيات، ولا يمكن لي التندّم على انعدام كلّ فرص الحياة الكريمة، ففي العهد السابق كانت كلّ أمور البلاد تُسيّر بالرشوة والمحسوبيّة، رئيسنا كان عبارة عن ستار تحدث خلفه كبرى عمليّات التحيّل في تاريخ البلاد من عائلته.

 

ثقافتنا كانت مشبعة بلون البنفسج وخطاب البنفسج وسياسة البنفسج، الفساد كان ينخر كل شبر من هذا الوطن، فالثورة إذن كانت فرصة للحلم والأمل، نعم قد تتعثّر أحيانا لكنها سوف تصل إلى الطرف الثاني من النهر قريبا، ولا يمكن لي بأي شكل من الأشكال أن أشتاق الى النظام السابق أو أن ألعن الثورة التي منحتني فرصة قول هذا”.

 

بمصدَحٍ آخر، تعتبر جهان الرّحال (20 سنة) أنّ استتباعات مبنيّة على ما قبلها من أسس متآكلة، إذ تقول: “صحيح أننا اليوم نعيش أزمات إجتماعية وإقتصادية متعددة كانت من استتباعات الثورة، والشباب التونسي هو من لعب دورا لا يستهان به في التعجيل بسقوط بن علي ذات 14 من كانون الثاني سنة 2011، لكن، لا يمكنه اليوم إخفاء خيبة أمله خاصّة في ما يلاحظُهُ من بطءِ وتيرة الإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية وتفاقم ظاهرة البطالة التي أعتبرها المحرّك الميكانيكي لعمليّات الإرهاب التي لم يأنسها الشعب التونسي من ذي قبل، ينضاف إلى ذلك غلاء المعيشة وسوء الأوضاع السياسية خلافا للقضايا والمشاكل التي لم تحل بعد، فهناك مشاريع معطلة بسبب الإضرابات المتواصلة وهنالك فساد إداري كارثي مُستَحكم في البلاد، وهنالك تدهور للمقدرة الشرائية، ورشوة ورجال أعمال فاسدين لم يحاسبوا بل أكثر من ذلك، صاروا محركين للمشهد السياسي والإعلامي منحازين لمصالحهم  لا يخدمون غير أجنداتهم.

 

لا يمكننا أن ننكر أن جزءا مما يحدث اليوم هو نتيجة لتراكمات سابقة تمثّلت في أخطاء استراتيجية كبيرة في التعاطي مع المعاضل الإجتماعية الكبرى.

 

وقد يكون الحال الراهن أسوأ ممّا كان عليه قبل الثورة، لكنّ هذا لا يتطلّب العودَ على بدء بقدر ما يتطلّب انتهاج رؤية متوازنة ومنوالا تنمويّا عادلا للمرحلة الحاليّة تفاديا لأخطاء ما قبل الثورة واعتناءً بمقدّراتها، كما يتوجّب على السلطة خاصّة الاهتمام بالثورة المعرفية والانخراط عموما في المشهد العالمي من كلّ جوانبه”