29 ماي 1999: في أول خطاب رسمي له، بعد توليه رئاسة البلاد، أسهب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، في شرح الوضع الداخلي، وتشريح الحالة المأساوية للبلاد، بعد عشرية أتلفت الأخضر واليابس.

وبقبضة يده، التي شغلت العالم بساسته، وإعلامه، و لأعوام، إضافة إلى الصوت الملعلع، لقّب الرئيس مكامن الداء، واسترسل في وصفات التنقيب عن الحلول، والتقليب لصورة الجزائر الداخلية، والخارجية، وعلى أكثر من زاوية، مهتديا إلى عدد من الخلطات السياسية السحرية، والتي أنعشت الجماهير، مباشرة بعد نهاية الخطاب، والذي كان بمثابة خطاب حالة الإتحاد، السنوي، في الولايات المتحدة الأمريكية، لتميّزه برسم الإستراتيجيات، وتصور أنجع البدائل السياسية، والاقتصادية، والأمنية.

ورغم الإشادة الشعبية، والفرحة العارمة، استكثرت صحف كثيرة، على الشعب، ميلاد جمهورية جديدة، واختصرت الخطاب في جملة واحدة” وعود الرئيس، من تلبيس إبليس”؟

27 افريل 2013: هو اليوم المشؤوم، في ذاكرة كل جزائري، توشّح العلم حبّا، وتمسّح بإزار الرئيس، مكرُمة ووفاء، وذلك بعد إصابته بجلطة دماغية، أقعدته الفراش، بعد سنوات من الجدّ، والكدّ، والردّ على أشرس خصوم الجزائر، المعاصرة، وشرّ عباد، استوصوا بها خيانة، ودمارا.

أما بعد:

رغم الآلة الأمنية الرهيبة، والمنظومة السياسية، والشعبية، غير المعيقة، في استمرار نهج الحيتان، والديناصورات، يقف الفاعلون الرئيسيون، على الخارطة الجزائرية، من رجال الظلّ، الحاكمين الفعليين، والمتحكّمين بالرقاب، وفي “عزوة” حماية المخالب، والأنياب، منقبضي الصدور، شاردين، مُنغمسين، في “التخياط”، خوفا من خطر ما داهم، في ظل وضع سياسي، واقتصادي، واجتماعي، وتربوي، متعفّن، وتحديات إقليمية، ودولية، مهولة، لا تجد من يواجهها، في غياب من يُشير، ويُجير البلاد بالرأي، والسّند.

سياسة “التخلاط” قائمة، إلى حين حزم سيّد الموقف أمره، بعيدا عن الأطر الحزبية السرطانية، وفيروسات المجتمعات الجمعوية، والمدنية، خاصة وأن صورة الرئيس، والتي يراهن عليها رجالات الدولة، ومافيا المال والأعمال، لم تعد مطمئنة، ولا مقنعة تماما، والمصلحة العليا للبلاد، تقتضي حلا عاجلا، من كل شريف، مدني أو عسكري، وذلك لسدّ حالة فراغ رهيب، تلت مرض الرئيس، وأدخلت الجزائر، في جدال عميق، عقيم، لم تنل منه غير الشماتة، والأزمات المتتالية..

في غُرّة نوفمبر المجيد 1954، فعل رجال الجزائر ما يلزم، بعيدا عن الإيديولوجيات، وصراع الأفكار، لكن وكما قال الأستاذ الراحل أبو الاعلى المودودي، فقد استجاب الجزائريون للثورة ضد المستدمر الفرنسي، بعبارة بسيطة ” هبّوا لنجدة دينكم”، ولم يكن للنخب الفكرية، السياسية، حينها دورا يُذكر، فما أشبه اليوم بالبارحة، لو أدركنا دورنا، دون أنانية، ولا تبعية، وابتعدنا عن تخوين كلّ من يُعارض وأد الجزائر، وتشويه سمعة أبنائها البررة.

الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مريض، ولا يمكن لأحد أن ينكر فضله، في مواقع كثيرة، فالرجل من طينة الكبار، والأعلام السياسية، المخضرمة، وواجبنا أن نكمل مسيرته، وعهده، ويبقى هو بيننا، رمزا، ومرجعا، وشرفا.