ما الذي يدفع الأردن الذي يتمتّع بأمن وسلام نسبي من الحروب والنزاعات التي تدور حوله منذ سنوات، لإطلاق أجراس الإنذار والتحذير من الخطر القادم من الشرق؟ فعلى لسان رئيس أركان جيشه الفريق الركن محمود فريحات، يحذر اليوم من ما أسماه “الحزام الإيراني” الذي يمكن أن تطوق فيه إيران بلاد الشام مع شبه الجزيرة، بعد أن رسمت “هلالها” من اليمن إلى العراق فسوريا فلبنان.. فلماذا أطلق الأردن صرخته الآن؟

 

من “” إلى “الحزام الإيراني”

قبل ست سنوات، أطلق الملك الأردني مقولته الشهيرة، والتي تنبأ فيها من ظهور “الهلال الشيعي” في المنطقة، وكان على الدوام يحذر منه، ومن وأخطاره. واليوم وبعد أن تحقق “الهلال” ها هو رئيس هيئة أركان الجيش الأردني الفريق الركن محمود فريحات يطلق تحذيرًا جديدًا حول ما أسماه “الحزام الإيراني” الذي يمكن أن يكون جسر إيران إلى قلب العالم العربي.

 

خروج قائد الجيش الأردني إلى وسائل الاعلام، والظهور على شاشة الـ “بي بي سي”، ليس من الأمور المألوفة في الأردن، كما أنه لا يمكن أن يكون مبادرة فردية منه مثلاً، حيث يرجح الكثير من المحللين أن المؤسسة الحاكمة هي من أعطاه الضوء الأخضر للخروج بهذه التصريحات، وبلسان عسكري بحت، ربما يحمل هذا الأمر الكثير من الرسائل والدلالات، أهمها: محاولة طمأنة الأردنيين بإظهار قوة ونباهة الأردن وجيشه وأجهزته الأمنية لكل ما يحيق به، ولكل المخاطر التي تحفه من كل جانب، خصيصًا، بعد عام دام وصعب على الأردنيين، بسبب الهجمات التي نفذها عناصر من “داعش” داخل البلاد، في إربد وشمال عمان والكرك، والتي أودت بحياة الكثير من العناصر الأمنية وأفراد الجيش.

 

وكان ذلك واضحًا جدًا في كلام رئيس هيئة الأركان، وهناك دلالات كثيرة تشير إلى ذلك، فالرجل تحدّث عن طريق بري يصل إيران بلبنان (النفوذ الإيراني)، وعن تصرفات “الحشد الشعبي” الطائفية، وعن خطر “داعش” (جيش خالد بن الوليد) على بعد كيلومتر واحد من الحدود الأردنية، وعن قنوات مفتوحة لم تغلق مع السوري، وعن تدريب جيش العشائر السورية (جيش سورية الجديدة) لمواجهة داعش عسكرياً. ويقول الكاتب الأردني محمد أبو رمان أن وضع هذه المفردات في دائرة متصلة يقودنا إلى تفكير عميق في داخل المؤسسات السياسية والعسكرية حول المقاربة الأردنية، وما يمكن أن يحدث من تغييرات في المرحلة المقبلة، على الصعيد المحلي والإقليمي للأردن.

 

رسالة أخرى ربما يحاول الأردن إيصالها من خلال هذه التصريحات، وهي أن الأردن ما يزال يقف بمعسكره السني، والذي تتزعمه السعودية –العدو اللدود لإيران- والتي ما زالت تعتبر أن إيران هي الخطر الأكبر على المنطقة؛ حيث لم يخفي الجنرال فريحات قلقه من “محاولة اقتحام الحشد الشعبي الشيعي العراقي، مدينة تلعفر ذات الغالبية السنية، وتهديده  بدعوى محاربة “الدولة الإسلامية” في سورية بعد “تحرير” مدينة .

 

البعض يرى أن هذه التصريحات جاءت من باب تحسين العلاقة مع الحليف الأكبر –السعودية- وإرضائها بالتحذير من إيران، فمثل هكذا تصريحات تستهوي بالعادة السعودية وأمرائها، فهي اليوم بحاجة لأي دعم من المعسكر السني – ولو بتصريحات سياسية- في حربها التي تخوضها عسكريًا ضد الحوثيين (أدوات إيران في اليمن) ، وسياسيًا ضد إيران نفسها، والتي من المرشح أن تطول. حسب تقرير نشره موقع “نون بوست”.

 

فهل هناك ثمن لهذه التصريحات، وهل سيكون هناك مقابل ما –ربما ماديًا- للأردن من قبل السعودية، خصيصًا أن العام المنصرم قد انتهى دون أي تجديد للمنحة الخليجية الخمسية -مقدارها مليار دولار سنويًا- والذي يرجع لاستنزاف حرب اليمن للاقتصاد السعودي، حيث اضطر النظام السعودي لإعلان حالة التقشف، وتفاقم الأزمات الاقتصادية خلال عام 2016.

 

وماذا عن العلاقة المباشرة مع إيران؟

في أكتوبر الماضي، أي قبل نحو ثلاثة أشهر من الآن، حذر الأردن من تقدم وسيطرة لمليشيات شيعية على طول الحدود الشمالية، حيث قال مراقبون أن سبعة آلاف مقاتل من ميليشيات وقوات الباسيج والحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس وغيرهم، يقتربون من حدود الأردن الشمالية لتسريع وصول قوات النظام السوري إلى معبر الجمرك القديم مع المملكة، فضلا عن السيطرة على الطريق الواصل بين دمشق والحدود الأردنية.

 

حيث حذر هينها خبراء أردنيون وعسكريون من اقتراب المليشيات الشيعية والإيرانية من الحدود الأردنية، مؤكدين على أن خطورتها موازية لخطورة ووجود عناصر من تنظيم داعش بالقرب من قواعد الاشتباك التي وضعتها القوة الأردنية لنفسها.

 

وأكد خبراء وعسكريون حينها أن ما يحدث بالقرب من الحدود الأردنية يأتي في سياق ترجمة الأطماع الإيرانية في المنطقة، وفق رسائل سبق وأطلقها قاسم سليماني من أجل العبث بالأمن الأردني.

 

هذه التحذيرات لتلك التحركات الإيرانية –أو المدعومة من قبل إيران- تحمل خطرًا وتهديدًا مبطنًا من للأردن: إننا هنا، كونوا حذرين. ربما هذا ما يريد الإيرانيون إيصاله، مزيلين بذلك أي رمادية في العلاقة بين الطرفين.

 

كل محاولات إنجاح العلاقات الأردنية الإيرانية باءت بالفشل، إذ بقيت العلاقات بين البلدين إما مقطوعة أو متوترة أو باردة أو شبه مجمدة، منذ وقت طويل.

 

فالمراقب لتطورات العلاقة بين عمان وطهران، يجد أن أبرز المحطات السياسية بين الطرفين كانت متوترة، ففي العام 2000، حيث توترت العلاقات بين البلدين عقب انتفاضة الأقصى ومحاولات إيران إيجاد موطئ قدم لها في فلسطين على حساب المصالح الفلسطينية وكذلك الأردنية، حسب قول الحكومة الأردنية.

 

وفي 5 شباط/فبراير من العام 2002، أعلنت الإذاعة الإيرانية أن وزارة الخارجية الإيرانية استدعت السفير الأردني في طهران لتبلغه احتجاج الحكومة الإيرانية على التأييد المطلق الذي أعلنه الملك الأردني للاتهامات التي وجهها الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الابن في خطاب حالة الاتحاد لما أسماها دول محور الشر، ويعني بها إيران والعراق وكوريا الشمالية.

 

وفي 2 آذار/مارس من العام 2002، اتهم السفير الأردني لدى طهران بسام العموش إيران باختراق أراضي بلاده أمنيًا، وذلك في أول انتقاد أردني علني وقوي ضد الجمهورية الإسلامية منذ اعتلاء الملك الأردني الملك عبد الله الثاني العرش في شباط/فبراير 1999.

 

إلا أنه في 2 أيلول/سبتمبر 2003 أجرى الملك عبد الله الثاني محادثات في طهران مع الرئيس الإيراني آنذاك محمد خاتمي ركزت على الوضع في العراق وفلسطين وعلى تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، وهي المرة الأولى التي يزور فيها ملك أردني إيران منذ قيام نظام الثورة الإسلامية عام 1979.

 

لكن في عام 2004 اتهم الملك عبد الله الثاني في حوار مع صحيفة واشنطن بوست الأميركية، إيران بالعمل لإقامة جمهورية إسلامية في العراق تكون مقربة جدا منها، محذرًا بذلك ولأول مرة، من سعي إيران لإقامة “هلال شيعي” في المنطقة يضم إلى جوارها ولبنان والعراق.

 

وفي 6 كانون الثاني/يناير من العام 2005، أعلنت إيران أن وزير خارجيتها سوف يقاطع مؤتمر جيران العراق المقرر عقده في الأردن لكونه يهدف إلى التأثير على الانتخابات في العراق، وأن عمّان “توفر مأوى للبعثيين وضالعة في مؤامرة من أجل عودة الحكم الملكي الهاشمي هناك”.

أما في 8 كانون الثاني/يناير من العام 2007، طالب 28 نائبًا في البرلمان الأردني عبر مذكرة رسمية حكومتهم بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وحل لجنة الصداقة البرلمانية الأردنية الإيرانية، وذلك بسبب “موقف طهران الصفوي الفارسي من إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين”.

 

بينما في 7 تموز/يوليو من العام 2015 بدأت محكمة أمن الدولة الأردنية بمحاكمة المواطن العراقي خالد كاظم الربيعي الذي يحمل الجنسية النرويجية، بتهمة “العمل لحساب تنظيم يتبع الحرس الثوري الإيراني ويشتبه في أنه خطط لتنفيذ أعمال إرهابية في الأردن”.

 

وأخيرًا، في 18 نيسان/إبريل من العام 2016، استدعى الأردن سفيره في طهران للتشاور فيما اعتبره “وقفة تقييمية للمعطيات الدالة على التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لدول عربية”.

عن “نون بوست”